ثوار عشيرة الكلي شاركوا في المعارك ضد الإستعمار البريطاني سنة 1919م

البراعة في الحروب الجبلية وحسن إختيار المواقع الدفاعية

 ثوار عشيرة الكلي شاركوا في المعارك ضد الإستعمار البريطاني سنة 1919م

بينما كانت القوات البريطانية منشغلة بتمشيط منطقة برواري من الثوار خوفا من قيامهم بانتفاضة اخرى تعيد الى الاذهان انتفاضة العمادية انقض الثوار الكرد على معسكر سواره توكا واحدثوا فيه خسائر جسيمة باعتراف البريطانيين انفسهم وهذا ما اسقط في يد القيادة البريطانية التي كانت تعلق الامال على ان تكون العمليات التي يقودها الجنرال نايتنكيل بأنهاء المقاومة الكردية ومنع ما من شأنه الاتصال بين الثوار الكرد والعثمانيين الذي كانوا قد رفعوا راية الجهاد ضد الكفار وحاولوا بشتى الوسائل عرقلة الجهود البريطانية بالسيطرة على ولاية الموصل التي كانوا يعدونها جزءا لايتجزأ من التراب العثماني (ومن ثم التركي فيما بعد الموصل) على اساس انهم انسحبوا منها من دون قتال بعكس المناطق الاخرى من العراق التي جرى احتلالها من قبل البريطانيين بالقوة العسكرية ابتداء من سنة 1914 م وانتهاء بسنة 1918م.

لذا بدأت القيادة البريطانية في الموصل تراجع حساباتها وعقدت عدة اجتماعات لتدارك الوضع وتقرر فيها القيام بتحشيد قوات اضافية ودفعها الى المناطق الكردية المضطربة استجابة للظروف الجديدة التي افرزتها عملية سواره توكا واشتراك قبيلة الكلي الضاربة لاول مرة في هذه العملية بجانب قبيلة الكويان.

وهكذا صدرت الاوامر من قبل الجنرال جورج ماكمن قائد الفرقة الثامنة عشرة المتمركزة في مدينة الموصل بأرسال جحفل لواء بقيادة الجنرال وولدرج الى منطقة زاخو لردع قبيلة الكلي وحرق قرى زعمائها الذين شاركوا في معركة سواره توكا .

فيما حدد لقوة الجرنال نايتنكل التي كانت تقوم اصلا بمهام تمشيط منطقة برواري بالتحرك غربا وعبور نهر الخابور حيث مناطق عشيرة الكلي لمسك القمم الجبلية العالية لتأمين اندفاع لواء الجنرال وولدرج حيث كانت المنطقة المطلوب اجراء التحركات التأديبية البريطانية فيها غاية في الوعورة وتم تعزيز هذه القوة لدعم هذه القوات التي تحتاج في مثل هذه المهمات الجبلية الصعبة الى مقاتلين جبليين يكونون ندا للاكراد في اساليبهم التعبوية الخاصة على حد تعبير الجنرال جورج ماكمن، وانيطت قيادة الحركات بالجنرال كاسلس.

ومن الملاحظ ان هناك اختلافاً في توقيت بعض هذه العمليات والتحركات العسكرية بين المصادر البريطانية والعراقية فبينما تذكر المصادر البريطانية ان بداية حركاتها للقضاء على انتفاضة الكلي في 18 آب 1919 تذكر المصادر العراقية توقيتا اخر.

وقد بدأت القوات البريطانية بالتقدم نحو مناطق الكلي الواقعة على بعد 40 كيلو متر شمال شرق مدينة زاخو في حدود منطقة شلال كلي علي بك وقد رافقت القوة العسكرية الكبيرة مفرزة من قوات كردية الموالية لبريطانيا يقودهم عبد الكريم رشيد آغا آل شمدين احد زعماء عشيرة السليفاني التي تمتد ديارها من جنوب مدينة زاخو شمالا حتى ضفة نهر دجلة جنوبا كما عمل الكابتن ووكر معاون الحاكم السياسي لزاخو كضابط ارتباط بين القوات البريطانية والجانب الكردي.

وكان هدف هذه القوة الوصول الى منطقة باطوفة وقرية بهنونة شمال شرق زاخو متحصنون فيها، وعندما بدأت طلائع القوات البريطانية بالوصول افصل لها ثوار الكلي بقيادة الزعيمين الحاج صادق برو وسليمان قطي اضافة الى ثوار العمادية والدوسيكي بقيادة الحاج شعبان اغا العمادي والحاج طاهر الهمزاني الدوسكي وقد جرت معارك عنيفة حاول خلالها البريطانيون احتلال قلعة الشعبانية التي تقع في جبل منيع يطل على وادي ملاعرب وليس له غير ممرين ضيقين لا يسمحان لمرور اكثر من شخص واحد. وكانت نتيجة هذه المعارك ان ارتد البريطانيون الى الخلف بعد ان جوبهوا بمقاومة عنيفة من الثوار وكانت معركة ملاعرب من اشرس المعارك التي خاضها الثوار وتمكنوا من تكبيد الانكليز خسائر جسيمة في الارواح والمعدات وهذا ما ادى الى اشتراك الطيران البريطاني في هذه المعارك اذ قام بقصف شديد لمواقع الثوار ولكن الثوار تصدوا لهذه الطائرات بأسلحتهم البسيطة وتمكن الحاج صادق برو من اسقاط طائرة بريطانية ببندقيته اذ هوت في منطقة دشت جيا (الجبل المنبسط) المشرف على ميدان المعركة.

واخيرا ارتدت القوات البريطانية الى الخلف لا تلوي على شيء ووصلت طلائع المنهزمين الى قرية كرك شندي (تل سندي) الواقعة على بعد عدة كيلومترات شمال مدينة زاخو.

وكانت خسائر البريطانيين كبيرة اما خسائر الثوار فكانت طفيفة لا تكاد ان تذكر نظرا لبراعتهم في الحروب الجبلية وحسن اختيارهم لمواقعهم الدفاعية..

ونظرا للخسائر الكبيرة التي تكبدها الجانب البريطاني فقد قامت الطائرات البريطانية بقصف شديد ومركز على مناطق عشيرتي السندي والكلي حيث اعلنت عشيرة السندي خضوعها للسلطة البريطانية وفرضت غرامات نقدية على كل من جميل اغا بن عبدي اغا واخيه صالح اغا بن عبدي اغا من رؤساء العشيرة البارزين. اما ثوار الكلي فأنهم نزحوا بعائلاتهم الى المناطق الواقعة الان على الحدود العراقية التركية ذات التضاريس الوعرة التي تقيهم القصف الجوي البريطاني وتحديدا في قرية نزدوري الواقعة على ضفة نهر الخابور اليمنى عند دخوله العراق.

ولما رأت السلطات البريطانية شدة مقاومة الثوار ورباطة جأشهم طلبت اجراء مفاوضات معهم عن طريق ضابط الارتباط الكابتن (ووكر) واصدرت اوامر العفو عنهم دون قيد او شرط ان هم رجعوا الى ديارهم واخلدوا الى الهدوء والسكينة وهكذا فاوض الكابتن (ووكر) كل من الزعماء الحاج صادق برو وسليمان قطي وطاهر الهمزاني فلاقى هذا الطلب البريطاني قبولا منهم نظرا لما لاقوه من اهوال الحرب وما تكبده ابناء عشائرهم من خسائر جسيمة في الارواح والممتلكات، وهكذا صدر العفو عنهم في اواخر شهر تشرين الاول 1919 فعادوا الى ديارهم.

اما الحاج شعبان اغا العمادي قائد ثوار العمادي وابنا اخيه عبد الله اغا ومحمد صالح اغا فقد اجتازوا الحدود ولجأوا الى جزيرة ابن عمر الواقعة على نهر دجلة شمال مدينة زاخو وهي الان ضمن الاراضي التركية ولبث الحاج اغا في جزيرة ابن عمر (كردستان تركيا) اذ صدر عنه عفو عام 1922 ما عدا ابني اخيه محمد صالح اغا وعبد الله الذي كان قد قتل معاون الحاكم السياسي في العمادية الكابتن ويلي هذان الثائران في تلك الانحاء الى ان وافاهما الاجل.

حمدي اسماعيل الكلي – بغداد