تحوّلات في الرسم والتعامل مع المواد الخام – جاسم عاصي

 محمد مهر الدين والرؤى المتجدّدة

تحوّلات في الرسم والتعامل مع المواد الخام – جاسم عاصي

صدر عن دار الأديب في عمان 2023 كتاب (محمد مهر الدين عظيم … الابداع  المتجدد)وصمم اللوحات فوتوغرافياً الفنان هيثم فتح الله.وجاء باللغتين العربية والأنكَليزية. وقد كانت مجموعة اللوحات من ارشيف الأُستاذ(عبد الواحد سكران ساهي السلطاني). ساهم في تحريره النقاد(صلاح عباس، عاصم عبد الأمير، جاسم عاصي ، جواد الزيدي وخالد خضير). ويُعد الكتاب وثيقة فنية إبداعية أرّخت لمسيرة الفنان محمد مهر الدين الذي تُعد حياته ما بعد الرحيل استمراراً في العطاء وإثراء للمشهد التشكيلي على صعيديه العربي والعالمي من خلال استعادة الذاكرة الفردية والجمعية لتأريخه الحافل بالمنجزات والتجديد والتحولات الموضوعية والفنية. فهو فنان مولع بالتجريب،معتبراً أن الحث على التجديد من خاصيات الاتصال بحيوية مع الوجود والعالم وتطويراً الأساليب في الرسم.

لقد أكد الأُستاذ عبد الواحد في مقدمة  الكتاب على الكثير من الخصائص التي أنتجتها رفقته الدائمة معه،والتي تحلت بها شخصية الفنان مهر الدين،فهو (يمثل علامة فارقة في مجال صناعة اللوحة الجديدة المختلفة كلياً عن جميع السياقات التي يعمل عليها الفنانون من أقرانه).وهذا تجسيد لصيغة التحولات التي حازت عليها لوحته ،سواء في الأساليب أو توظيف المواد الخام. وفي الجانب الآخر أكد على (أنه يعد الفن نوعاً من المواقف الوطنية والإنسانية).لقد أنتجت الرفقة معه تجدداً في المواقف والمنجزات،لاسيما ما كان يحوز عليه من نماذج من اللوحات محتفظاً بها كأرشيف دائم ونامي،وما اقترنت بالحكايات والأحداث المهمة في حياة الاثنين. وكانت فاتحة الكتاب مقالياً للناقد صلاح عباس الذي تميزت شخصيته بصفات غائرة في الإنسانية،متمثل هذا في ما أنجوزه من مشاريه خصت منجزات فنانين عراقيين،حيث قدم للأجيال ارثاً مؤثثاً بالانضباط والتنوع.

وفي دراسته لفن محمد مهرالدين تمكن من رصد وتقديم موجزة من رؤيته النقدية ؛ومنها تعليل نبوغه مبكراً من شبابه،وهي (إشارة مهمة لها مدلولات عديدة،أهمها أن مهر الدين مذ كان طالباً في معهد الفنان الجميلة ببغداد قد استطاع أن يؤثر في المشهد التشكيلي في العراق).كما وتطرق إلى المؤثرات الفكرية والمواقف الوطنية التي مرت بتاريخ البلد،عبر تأكيده على أن الفنان مهر الدين استطاع تحقيق الجدوى التاريخية في تلك السنوات المبكرة والمحتدمة بالصراعات  والتنافس الشديد والمشروع.مما يؤكد على مهارات الفنان الأدائية البارعة).

انحاز الفنان للطبقات المسحوقة من أبناء الشعب والوطن. كما أكد الناقد كون(الفنان كان يهمه رسم المعذبين في الأرض.هكذا كان يرسم كائنات بشرية مكتظة تتحرك بخطى حائرة نحو مستقبل مجهول)وفي هذا المنحى أكد الفنان قدرته على الأداء الخطي.أي أنه تمكن من المزج بين الانحياز فكرياً إلى هؤلاء،وبين الأداء الفني المنضبط ابداعياً .بمعنى ارتقى بنماذجه إلى مراتب الفن الراقي. وهي خاصية لم تختصر على الفنان لوحده،وإنما شملت الكثير من الرواد والمحدثين. الفرق يكون في التنوع  والتحول الأدائي الفني .أي أنه يختار الأُسلوب الذي يخاطر مع مبادئه لفكرية ــ الجمالية.

مواد خام

كان الفنان مهتماً بتحولاته في الرسم،بما فيها تعامله مع المواد الخام،وما أكده الناقد عباس كون الفنان خضع لطبيعته وانحيازه الفكري من خلال ما ظهر على لوحاته من  متغيرات تخص الفن والموضوع.لقد أكد الناقد على نشاط الظاهرة الجديدة في الفن منذ منتصف العقد السادس من القرن الماضي.هذه الظاهرة تركزت على(تدمير السياقات المعتادة في الرسم  والنحت،وذلك في التنبه لأهمية المواد الخام الداخلة في بنى الأعمال الفنية،وتوظيف مواد خام بديلة،يقوم الفنان بابتكارها أو إضافتها بما يضمن إنتاج عمل فني أكثر تأثيراً وأبلغ تعبيراً).ولعل الفنان مهر الدين،بهذا التوجه قد تحرر من السياقات المعتادة،وتوظيف واستعمال المواد الخام غير المعدة للرسم،كالخشب والحديد والجص وأوراق المقوى والأقمشة الخشنة مثل الخيش .وقد استنتج الناقد،على أن هذا يؤكد وفق فكر الفنان ورؤيته الجالية الممتزجة بفكر وطني؛إن الانسان المعذب هو المحور الأساسي في هذا الضرب من  الإنتاج الفني.وهذا الانحياز دال على ثبات محتوى فكره المح لنظرته إلى الوجود بشكل عام،والواقع بشكل خاص.

لقد دأب الفنان للتأكيد على عوامل اكتساب هويته الفنية،ضمن كل المجالات والمتحقق الذي دأب عليه الرواد في تأسيس الجماعات الفنية التي حملت خصائص مراحل التجديد في التشكيل العراقي،بما يقترب من تأسيس التوجه الجديد المنطلق من كل ذات مبدعة ومنتمية بحكم وطنيتها إلة الجميع، مما خلق تعدد في الرؤى قاد إلى التوسع ولابتكار في الأساليب.  لقد كانت محاولا ت الفنان مهر الدين تتركز في الإضافة الجديدة، سواء في انتاجه الفني ،أو لتأريخ التشكيل بشكل عام..

كما وأنه كان كثير الشعور بالغربة ومحاولة التخلص من أقرب المؤثرات ــ كما يراها الناقد ــ في لوحاته.فتصريحه للناقد خير دال على بحثه المثابر عن الاختيار الحر للأساليب حيث صرّح:

( اسمع صلاح ،أنا لا أحب أن أرى لوحاتي التي رســـــــــمتها سابقاً،ولا أرغب بالاحتــــــفاظ بأعمالي الفنية التي يجب أن تغادرني بأي حال من الأحوال. لأن وجودها أمام أنظــــــــاري يؤثر عليّ، ويضغط عليّ، ويُحجم من رؤيتي.

أقول هذه لوحتي، ولكني لا أُطيق مشاهدتها مرة أُخرى).

ويعني اللوحة التي رسمها عام1958 والتي عكست صورة امرأة ريفية تقف  قرب تنور الخبز، وحولها حقول  يانعة خاصة دالية العنب.