ترانيم مشفّرة لخيول مشاكسة

ترانيم مشفّرة لخيول مشاكسة

إنذار الشاعر قبل الشروع بالقراءة

عبدالرضا صالح محمد

قصيدة النثر التي كثر الحديث فيها ، وتباينت الآراء حولها ما بين مؤيد ورافض .. ذلك النوع من الشعر الذي تمتع بحرية غير محدودة ، حتى كادت تفقد نكهتها ، فلا قوانين تحدها ولا أوزان تؤطرها ، ولا تفعيلة ولا حتى موسيقى . تلك الحرية التي جعلتها كراقصة تؤدي ما يحلو لها من حركات في مسرحها ، إلى حد يطلق لها العنان ولا ترسو على صفة ولو محايدة ، ترضي جميع عشاقها ، لأجل ذلك راح كل من هب ودب يمارس الحب معها في نظمها وأي نظم ؟

إن الغرض من أي نص سرديا كان أو شعريا وجود فكرة ومفهوم  نعبر عنه بلغة تقودنا إلى ذلك المفهوم ، وكلما كانت اللغة واضحة ومعانيها جلية توصلنا إلى فهمها والعكس صحيح ، إذن فالفكرة هي الهدف واللغة هي الوسيلة ، وان تغير المعادلة أي جعل اللغة هدفا باستخدام ألفاظ معقدة وغريبة من خلال زحافها واشراقيتها يفقد النص نكهته ويكون من الصعب التوصل إلى فكرته إن وجدت فكرة ، وهنا يحق لنا السؤال التالي :

هل توصل شعراء هذا النوع في إعطاء فكرة واضحة  لجمهورهم ؟ وقدموا بصدق نماذج واضحة ليتعرفوا عليها ويغوروا في مفاصلها ويتمتعوا بها أم أن اللغة أصبحت هدفا وان المتلقي سيبقى يبحث بجهد كبير عن معاني تلك الألفاظ التي تقوده إلى المتاهة ؟

فأنا أدعو إلى أن تكون لهذه الحرية حدود ، ولا يترك الحبل على الغارب ، والتصفيق لهذه الراقصة تؤدي ما يحلو لها دون ايقاع او موسيقى ، فلنتصور كيف تكون حركاتها ، وكذلك فان الجرس هو الفاصل بين الشعر والنثر و به نرتقي إلى مستوى أفضل أو في القليل مقبول ! وكي نعرف الجيد منها والغثيث ،

نحن لا نريد ان نقف حائلا بينها وبين محبيها ، لكننا نريد لها الرقي ولا نريد لها النكوص ، فهناك البعض من أَحسَنَ إليها وقدمها لنا بوجهها المشرق الذي نعتز به وهناك نماذج بلغت حد الجمال .  والآن نحن نقف بعد هذه المقدمة الطويلة إزاء منجز مهم قدمه لنا الشاعر المبدع ماجد الحسن في مجموعته المتميزة ( خيول مشاكسة ) التي صدرت عن دار ضفاف للنشر في 142 صفحة من القطع المتوسط .  فقد تناول هذا الشاعر في إيقوناته ال 26 بفخر أنموذجا لقصيدة النثر ، مرتكزا على لغة عالية الجودة مستخدما الرمز والدلالة والتشفير التي تأخذك عبر أزمان مختلفة من مكان إلى آخر ولكن بطريقة مشاكسة ، أي الأكثر قلقا لما نعيشه من صخب الحياة وألمها ومفارقاتها ، وهو بهذا العنوان يعطي إنذارا إلى قرائه قبل شروعهم بالقراءة ، ويحذرهم من صعوبة الحياة ومواجهة مختلف المعطيات في مجتمع ساده سياسيون لصوص بامتياز وغزاة مرتزقة يمارسون الرعب بأشكاله ، ورجال دين فسقة .

بعد ذلك يفتح لنا أبوابها لنتوغل في عالمها المتشعب ويفاجئنا بنصوص نرتقيها درجة بعد أخرى .مستخدما رموزه من الوسادة والجسر الحريق النساء وغيرها فيحدثنا في قصيدة خيول مشاكسة : كنا رجالا نعاقر القيم ونشتري الخير فتبعتنا النساء ولما جنحت سفننا غادرتنا النساء فرحنا نستجدي رضاهن بأعمارنا فيقول في قصيدة كنا خيولا ص 42:

كنا خيولا ….

ندق أديم الأرض ،

فتنمو تحت حوافرها النساء

صارت الخيول

أعمارنا التي نسحلها خلف النساء

ويؤكد في قصيدة ( شارع التربية ) ص 45 ان هيمنة الفراغ والسعي خلف المتاهة  في اقتناص نظرات هي الأخرى تُرغِبُ باستمالة جوفاء يكون نتاجها مطاردة يائسة فيؤكد :

يهرول في ثيابهم الكسل

فتعلمت أحداقهم مطاردة الذباب

ويذكرنا بساحة الماجدية ويحكي لنا : بان الخير لم يعد كما كان سابقا حيث العيش المبذول في أسواقنا بأثمان زهيدة ، فقد تمردت الدكاكين وأغلقت أبوابها لتحل محلها بسطات التموين فما عاد للشاحنات صدى كما كان في بهجة الماضي فيقول في قصيدة ساحة الماجدية ص 49 :

وعبر وريدها …

تمر شاحنات الطحين

رمت العجالة بالتوسل

وافترشت رصيفها…

بطاقة التموينِ

هذا ويطالعنا في قصيدة (جسر العمارة ) ص 53 حيث يفاجئنا الشاعر صاحب الخيول المشاكسة فيلقي ظلاله على جسر العمارة الذي نشأَ معنا وقدم لنا خدماته بكل أمانة ، ورغم الألم والجرح العميق الذي ناله من قصف طائرات العدو لم يتخل عن ناسه البسطاء وبقي ساجدا يتعبد في خدمتهم :

 من أي مدى تراه

وهو مزدحم المواجع

 من لهاث الطعنة الأولى …

إلى انكسارِ الريحِ في حائطِ الجوعِ

منحنيا …

يلهم الزوارق

ونداء النهر

وهكذا يبحر بنا الشاعر ماجد الحسن حتى آخر صفحة من ديوانه ، في رحلة الإبداع والتألق ، وكما أرى ان هذا المنجز بحاجة إلى دراسة مستفيضة للوقوف بصورة تامة على صفحاته المشرقة .