جنون الضحك لنهار حسب الله

جنون الضحك لنهار حسب الله
لغة القلب التي لا يفهمها إلا القليلون
فيصل عبد الحسن
من أصعب أنواع الكتابات النثرية كتابة القصة القصيرة جداً، لأن هذا اللون من الكتابة الإبداعية يختزل فنون القول كافة من بلاغة وإيجاز ووصف في نص قصير لا يتعدى الخمسمائة كلمة.
وينتقل كاتب القصة القصيرة جداً الماهر أنتقالات سريعة بين الشعر، والنثر محافظاً على روح القصيدة في قصته من دون أن يفقد نصه خصائص القصة المعروفة.
وليس من السهل أن تحلق في نص قصصي بجناح الشعر، من دون أن تخل بشروط العقدة القصصية والتصعيد المتدرج في سرد الحدث ليصل إلى الذروة القصصية، والأنحدار بعد ذلك نحو حل العقدة، وأعتماد تقنية صنع الومضة القصصية، والأنتهاء منها بالضربة الأخيرة.
في مجموعة القصص القصيرة جدا جنون الضحك للقاص نهار حسب الله نجد الكثير من القصص التي أختارها حسب الله في مجموعته قد نجحت في أختبار القصة القصيرة جداً.
وأستطاع كاتبها أن يروي جزءاً هاماً من معاناة الشباب العراقي، الذي يعيش منذ سنوات أوضاعاً غير طبيعية.
أبتداء من الحمل الثقيل لفترة الحصار الطويلة، وأنتهاء بالحروب الكثيرة التي أُرغم العراق على دخولها، وما حملته مرحلة ما قبل الأحتلال من سلبيات الحكم الشمولي، وما تلا ذلك من سلبيات مرحلة الأحتلال وما بعده، مما حل بمنظومة مؤسسات الدولة من تخريب.
معدة خاوية
في إحدى قصص المجموعة التي عنونت ب حاكم يكتب القاص في الجملة الخبرية الأولى من القصة حاكمنا خالد لا يموت ويحاول البناء على هذه المعلومة، راسماً للحاكم صورة خيالية تبعث لدى القارىء تساؤلات عديدة عن هذا الحاكم المعجزة أختطف أرواح أجدادي وأضافها إلى روحه .
وحتى لا يقع النص في الغرائبية، يسرد ما يلطف العلاقة بين المسرود والمتلقي فيما ورثت أنا عنهم صوراً تجمعهم بسيادته في ذلك الحين لم يكن أذن ذلك الحاكم الدكتاتور إلا تجسيداً لتصورات الأجداد عن الحاكم.
وفي أقصوصة أكذوبة يلخص الكاتب تأريخ الأمة، وعذاباتها بلون الوجوه، فالأصفر يرده إلى الجوع، وزرقة الشفاه إلى الخوف، وأحمرار العيون إلى دخان الحروب.
وتنقلنا أقصوصة أحلام الجياع إلى الذات الإنسانية المعذبة بأحتياجاتها الطبيعية، والقاص يستخدم ضمير المتكلم، ليقربنا أكثر ما يمكن من ألام شخصيته، وليصف لنا مشاعر وأحساسات الجائع أتأمل، أتيه في عالم هادىء لأبتعد عن ضجيج معدتي الخاوية، التي تتعمد إحراجي بأصواتها الفاضحة، أمسد لها تارة وأعصرها وأحتضنها تارة أخرى.
الضربة الأخيرة.
وقد أستخدم القاص المنللوج ما تتناوله الشخصية في خيالها من كلام وأفكار ومشاعر في الكثير من أقاصيص المجموعة، مما سهل له رسم أبطاله في ذهن القارىء، ووفر له الجهد في أستخدام سرد أو وصف أطول، ليشكل صور أبطاله في ذهن القارىء.
أما الدايلوجات الحوارات الخارجية فقد كانت نادرة في قصص المجموعة، وأستخدمها القاص عادة لتنفيذ الضربة الأخيرة في القصة لتحقيق الومضة المطلوبة.
وهذا ما فعله في قصة تحريض الموتى إذ يخبر الدفان أهل الميت عن سبب أخراج جثة ميتهم وألقائها إلى الكلاب بقوله فقيدكم يستحق أكثر من ذلك، لأنه كان يحرض الموتى ويحشدهم للمطالبة بإنارة المقبرة وإخراجي منها .
وفي الأقصوصة التي حملت المجموعة أسمها جنون الضحك يضعنا القاص بمواجهة نموذجين الأول يمثل مرآة تنعكس عليها صورة الثاني، وتنقل لنا القصة وجهي العملة، الضحك والبكاء، فالكاتب في الأقصوصة يروي النكات ويكتب الطرف والحكايات الهزلية.
أما الوجه الآخر من العملة فهو وجه بواب العمارة الكئيب دائماً، وبعد حادثة الأنفجار التي راح ضحية لها إبن البواب، صار العكس أرتسمت الأبتسامة المذهولة على وجه البواب، وغرق وجه الكاتب الفكاهي بالتسأول عن أسباب ضحك البواب الجنوني.
ولم يعد للكاتب غير البكاء، مما يؤكد على أنقلاب حالي الشخصيتين وبعد أقل من أسبوع … لم أعد أراه، مما أرغمني على السؤال عنه لأستقبل إجابة جاري التي جعلتني أتذوق طعم البكاء لأول مرة في حياتي
ــ لقد نقل إلى مستشفى الأمراض العقلية بعد أن قتل طفله الوحيد بين أحضانه بشظية من الأنفجار الأخير
والقاص يحشد في القول الأخير، كل ما في اللغة من أسماء دالة على العنف، ليخلق الأنطباع المطلوب مستشفى، أمراض عقلية، قتل طفله، شظية، أنفجار .
قصة الفكرة
وضمت المجموعة أربعاً وتسعين أقصوصة قصيرة جداً، أختلفت في أطوالها وأجوائها، وشذت عنها قصة أوجاع، التي ضمت خمساً وثلاثين مقطعاً قصيراً، لتأليف جو خاص بالقصة يعبر فيها الكاتب عن أوجاع ذاتية وهي في حقيقة الأمر أوجاع عامة .
يقول في أحد مقاطعها الكل هارب في بلادي، تهرب اللوحة من الألوان، والغيوم من السماء، والأسد من
الفريسة، والمغتصب من الضحية، إلا ذلك المجنون ظل قابعاً في مكانه مستمتعاً بما يدور حوله. ص52
وفي مقطع آخر الموت لا يخيفني أبداً، فهل من صاحب يُفزع صاحبه ص53 وفي مقطع آخر الكلام من ذهب والصمت حوّل شعر رأسي إلى فضة ص54 .
أن القاص نهار حسب الله في مجموعته القصصية القصيرة جداً حاول أن يكتب قصة الفكرة، ولم يهتم كثيراً بأيراد الفعل، والفعل من حيث هو حركة وأنفعال، أستجابة وتأثر في الكثير من قصص المجموعة تبنى على أساس الموقف الفكري.
فالقصص قبل أن تسرد حكايات بما تتضمنه تلك الحكايات من زمن وشخصيات، ووصف لأمكنة، ورسم لدواخل الشخصيات، وأسهاب في سرد التفاصيل لما يحدث تكتفي بأيراد الموقف الفكري للكاتب من قضايا عصره، وما يعتقده صحيحاً.
والقصة القصيرة جداً التي تبنى على الفكرة المجردة تبقى رهينة بمهارة كاتبها، ومقدرته اللغوية وسعة قاموسه، وقدرته على تشكيل المشهد من خلال الرأي والموقف، ووجهة النظر.
وبالرغم من ان قصص المجموعة تشكل فضاء واسعاً للتأويلات، والأخذ والرد حول ما جاء فيها من مواقف وأراء حول الموت والحياة الحساب والآخرة، علاقة الله تعالى بعبيده، ورحمته لهم، والعذاب والسعادة الأبدية، ما ينطقه الإنسان بشفتيه، وما يضمره من لغة القلب التي لا يفهمها إلا القليلون.
ــ جنون الضحك » مجموعة قصص قصيرة جداً » صدرت عن دار الحكمة » جمهورية مصر العربية ــ القاهرة » عام 2013 » 88 صفحة من القطع المتوسط.
AZP09