
فم مفتوح.. فم مغلق
حوارات جمرة القيظ – زيد الحلي
قبل ان اعرف معاني ومفاهيم (جمرة القيظ) و (الاحتباس الحراري) وتأثيرهما المباشر على الارض والانسان، كونهما يؤديان الى زيادة شديدة في درجة حرارة سطح الارض نتيجة ارتفاع في تراكيز ثاني اوكسيد الكربون والميثان، لتصل إلى 50 مئوية في الظل وتتجاوز 70 تحت أشعة الشمس، كنتُ استمع الى تحذيرات رجل عراقي، محب لبلده من تداعيات ما نشهده اليوم، من خراب بيئي ودمار صحي على مستوى الانسان والزراعة في العراق.. كان ذلك في أواسط سبعينات القرن المنصرم .. ماهي تلك التحذيرات ..ومن هو الرجل الذي اطلق صيحاتها؟
انه د. ضاري مشحن الحردان، وكان يشغل رئاسة مشروع المسيب الكبير بناحية (جبلة) بمحافظة بابل، وهو أعظم مشاريع العراق الاروائية في العراق والشرق الاوسط وافتتح في عام 1956… كان هذا الرجل، عالما في اختصاص التربة والري والزراعة … وانني كنتُ كثير اللقاء به، من خلال زياراتي لمدير مكتبه ابن عمتي الاستاذ فاضل العتبي طيب الله ثراه .. فحين ازوره، كان اللقاء يتجدد مع العالم المرحوم الحردان .. كان فرحه يزداد، وهو يتحدث عن مشروع المسيب الكبير الذي هو عبارة عن مدينة جميلة صغيرة متكاملة في كل الخدمات، تبلغ مساحتها 897 كم، وعدد نفوسها نحو 100،981 نسمة، وهي مدينة مشهورة بـاسم جبلة ، لوجود مجموعة من التلال الأثرية العائدة إلى الحقبة البابلية… ومعروفة بالزراعة وتحيط بها الغابات الكثيفة وأراضيها، زراعية خصبة، وباهرة الجمال في بساتينها ومحاصيلها المتنوعة، وفيها مجموعة من الغابات الاصطناعية الواسعة..
كنتُ ألاحظ، ان حديثه يزداد تدفقاُ حين يأتي على ذكر الغابات التي تحيط بالمشروع، وكان يتمنى عليّ ان انشر دوما في الصحافة موضوعات على لسانه، تؤكد ضرورة البدء بتنفيذ مشروع الحزام الاخضر حول بغداد والمحافظات من خلال تكثيف الغابات الاصطناعية، ولن انسى قوله ان (ابواب جهنم) ستفتح يوما بوجوه العراقيين، ولا يمكن الحماية منها إلا بوجود الغابات والاشجار المعمرة .. وصدقاً فُتحت هذه الابواب باســم (جمرة القيظ)!
ومرت السنين، ومرت عقودها، واثبت د. الحردان ان كلامه ومناشداته كانت صادقة، واساسية، غير ان عدم الاخذ بها، جعلنا نعيش اسوأ ايامنا .. صدقت ايها العراقي النبيل، واشهد ان صوتك كان عاليا، ومناشداتك مدوية، فالغابات هي رئة الأرض الحقيقية وهي أحد أهم المصادر الطبيعية المتجددة التي تقوم بدورها الحيوي على أكمل وجه في امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون والغازات الضارة الأخرى من الجو وإطلاق الأوكسجين النقي، وفلترة الهواء و ترسيب الغبار والأجزاء المعلقة الضارة، ولو تحقق حلمك على صعيد العراق، لكان بلدنا طارداُ لـ(جمرة القيظ) وغير معترف بـ(الاحتباس الحراري)..
الرحمة لك، د. الحردان، الساعي الى جعل تربة وهواء العراق، خاليين من اضرار البيئة، ووضع الاساليب الصحيحة لوقف العواصف الرملية والترابية والحد من اخطارها… فليس للرجل سوى مجد واحد حقيقي، هو التواضع، وحب وطنه، والسعي لسعادته..
يا رب اقض على جرثومة (جمرة القيظ) عاجلا… فانت سميع الدعاء. أفلا تكفينا (جمرة) حوارات الفضائيات التي تجعلنا نعيش جوا من الرعب ولاسيما ان الانتخابات قربت… والانشقاقات بانت.. والشتائم لاحت!
Z_alhilly@yahoo.com

















