حالة من المتعة والتشويق – اضواء – يوسف عبود جويعد

تغويني ظلالك خيالاً شعرياً

حالة من المتعة والتشويق – اضواء –  يوسف عبود جويعد

قد يتبادر الى الذهن ان قصائد الشاعر ادهام نمر حريز في ديوانه الشعري (( تغويني ظلالك )) ، سهلة المنال ، وتستطيع ان تفك طلاسمها حال قراءتها ، وما أن تطالع اول قصيدة ، حتى تراجع حساباتك ، اذ تفاجأ ببنية نثرية متماسكة ، موحدة ، لقد تمكن الشاعر من جعل قصيدته ذات بنية شعرية موحدة ، كما أن عنوان كل قصيدة ، يدعوك لاكتشاف كناها ، وفك رموزها ، فهو العتبة النصية التي تشكل الخطوة الاولى نحو فضاء القصيدة ، فهو مستمد رمزها من عمق الثيمة وذروتها ، تكون مباشرة في بعض منها ، ومبهمة عصية التفسير في البعض الآخر من القصائد، لاعطاء المتلقي حالة من التأمل والتأويل ، وخلق هالة من المتعة والتشويق ، ولكي نقترب اكثر من قصائده علينا ان نعي بما حولنا ، اي ان نعرف ما يحدث في بلدنا من احداث وبالاخص البارزة منها ، مثل مظاهرات ساحة التحرير ، الانفجارات ، الهجرة ، المهاجرون الذين غرقوا في البحر ، كما في قصيدة (( وطن ينزف الرجال (3) )) والتي اهداها لشهداء ديالى ناحية بني سعد

(( اجواء مشحونة … )) التي خص ذكرها لنصب التحرير وحدد مكانها وزمانها في 1-8-2015 (( خيبة تعبر الحدود )) عن المهاجرون الذين غرقوا في البحر (( انتفاضة الروح )) و (( مسير موحش )) و (( مغادرة بلا عودة )) وكأننا نخال الشاعر وسط الناس ومع الامهم في شرق البلاد وغربها وجنوبها وشمالها ، صوت هادر ، يخترق هذه الاحداث ، ليضعها امامنا قصيدة تحمل رموزها التي تكبر منذ انطلاقتها ، وتتداعى مفرداتها الشعرية ، وتتشظى وتنتشر موغلة في نقل الحالة الى لوحة شعرية بصورها ، ودلالاتها ، وايحاءآتها ورموزها ، وانكساراتها النفسية ، وانفعالها وحزنها ، لانه ينطلق من لحظة اشعاع الثيمة ليتداعى معها في مؤثراتها وتأثيراتها ، ويضيف اليها الحس الشعري وهو السياق الفني لكل قصيدة التي تحيلها من واقع محسوس الى خيال شعري ، ومن ثم الاحساس النفسي للشاعر الذي يضيف لها هالة ثالثة مكملة للمفردة الشعرية ، اي أن مراحل اعداد القصيدة تدخل في مختبرات فكر الشاعر فتتداخل الصورة من الواقع ، الى المتخيل الشعري ، الى الاحساس النفسي المعكوس ، تخرج بعدها قصيدة متوحدة في ثيمتها ، عميقة في فكرها ، بليغة في لغتها ، كبيرة في صورتها ، واضحة في دلالتها ورموزها ، وقد اشار في ذلك في اول قصيدة له (( تغويني ظلالك )) التي حملت المجموعة الشعرية عنوانها ، والتي تحاكي في ثيمتها الشعر واغواءه وحبه وشغفه وتعلقه به ، فعندما يحب الشاعر قصائده وينظر لها وكأنها الحبيبة ، حينذاك تكون للقصيدة روح واحساس

كيف لاتغويني ظلالك

ولا تجذبني لعالمك الجميل

وتشدني اليك بقوة

حيث تسكن انت

والمستحيل

ان قصيدة (( تغويني ظلالك )) هي الخط البياني ، التي من خلالها نعرف ، فكر الشاعر ورؤيته ومدى اهتمامه بالقصيدة الشعرية ، ولا يخلو هذا الديوان الشعري من الموروث التراثي ، اذ ضمن ذلك في قصيدة (( شوارع بغداد القديمة )) والتي هي رحلة في الموروث التراثي والحياة البغدادية ، حيث الشاي ، والشوارع ، ورمضان ، ولعبة المحيبس ، والعلاقة الانسانية الجميلة

ذاكرة متنوعة الالوان

لمدينة موغلة بالقدم

فيها مالا يقبل الرحيل

كالروح التي تمسك الجسد

وكذلك ضمن الشاعر ديوانه الشعري تلك العلاقة الازلية الخالدة التي لاتموت ، علاقة المرأة مع الرجل في كل متناقضاتها ، كما في قصيدة (( برودك ينعش صيفي) التي تعكس برودة الاحساس وتأثيرها في العلاقة العاطفية

فتعيش ذروة انوثتها

تفيض فيها

فيضان النهر

بعد ذوبان جليد الاحساس

في صيف روحها

الساخن المحضر

وعن العلاقة الانسانية بين الناس ، نراها في صورة شعرية معمقة في قصيدة (( وجوه معكوسة ))

انعكاس الصباح

يرسم وجوه لاناس

لا تبتسم بمحبة

وجوههم منعكسة

على مرآتي

ان الشاعر يتعامل مع اللحظة الواقعة التي يمسك بها ، كنقطة انطلاق لادوات القصيدة ، حيث يتداعى معها موضحاً تأثيراتها ، ثم ينتشر ويتوغل ، ويتعمق ، ناقلاً هذا الاحساس الذي تأثر بتلك اللحظة ، فيكون بناء القصيدة من اللحظة الواقعية المجردة ، والمثل في ذلك لحظة الفراق في قصيدة (( سمفونية الابعاد )) التي جعلها نقطة انطلاق لتكون قصيدة ، تعكس ما يفعله الفراق ، ومدى تأثيره على النفس ، قصائد كثيرة ومتنوعة ضمها ديوان (( تغويني ظلالك )) للشاعر ادهام نمر حريز ، هي رحلة ممتعة ومؤثرة في عالم القصيدة ، وقد اجاد صنعتها بكل اتقان .