

غزاي درع الطائي : نحن الذين رحلنا أنت باقية
حين تكون القصيدة عنوان وفاء – نهى محمد الخطيب
في زمن تكالبت فيه المادّيات ، وصارت الفضائل موضة قديمة ، والتّنكّر للجميل أضحى بديلا للإعتراف به .
في زمن ذهب الوفاء (حتّى كأنّ وجوده ضرب من الأوهام كالعنقاء ) .
في هذا الزّمن نفرح كثيرا حين نصادف أناسا ولو على أثير هذا العالم الأزرق تبرهن لنا أنّها تملك قلوبا كالمصارف ، لازالت تتعامل بعملة نادرة إسمها : الوفاء .
وأنا أُنَبِّشُ على مادّة تصلح للقراءة والإستمتاع ، إستوقفتني قصيدة للشّاعر العراقي الكبير ، الأستاذ الصديق غزاي درع الطّائي ، هذا الشاعر الذي يملك ناصية الكتابة ويبحر فيها بتمكّن بأساليب إبداعية فنّية ليس لها نظير .
إستوقفتني قصيدته العمودية على بحر ” البسيط ” المُهداة لروح أستاذته في أربعينيتها بعنوان مباشر تلقائي يكشف عن حالة من الفقد التي يضجّ بها النّصّ : ” نحن الذين رحلنا انت باقية “
مضمون القصيدة ذكّرني بجواب أحد العرب حين سُئِل : بأيّ شيء يُعرف الرّجل دون تجربة أو إختبار ؟ قال : بحنينه إلى وطنه ، وتلهُّفه على ما مضى من زمانه ، وتذكّره لإخوانه وخلاّنه .
هذا المعنى يجسده النّص في إطار من الوظائف الجمالية التي تبعث على تكوين إنطباع ذاتي مريح ، رغم كون غرض القصيدة الأساس هو الرّثاء ، باعتباره أحد فنون الشعر العربي البارزة في العصر الجاهلي والإسلامي والعبّاسي والأموي ، وهناك آلاف القصائد في هذا اللّون التي يبكي فيها الشّعراء والشّواعر أفراد أسرهم وأقربائهم وأصدقائهم وبلدانهم أيضا . ومن الجميل ان يحافظ شعراء من امثال غزاي درع الطّائي في أيّامنا هذه على هذا الفنّ رغم تفاوت في التصوير والرّؤية الفنّية ، ورغم الإهمال الذي طال هذا الغرض لأسباب قد يكون اهمّها طغيان المادة على الرّوح في حياتنا الإجتماعية ، وتفسّخ العلاقات ، وإصابتها البرود ، بينما كانت قديما متماسكة كالجسد المرصوص والشاعر فيها زعيم قبيلته والناطق بإسمها في السّرّاء والضّرّاء .
توقف الرثاء
وحتّى لانجحف العصر الحديث حقّه ، فقد توقّف الرّثاء عند قصائد البارودي وعزيز اباظة وعبد الرّحمان صدقي … أمّا نزار قباني فقد كان رثاؤه لزوجته بلقيس بقصائد نثرية . لنعد إلى مرثية الشاعر غزاي درع الطائي التي تعتبر التعبير الأسمى لطبيعة العلاقات الوجدانية الصادقة ، فهي تأبين لروح الفقيدة في أربعينيتها بتعداد صفاتها الحسنة ، والثّناء عليها :
مازلت تمشي بين الورد زاهرة
من قال إن صفوف الورد خالية منذ القراءة الأولى تستمتع بالإيقاع الموسيقي الذي سيستمرّ معك في باقي القصيدة لخلق توازن بين كل ابياتها .
قد ارتقيت إلى العليا ولاعجب
أن ترتقي قمّة العلياء راقية
كالنّجم لامعة كالماء مخيية
كالماس غالية كالنّخل عالية
كل الأوصاف الجميلة أضفاها على روح الفقيدة في بناء نظمي ووزني يعكس المظهر الصوتي الخارجي للنص ، ويمثل بالإضافة للوفاء للفقيدة ، وفاء للقصيدة العمودية على مستوى جمالية اللّغة وصورها البيانية السّاحرة .
قد كدّر الموت عيني لا أمان له
فقلت : مهلا ، عيون الله صافية
ياليل لاتبعد الأحباب عن نظري
قلبي ضعيف وايّامي مُجافية
تصوير دقيق يظهر المَعْنَوِي في شكله المحسوس ، بطريقة بليغة ، تتّضح فيها مصداقية العاطفة … ولغة تأسر القارئ ليذوب فيها ويكتشف تركيباتها المتنوعة التي تتعدّى الدّلالات المعجمية الضّيّقة .
قوتي ووقتي على حدّين من ألم
لكن نفسي على العهد باقية
مقاعد الدّرس لازالت تسائلني
عنها ، اقول غدا فالصبح عافية
الحزن جمرة بلوط تسامرني
كانت (منى) إنّما الأيام ماشية
سمة انسانية
الحزن سمة إنسانية عامّة ، لكنّك أمام حزن الشّاعر تظنّ ان لا خلاص لأنّ أحاسيسة تختزن الكثير من الألم ( الحزن جمرة بلوط تسامرني)
فحزنه دفين ومحرق للنفس ومعدي ، إذ ينتقل بسرعة لوجدان وخلجات القارئ .
نقّعت قلبي بمسك الحزن سيدتي
وانت في روضة الرحمان زاهية
عجوز حزني بأحزاني مرابية
الحزن في سبعة والمزن جافية
حزني على الغير نثر او مداخلة
حزني عليك شعر وقافية
في كتاب البيان والتّبيين أورد الجاحظ سؤالا وُجِّهَ لأعرابي : مابال المراثي أجود اشعاركم ؟ فأجاب : لانّا نقول واكبادنا تحترق إنّ مشاعر الحزن الحقيقيّة ولّدت حرارة التعبير وبوحا مريرا مابين الصّمت والصّوت ، فالشّاعر عاش ويعيش بالفعل هذا الحدث ، ومتأثّر به أكثر من كونه مراقبا لما حوله ، ينقل إحساسا لم يعشه ، ولهذا ليس كل شاعر قـــــــادر على إنتاج قصيدة حزينة ذات وزن وقافية ، كما فعل شاعرنا ، بالرّغم من أنّ تعبيره عن حزنه عادة لايتعـدّى مجرّد نثر ومداخلة …
مجمل القول أنّ الشاعر بالإضافة لمضمون النص ، قدّم لنا رؤية متكاملة عن جماليات القصيدة الكلاسيكية الجديدة ، حتّى لايظنّ البعض انّ الإبداع والتّجديد غابا عن القصيدة العمودية .
قدّم لنا نسقا فنّيا متشابكا ما بين الموروث الماضي ، والحاضر الإبداعي ، ملتزما بوحدة القافية ، وترابط الأبيات ، وانتقاء الألفاظ والكلمات ، وتنويع الأساليب البلاغية البديعية التي أضفت على النص قوّة إيحائية وإبداعية جميلة .
























