حصاد وفير يضع البيض في سلة واحدة – – اضواء – عبد الستار ابراهيم

أطياف فريد زامدار المضيئة

حصاد وفير يضع البيض في سلة واحدة – – اضواء – عبد الستار ابراهيم

فريد زامدار ( تولد هولير 1952) مبدع كوردي له حضور لافت في ساحة الشعر الكوردي ، فضلاً عن نشاطه الملحوظ في فعاليات مؤسسة الثقافة الكوردستانية 0

له حصاد وفير ومتنوع في حقل التأليف ، وهو الذي جمع عدة بيضات في سلة واحدة ( شاعر ،  تشكيلي ، أعلامي ) في بواكير شبابه خربش العشرات من اللوحات الفنية ، قبل أن تنضج أدواته وفي الفترة ذاتها وجد نفسه ميالا الى الشعر ، فَنَهل من ينابيعه الكلاسيكية على أيادي : فقيه تيران ، أحمدي خاني ، نالي ، ومحوي .. أما من مناهل الحداثة ، فكان أمامه عبد الله كوران ، انموذجا حاضرا بقوة.

حضور طيب

ليس أمام زامدار حسب ، بل أمام مجايليه ومعاصريه.

وصفه البعض من المتابعين والدارسين – أمثال الصحافي السوري إبراهيم حاج عبدي – بأنه متمرد على قواعد الشعر وكل ما يمكن أن يحدده أو ينمطه من أساليب وقوانين .وتدفع الحماسة بعبدي للقول ( ربما بشيء من المغالاة )  : أن الشاعر زامدار مختلف عن أقرانه بكل المقاييس ، يشيد عالمه الشعري بأسلوب خاص يكاد يشكل قطيعة مع المنجز الراهن ، ليس على المستوى الكوردي فحسب ، بل على المستوى العالمي أيضا ! ) .

بعد أن أمسى له حضورا طيبا في المشهد الثقافي ، تبوأ العديد من المسؤوليات المهنية والأعلامية، أبرزها : رئيسا لتحرير مجلة (به يك – القاصد) مديراً لتلفزيون قناة أربيل .

من ثم مستشارا في وزارة ثقافة الأقليم .. أصدر الشاعر العديد من الدواوين ، تُرجم بعضها الى الفارسية والعربية ، منها : برق سحابة منشودة ، بلا عنوان ، فراغ في العقل الإملائي .. وغيرها

( أطياف مضيئة ) لفريد زامدار ، كتاب صغير بحجمه وعدد صفحاته (66 صفحة ) بل هو أقرب لكتيب بغلاف جميل ولافت – حتى بسواده العميم – أضطلع بتصميمه هريم عثمان .صدر عن مطبعة شهيد آزاد هورامي – كركوك 2014 .بعد الغلاف وورقة التعريف الأولى ، تطالعنا توطئة بقلم الكاتب نفسه ، قال فيها : ( إذا كان عظمة الإنسان تكمن في بحثه عن الحقيقة ، فأن مأساته هي أدراك تلك الحقيقة ، أو الأحرى الخروج عن الزمان والمكان الى عالم خاص يقع خارج التأريخ ، البحث الشاق عن الحقيقة الإنسانية المطلقة ، محاولة لاكتشاف الذات والمخزون الفكري لمراوغات الطبيعة والكون وأسرار الإبداع البشري في كافة مجالاته وبالأخص ( الشعر ) خارج دائرة الرؤية التقليدية .

في هذا الكتيب هنالك محاولة متواضعة لاكتشاف المرئي واللامرئي في عوالم مضطربة ومتوترة للوصول الى مناخات أكثر فهماً من اللافهم .. فلا خطوط مستقيمة إلا في أذهاننا)

ضم كتاب ( أطياف ) ثلاثة حوارات مع : مظفر النواب ، ممدوح عدوان ، وزكريا تامر .. الى جانب مقال حول رائد قصيدة النثر العربية محمد الماغوط ، اعقبتها جملة إنطباعات للكاتب حول مشاركته في فعاليات مهرجان المتنبي للشعر العالمي الذي أقيم في زيورخ بسويسرا ، في العام 2…إضافة الى حوارين أجُريا في دمشق مع الشاعر نفسه (زامدار ) .

الحوار مع شاعر ( الريل وحمد ) مظفر النواب ، له نكهة خاصة ولم يخل من الصراحة ، وتنوعت محاوره ، فمن العلاقة بين الشعر الشعبي والفصيح ، الى شؤون اللغة ، وليس

إنتهاءاً بالهموم الكوردية بجميع جوانبها – منها الثقافية والإنسانية – يقول النواب بخصوص محاولات البعض لتفكيك اللغة وكسر قواعدها ، أو تجاوز أطرها العامة : أن أي شاعر مبدع لا بد له من التفكيك ، فالتفكيك لا يعني الصياغة أو البناء بما يتلائم إيقاع العصر ، لكن هذا التفكيك      لا يعني تفجير اللغة مثلما يفعل بعض الشباب .لايوجد شئ أسمه تفجير اللغة ، لكن هناك اعادة صياغات وبناءات بأشكال جديدة ، إضافات وخصوصا أن اللغة العربية مفتوحة والإشتقاق فيها عام .) ص 8 .

من جانب آخر ، يصرخ النواب : عندما أكون مع حرية الإنسان لا يمكن أن اكون شيئا آخر بالنسبة لقضية الإنسان الكردي .) ويعلق في الوقت ذاته على عبارة أدونيس التي قال فيها ( أهلا بالكورد في فراديس أحلامي ) قائلاً : بالنسبة لي ليس عندي فراديس مثلما لدى أدونيس .هناك واقع يحكمني .. هناك واقع موجود وهو أن أي شعب على الأرض له معاناة والآم ، وهناك شعوب كالشعب الكوردي ، هُجر واعتدي عليه بشكل صاروخ من قبل الأنظمة المتعاقبة ، فعندما آتي لهذا الموقع أتلمس حلولا وصراعاته ، أما الفراديس فتأتي لاحقاً .) ص1..

أما فيما يخص الحوار مع الأديب السوري ممدوح عدوان ، فقد إرتأينا إستخلاص جزءاً منه لبيان جوهر الحديث دون تقيد بالترتيب العام الذي ورد في ورقة الأسئلة والأجوبة .

يصف زامدار الأديب عدوان بأنه ( شاعر وروائي ومترجم وذو شخصية إجتماعية جذابة ومرحة وكثير الحركة والضحك وبهي الطلعة .) من بعض ما قاله عدوان : الرأي الشائع أن الفن ينطلق من موهبة ، لكن هذه الموهبة بدراسة معقمة تكشف أنها لا تشكل 20% من الطاقة الإبداعية الموجودة بالعمل الفني ( أرسكين كالدويل يرى أن النسبة 1% والباقي عرق متصبب ) الف صنعة متقنة الى درجة تبدو فيها غير مصنوعة .افلاس الشاعر

يصل الإتقان فيها الى درجة يبدو فيها أن الصنعة غير صنعة)

 (حتى الشعر حينما تكتب بعفوية من موهبة ، تنطلق من المعاناة ، لكن عندما تكتب سواء كنت تعي أو لا تعي ، فأنك تستخدم كل مخزونك الثقافي في طريقة التعبير وأختيار الجملة أو الكلمة . الموهبة غير كافية ، المسألة الداخلية الروحانية للإعماق النفسية وقدرة الإنسان على الغوص فيها يحتاج الى خبرة وثقافة .. ما يعني تماماً : ينبغي توفر جملة أشياء ، هناك صنعة ، وطقوس  روحية ، وطاقة إبداعية ، وهناك تراكم ثقافي) ص3.

 كتاب ( أطياف مضيئة ) ضم حوارين شذا عن القاعدة التي بدأ بها ، وذلك عندما تحول المحاور زامدار الى طرف مُحاوَر ( بفتح الواو ) مع طرفين سوريين ، هما شهاب القرلوسي وإبراهيم  حاج عبدي صراحة : أن أسلوبه غامض ، وقصائده محدودة الإنتشار ولا تلقى هوى لدى الكثيرين يرد زامدار بهدوء والسيجارة لا تفارق شفتيه (كذا) : جماهيرية الشعر ورواجه لا تشكل مطلقا مقياسا نقدياً لجودة الشعر ، بل أكاد أقول أن هذه الجماهيرية الواسعة تعكس إفلاس الشاعر !! فكثير من الشعراء نالوا شهرة لفترة محدودة ، وراجت دواوينهم على نطاق واسع جداً ، لكنهم سرعان ما دخلوا عالم النسيان بعد فترة وجيزة ، وفي المقابل ثمة شعراء عانوا من مسألة النشر ، ووجدوا صعوبة بالغة بالإنتشار ، وأخفقوا في إنتزاع أعجاب جمهرة القراء ، لكنهم إستطاعوا أن يحتلوا فيما بعد ، مكانة لائقة ، بعد أن التفت اليهم النقاد ، وإعادوا قراءة تجربتهم من منظور موضوعي لافت ، فمقياس جودة الشعر هو ما يؤمن به الشاعر ، وما ينطوي عليه شعره من أفكار ورؤى وجماليات ومكابدات .. والجمهور الكبير لا يمنح مجدا لشاعر، بقدر ما تمنحه إياه تلك النخبة القليلة الواعية ، الذواقة للشعر والفن عموماً . وحول ترجمة الشعر الى لغات أخرى ، لا يتردد زامدار في وصف الترجمة ب ” الخيانة العظمى للنص الأصلي ” ذلك أن هذه الترجمة تفقد النص الأصيل سحره وطزاجته وصوره الخلاقة وظلال الكلمات ومعانيها العميقة الغور في هذه الثقافة المحلية أو تلك، فالمترجم ومهما كان بارعاً يستطيع ترجمة معاني الكلمات ، لكنه عاجز عن ترجمة الدلالات العميقة ، والرموز الخفية ، والإنفعالات والأحاسيس الجياشة .) ويختتم زامدار الحديث بالقول ( أن الشعر لا ولن يموت ، وأذا رد أحدهم وتذرع بأن مساحات الجمال والخيال والروح تنحسر من حيواتنا على حساب الثقافة الإستهلاكية  المادية ، فأنني أقول لهم : هنا ، بالضبط ، يكون الشعر ضرورة حتمية كي يعيد البشرية الغارقة في الماديات والوحشية الى رشدها ، والى سموها الروحي والأخلاقي . الشعر أقدم الفنون البشرية  وهو موجود منذبدء الخليقة ، وسيبقى خالداً. يموت شعراء هنا وهناك ، ولكن الشعرلن يغيب أبداً )  ، والشاعر في رأيي هو منتحر ببطئ ، جلاده الإبداع ! ص5.