تحسين كرمياني في ليالي المنسية
تحرير الذاكرة من هيمنة السرد الوثائقي
محمد جبير
يفتتح الكاتب تحسين كرمياني نصه الروائي ” ليالي المنسية ” والصادر في العام 2014 ، بجملة من مقولات واراء وتصورات عدد من الفلاسفة والكتاب من مختلف انحاء العالم تؤشر الى موضوعات محددة تؤكد على ان هذا النص سوف ينفتح عليها لكن كيف ينفتح ؟ وماهي السبل؟ تلك سيتعرف عليها المتلقي حين يزج بنفسه في متن الحكاية السردية ، وقد تكون تلك الكلمات او التنصيصات بمثابة موجهات القراءة او موجهات التلقي للنص .ان التنصيصات التي ادرجها الكاتب بعد العتبة مباشرة تشير الى مجموعة من الاسئلة تتمحور في محور الكتابة ومحور الحياة او اذا ما اردنا ان نعشق الامرين نقول محور الكتابة في الحياة وعن الحياة ، يقتطع الكاتب مثلا نصا عن ” داريو فو ” الحقيقة دائما جارحة ، ودائما ثورية”. او مقولة رينيه شار “ان من ياتي الى الدنيا دون ان يترك فيها اثرا لاهو بمن يطاق ولابمن يستحق ان يلتفت اليه”.كما يورد الكاتب نصا لرولان بارت”كل شئ في السرد له معنى” او راي سانت بوف ” الادب غير منفصل عن مؤلفه”.هذه الرواية هي الرواية السابعة في تسلسل انجازات الكاتب بعد خمس مجاميع قصصية وعدد من المسرحيات ، وهذا الكم من الانجازات والابداعات يدعونا الى ان نقف وقفة تامل في قراءة هذا النص السردي لما يملكه من اهمية مفصلية على مستوى الوقائع التاريخية او الوقائع الحياتية للشخصيات الرئيسة في الحكاية لسردية ومايريد ان يصل اليه السارد من خلاصات او حكمة تاسيا على ماقدمه من تنصيصات قبل بدء الحكاية.لماذا اثقل الكاتب النص السردي بجملة التنصيصات؟ وماهو الهدف من ذلك؟. قد يتبادر الى ذهن المتلقي وهو يتصفح الاوراق اللاولى ما بعد العتبة ، اسئلة مضافة تشير لها تلك النصوص او تدفع به الى تاويلات خارج منطق المتن السردي للحكاية التي يريد ان يدونها الكاتب ، والتي وضعها في اربعة اقسام ، هي ، القسم المتعلق بالحكاية ، والذي امتد على ثمانين صفحة من مساحة الحكاية التي امتدت على مايقرب من خمسمائة صفحة ، حيث جاء هذا القسم متوزعا على ” نار الحكاية، مخاض الحكاية ،قفل الحكاية،مفتاح الحكاية، عتبة الحكاية، باب الحكاية، نافذة الحكاية، نافذة اخرى للحكاية ، متاع الحكاية”.كل تلك العنوانات التي تقود المتلقي الى متابعة اكتشاف ماسياتي من تفاصيل سردية ، بنيت بتصميم هندسي دقيق يقود الى الكشف عن المدلولات الاولية لكتابة هذا النص السردي وهو ايضا مايقودنا للعودة الى مراجعة الاشارات التنصيصة في بدء الصفحات الاولى قبل سرد الحكاية او خارج المتن السردي كشكل منفصل لا انها تصب في جوهر ترتيب وبناء النص السردي من الناحية الفكرية والانشائية البنائية للجوهر حكاية السردي والذي لم يحن دوره بعد ، حيث اذاكان الهيكل البنائي لهذا الجزء على الممهدات التفصلية لسرد الحكاية من خلال الاعترافات الذاتية للسارد ومن خلال الحوارات الدالة والموجزة بين السارد والاخرين نكتشف اه يريد ان يقودنا الى زوايا اخرى في التجربة الحياتية للانسان العراقي من زاوية لم تتطرق لها الذاكرة السردية العراقية بهذا التفصيل الدقيق ، فالسارد المعاق من جراء حرب الخليج الاولى وتحديدا في الفاو ، يقف في هذه اللحظات ليراجع شريط حياته بتفاصيله المرة ” الحرب” او الحلوة ” ادارة ” مدرسة في قرية نائية تضم عشرة معلمات ، وهذه القرية هي ” المنسية” ،حيث يضم القسم الثاني والذي اطلق عليها فواكه قلبي فقد اعتمد على سرد التفاصيل الحسية لعلاقات السارد مع فواكهه في ادارة المدرسة اللائي وجدن فيه الرجل الوحيد في هذا العالم المعزول والمقصي من الحياة المدينية التي جاءوا منها جمعيا ، حيث وجدوا انفسهم في هذا المكان جراء عقوبات حزبية بعثية قادتهم الى ان تعيش عشرة معلمات في قاعة واحدة ، يطاردن الرفيق الوحيد ” ديك” المدرسة ليروي عطشهن للحياة.كما تضمن القسم الثالت اعترافات صوتية ، والقسم الرابع والاخيراوراق ارقي .فقد تضمنت التنصيصات المنتقاة من بين مجموعة كبيرة على ان ” الحقيقة صادمة” و” السرد معنى” و التصاق الادب بالكاتب” و”لابد لانسان من ترك الاثر” ، وقد تكون هذه النصيصات من ابرز ماجاء في الصفحات التمهيدية من وجهة نظرنا الخاصة او زواية النظر الخاص بي كمتلقي لهذا النص فضلا عن تساؤلي عن الظرفية الانية لكتابة هذا النص السردي والذي يدركه المؤلف جيد ا لذا جاءت الاشارة الاتية موضحة لذلك وهي مقتطعة من الكاتنب ابراهيم نصر الله اذ يقول “ليست هناك معركة اكثر عبثا من تلك المعركة التي يشنها الرقيب على الكتب ، انه خاسر ، اولا وثانيا وعاشرا ، فالذي كتب بالحبر لن يمحى ابدا”.اعتقد ان هكذا نص بقي محفوظا بين اوراق الكاتب الكردي تحسين كرمياني سنوات طويلة حتى يتمكن من اطلاقه الى المتلقي ، اذ انه نص صادم للسياسي بوقائعه السردية التفصيلية ، فالحقيقة دائما ماتكون مرة وصادمة للسياسي و” السياسي .. هو العدو الوحيد للحقيقة” ” الرواية-ص136″ اذ ان الحقائق السردية تكشف الفاق والزيف السياسي الذي يراد تمريره على الانسان ، الا ان هذا الانسان يخلق فضاءات حياته وان كان منفيا داخل وطنه او خارجه حبيسا داخل جدران نفسه او خارجها ، اذ يمكنه ان يروض نفسه على ماهو عليه ويبني حكايته التي تمده بالامل في التغيير، فان شخصيات هذه الحكاية تدرك الحقيقة الاتية” نحن سجناء الواقع، مهما مارسنا من النشاطات”” الرواية ص27″.
لذلك اكد كرمياني ان معركة الرقيب مع الكاتب هي معركة خاسرة ، لان الاديب الذي يلتزم جوهر قضية الانسان وينتمي لها ويتبناها موقفا وسلوكا ، تصبح كل كلمة هي جزء منه ولايمكن انتزاعها ، لان مايكتب لايمكن ان يمحى وانما يبقى المنجز الاصيل خالدا على مر العصور وشاهدا على امتداد وحيوية قضية شعب اراد ان يبثها الكاتب كرسالة ضمنية من بين سطور الحكاية الا وهي دعوة السلطة البعثية في الكف عن تشويه نضال شعب بمجموعة اكاذيب مختلقة ، وهي تشبه التساؤل الذي مرره كرمياني في هذا الحوار ” افهم من كلامك ان الذي جرى من تفجيرات في المستنصرية وبعض الاماكن الاخرى كانت من تخطيط حكومتنا” “الرواية-ص177”.هذه الرواية تفتح ذهن المتلقي على مسارات متعددة من التاويل لنص الحكاية السردية والذي لايمكن له ان يتمحور بين الحسي والايديولجي وانما يبتدا اكثر من ذلك الى فضاءات ارحب في مناقشة معنى الحياة والوجود الانساني من دون ان يكون لنا بصمة او اثر فيها ، كأن يكون هذا الاثر ابداعيا او فكريا او انسانيا المهم ان يكون له اثر يشار له وهو ماراد ان يحققه تحسين كرمياني في هذا النص السردي او النصوص الاخرى.






















