جماليات الألم في دع للأناشيد غبارها – اضواء – عقيل هاشم
“دع للأناشيد غبارها” مجموعة شعرية للشاعر احمد ساجت شريف الصادرة عن دار “الرواد” للكتب والوثائق في بغداد/2015 وبواقع (70) صفحة من القطع المتوسط ، لوحة الغلاف للفنان العراقي كاظم إبراهيم..
توطئة: “الشعر مرارة عسل سماوي يتدفق من وعاء غير منظور”..(لوركا)
عنوان المجموعة الشعرية (دع للأناشيد غبارها) كدلالة إشارية استبدالية مفترضة خطها الشاعر في مدارات صورية رمزية حسية، هذا الأفق المفتوح من (الذاتي/الموضوعي) على اللانهاية كبنية استبدالية كون( الألم )علامة وأشار لها الشاعر بلفظة “الغبار” هو توق الذات الشاعرة لقبح جماليات الأناشيد الخارجة من رحم المرارة ، والألم الواخز! يتأتى هذا الإيحاء المفعم بالألم من اللفظة والتراكيب والصور المجازية للنصوص ، وتعود جمالية القبح إلى كون الشاعر شديد الالتصاق بالهم الذاتي الإبداعي وبتجربته في مكابدة الواقع السيئ بقوة الشعر وسحره. إنه ألم الوعي الحدسي الذي يترجمه إلى ألفاظ، والعبارات اللافتة..
“دع للأناشيد غبارها”
دع للخيبة أسئلتها
لهذا الركن في المقهى هواءه العادل
للنادل هيبته وهو يشاركنا القلق
بتلك الطاعة الغربية.
دع للأناشيد غبارها المضيء
ولنجمة العمر هذا التآكل الوقح..ص28
إن هذه النصوص بوصفها ثمرة تجربة شعرية ثرة وما تند عنها من قلق ومغامرة وتوتر وتمرد أيضا . إنها التجربة التي يتكثف زمنها في اللحظة الحاضرة، لحظة النبض الوجودي، والتباس اللغة، والتماع الحلم بتخطي الذات المبدعة لحدودها وبالمضي في رحاب الحدس والجمال وهذا ناتج من اشتغالات بنيوية نصية تنوعت بين بنى نصية متداخلة الأجناس تنوعت ما بين النص الشعري النثري والنص الشعري السردي والنص الوامض وكل هذه النصوص متصلة بجماليات الإبداع الشعري للمجموعة الضاجة بالشعرية الذهنية كبناء فلسفي لاشتغالات لغوية ولا سيما وأن الشاعر يستحضر عوالمه المتعددة بإثارة الأسئلة والتي تضيف إلى أسئلة الوجود في ذهن المتلقي ما من شأنه أن يجعله يعيش تجربة جمالية وهو يرحل مع الكلمات والوقع والصور بالتعبير الشعري الشفاف في استحضار الأشياء بتعبير العاطفة ووصف دقة الأشياء كما يحس هي فلسفة اشتغاله على لغة تعبيرية جمالية قوامها التفكير والعاطفة. إن الرؤية الإبداعية للشاعر المشحونة بالألم والذاكرة تخترق لب الدلالات المحفوظة في ذاكرة المتلقي ساعيا إلى إعادة تكوين الموجودات تكوينا جماليا خاصا به، مميزا له. إن التشكيلات التعبيرية لهذه النصوص ذات إيقاعات من الدفق الشعوري قد أسهم بناء التراكيب اللغوية- إلى حد بعيد- في تنوع التعبير والإيقاع على السواء، حيث تتناوب الجمل الفعلية، والجمل الاسمية، وأشباه الجمل هو ما يولد التدرج الإيقاعي، بل يولده التفكير المبدع الذي يخلق كونا جماليا من الصور الوامضة المتناوبة إضافة للنصوص النثرية المتنوعة الطول والقصر والمكتنزة بالمعنى ..
حيث لا جواب..
ثمة ذرائع بلون الأقنعة
وجوة
كسؤال
من نحن..؟!
الكل هذا الفراغ ننفق التفاصيل ؟ص2
بدءا من المقطع الأول من نص “حيث لا جواب” نلاحظ إن تلازم الصور الوامضة والمتلازمة التي تأتي من تكوينات لغوية غاية في الجمال والإبداع ، ولرصد صور التشكيل اللفظي وقدرة الفعل على إيجاد ما يتطلبه الومض من تسارع الإيقاعات الخاطفة والراسمة للنص المجاور من خلال سياقات ما قبل الومض وما بعده، وبهذه الطريقة تعلو نغمة التعبير وتمتد ..وفي نص أخر
قوارب من أخطاء تتكرر:
في الزاوية قمر مفترض،
مصباح بلا ضوء،
ومنحوتة يد تغرق في الفراغ…ص8
فاللغة في المقطع الأول خاطفة تعكس التماعات من اللقطات التصويرية التي قد تكونت من نشاط ذهني وتيقظ الحساسية الجمالية في سياق عملية التذوق وبناء علاقات متجاورة هي بطبيعتها علاقات جمالية متخيلة ومقترنة بانتشاء الذات المبدعة لماهية الأشياء:
تساؤلات..
هل للحزن جسد؟
هل لوجع المدينة جثة في المقهى.
المجانين سادة الأرصفة
تركوا لي فتات قصيدة عظيمة..ص42
إن هذه النصوص برمتها هي مكامن باحثة عن التساؤل عن مكان الفعل الإبداعي في مجال النفي المتوالد الذي يفضي إلى العدم ومخاضاته في القصيدة ،مخاضات العدم تعد على الدوام بتخلق ما هو كامن في رحم الفعل الإبداعي، وتنفتح في الوقت نفسه على المدى اللانهائي لانتفاء التجسد واللامرئي هو كشف يقود إلى الفضاء الكوني حيث تشهد الذات انشطارات متشظية وشيكة تعقب التوغل، والنفاذ، والانتزاع..
وصايا:
حسنا
ساعد الوصايا
أسهب في تلميع حروفها التالفة،
واضع يدي مرغما فيما تعتبره الجزء الأكثر قداسة..ص57
من خلال “أنا” الشاعر، ندرك أن الفعل المبدع يتأمل ذاته وهو يتبصر الأشياء التي تدب فيها الحياة القادرة على تجسيم طاقتها في توهج الشكل. ومن أجل هذا تدأب الذات على تحديد “سمت الكلي” الذي يخرج الأشياء من “برزخ الظل” إلى ما بعد “العدم الحي”. والكلي الذي ينبثق من هذا العدم انبثاق الألوان من الأسود الحالك..
المغيب يتسع كجرح:
سأفترض ألما أخر،
مظلة أسئلة..
ولون الحقائب التردد وهو ينخر خطانا..ص49
وأخيرا أقول إن الكتابة عن جماليات الألم تحدث وليدة من المعاناة ومكابدة فظائع الحياة ومآسيها، وهذه الجمالية تعزى إلى قدرة هذه النصوص على جعل المتلقي يشارك في عيش تجربة الألم التي عاشها الشاعر/الواقع. وان التشكيل الدلالي يستند إلى “اللامتوقع ” والذي تجلى من “القلق الإبداعي” الناتج عن التجربة الجمالية لإعادة خلق وإعادة إنتاج الشاعر “عوالمه المستبطنة” هي مزيح من قبح هذا الألم هو استبدال علاماتي على مغالبة الذات المبدعة لتوتر داخلي والذي يعمق المعاناة أيضا إلى ألفاظ صورية مكثفة ومموســــقه دوال تبحث عن مدلولات متكررة تؤدي إلى قراءات مـــــتنوعة ومتكررة .






















