بين الفكر والنقد للمغربي د.الحسن الغشتول
كتاب لم يجربوا الفعل في هذه الحياة
فيصل عبد الحسن
تناول د. الحسن الغشتول العلاقة الروحية التي تقع بين القارىء والمقروء عند قراءة أي كتاب في إصداره النقدي الجديد بين الفكر والنقد .
درس الكاتب عبر فصول كتابه ظاهرة نفسية في غاية الأهمية لدى المتلقي هي ما يسمى قبول المعلومات كمسلمات مما تلقاه من المؤلف عبر الوسيط المقروء .
مما يؤسس علاقة روحية بين القارىء والمكتوب أو كما قال د. الغشتول تتأسس بينه وبين القارىء علاقة روحية عميقة ويكمل لكني لا أخفي أني بقدر ما كنت في مختلف إنجاز هذا العمل حريصاً على الوقوف عند منعطفات جمالية يلتقي فيها الكاتب والقارىء ص 5
الفكر والتفكر
وجاءت فصول الكتاب مؤشرة هذا الربط من العلاقات بين الباحث والمبحوث عنه، من خلال إبداع المبدعين في الشعر والقصة القصيرة والرواية، فتناول الكاتب في باب كتابه المعنون رواء الكلام، أو مقام البهاء وتحت عنوان فرعي ابتهاج الأسلوب وتدفق الخيال في قصائد ديوان طائر من أرض السمسمة للشاعر المغربي أحمد بلحاج آية وارهام منتهياً إلى أن قصائد هذا الشاعر المجدد لا تنتهي متلاشية، مفرغة، بل تنتهي مشتعلة متوهجة ص11
فالدلالة لدى الشاعر تتسع بقدر ما تضيق العبارة وتتكشف حقيقة المراد بحسب السياقات ص13 فالشاعر ينقل نسب قصيدته من مستوى الفكر إلى التفكر أي من مرتبة الوجود الذهني لينقلها إلى مقام الخطاب المؤتلف المترابط الخاضع لنسقية بنائية تنتظم بموجبها معرفة بيانية منظمة ومخصوصة .
ويستحضر الكاتب في كتابته عن قصائد الشاعر البعد السيميائي »الأسلوبي من خلال موقف ميشيل مايير الذي ينظر الى النص في انتظامه وتشكله باعتباره نسقا أدبياً يقوم على الخيال ص18
اليتيم واللطيم
وتناول الكاتب في مبحث تجليات للعظمة بين جاذبية الحق وتناسبية المعنى قراءة موازنة في القيم الجمالية من خلال صورة اليتيم، وقد توج مبحثه بيتم الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم معتبراً أن أقوى مثال يهتدي به هو مثال الشخصية العظيمة التي ساندها الوحي ومجدها التأريخ الإنساني..
إنها شخصية قائد الأمة ومنقذ البشرية، نبي الرحمة والمحبة محمد صلى الله عليه وآله وسل الذي تربى يتيماً ص 20
ويروي عن خروج مرضعته حليمة السعدية من بلدها في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمسن الرضعاء، فتقول فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتأباه، إذا قيل لها أنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول يتيم
وما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك، فما امرأة قدمت معي إلا وأخذت رضيعاً غيري، فلما أجمعنا الأنطلاق قلت لصاحبي والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.
قالت فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على آخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت فلما أخذته، رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك.
وقام زوجي إلى شارفنا… فإذا إنها لحافل، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى أنتهينا رياً وشبعاً، فبتنا بخير ليلة، قالت يقول صاحبي حين أصبحنا تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة، قالت فقلت والله إني لأرجو ذلك ص23
وتناول الكاتب من خلال هذا اليتم سمات الجمال في أنموذجه أن الجمائل التي أزدان بها اليتيم لم تفهم لدى الشخص الحاكي إلا لاحقاً وقد أضحت الحكمة في يتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعرف قدر الأيتام فيقوم بأمرهم .
ومن معجزة هذا اليتم المبارك أن يشعر اليتيم بعذابات الناس لاحقاً ويعرف قيمة الفقد لديهم، وكذلك فاليتيم عادة لا يجد النموذج الأبوي ليسك طريقه على ما سبق أن رآه في سلوك أبيه، فاليتيم هنا أنموذج فريد في الإنسانية وسيسك سلوكه ونموذجه الخاص بدوره كراع للبشرية ولهدايتها.
وتناول نماذج أخرى لليتيم في الآداب في مبحثه، فكتب عن بؤساء فكتور هيجو وعن يتيم جي دي موبسان في قصته اليتيم، ومصطفى صادق الرافعي الذي تناول اليتيم في احدى مقاماته النثرية الرائعة، ووضح تسميات اليتيم في اللغة العربية، فقال ان من اللغويين من يحرص على اظهار الفرق بين اليتيم والعجي واللطيم ص30 فاليتيم يتيم الاب عند الناس وفي البهائم يتيم الأم، والعجي الذي ماتت امه من الناس واللطيم الذي مات أبواه.
سؤال الهوية
وتناول الكاتب في باب تجديد سؤال الهوية وصحوة الراوي الانعطافات الفكرية والجمالية لدى السارد العربي المعاصر في المشرق والمغرب ومن منطلق معرفيات حددها في هذا الباب درس ثلاثة اعمال سردية الاول للقاص فيصل عبدالحسن متناولاً مجموعته القصصية أعمامي اللصوص والثاني لأحمد المخلوفي متناولاً مجموعته قبر في طريفة والثالث لعبد الجليل الوزاني، متناولاً روايته احتراق في زمن الصقيع معتبراً أن النماذج الثلاثة ترتبط بالكتابة التي أعقبت الموجة العاطفية التي طغت فيها صورة الحزن وهيمن خلاللها الإحساس بالهزيمة. ص35
وتناول الكاتب قصص القاص العراقي غازي العبادي من خلال مجموعته المطاف فكتب عنها غازي العبادي رائد من رواد القصة العراقية، وقد سعى في قصصه الى ملامسة اطراد الصورة التي يوشك فيها البطل أن يهوي إلى القرار، لقد تفنن غازي العبادي حقا في تجسيد الحزن، حيث يتحول البكاء لدى بطل من أبطاله إلى نحيب، فما أن يملأ القهر نفس هذا البطل حتى يحس بأنه أهين أمام الريح التي ما انفكت تصفعه بقوة، كما لو كان لها عنده دين قديم تسترده منه الآن ص37
وتناول الكاتب في باب الذات في مرآة الفكر والوجدان سيرة النبي المختار معتبرا أن هذه السيرة لمح من الأدب البليغ وخبرة في الحياة وعظات وأنوار ص59
عبد الله الفيفي
ونقلنا الكاتب في باب زاد وموارد… باب ما تحيل عليه الكلمات من بنى فكرية الى توازن اللحظة الابداعية والوعي النقدي في أنموذج ألقاب الشعراء للشاعر والناقد السعودي د. عبد الله الفيفي، متسائلاً عن اللغة إن كانت تملك وجوداً مستقلاً عن المعاني ؟ لذلك لا يميل الكاتب لاعتبار اللغة ذات سلطة مطلقة، وهو بذلك لا يتبع آثار الفلاسفة المنطقيين الجدد الذين يعتقدون أن اللغة تخلق المعنى ص 69
لقد بحث الناقد الفيفي عن العلاقة بين لقب الشاعر بطبيعة شعره والاستجابات لشعره عند تلقيه، ليحصل على الدلالات التي تعبر عن مواقف نقدية مباشرة وغير مباشرة لدى كل شاعر ص 77
وتناول في باب مصدر العلامة النصية وتجلياتها في مجريات الحكي أسرار صناعة المواقف وصراع الأفكار في ضمير شخوص القصة القصيرة ص96
وفي نقده لمجموعة قصص أوان الرحيل للدكتور علي القاسمي ص 163 تناول إيقاع الصمت في القصة ومقتضيات الفعل في القصة القصيرة متناولاً تجربة القاسمي في كتابة القصة القصيرة الفنية.
كتاب بين الفكر والنقد للناقد والأكاديمي د. الحسن الغشتول أحد الكتب النقدية المهمة، التي درست المخيال العربي لدى عدد من الكتاب والشعراء العرب، وعلاقته بالواقع المعاش، وعلاقته بالماضي الأدبي لهذه الأمة، التي أشتهرت بكونها أمة شاعرة وليست ناثرة، أمة وضعت العاطفة الجياشة في أولى أهتماماتها، ولم تول الفعل والحركة إلا القليل من أهتمامها واهتمام نقادها ومبدعيها، فجاء أدبهم ونقدهم مملوءاً بالعاطفة الجياشة، وخالياً تقريباً من تجارب الحياة الواقعية، فهم في كل الأحوال كتاب وأدباء لم يجربوا الفعل والحركة في هذه الحياة بما يغني لاحقاً تجربتهم الأدبية، ويجعلها بمصاف ما يكتب في الغرب من روائع القص والرواية والشعر والنقد الأدبي.
ــ كتاب بين الفكر والنقد » تأليف د. الحسن الغشتول» دار الكلمة » مصر » القاهرة » طبعة أولى عام 2013 » 223 صفحة من القطع الكبير.
AZP09






















