
كلام أبيض
بعيني رأيت – جليل وادي
فجأة وجدت نفسي وسط سيارة شرطة من نوع (بيك أب)، ذراعان ضخمتان رفعتاني من ابطّي ووضعتاني فيها، كانت الدورية واقفة قبالة دائرة رسمية في ناحية الاسكندرية بمحافظة بابل التي كانت تعج حينها بمختلف الجنسيات الاجنبية مطلع السبعينات،وما ان التفت حتى وجدت حشدا من عامة الناس بعيون متساءلة عما فعله هذا الفتى الاسمر قصير القامة،ومن خلفهم لمحت صديق عائلتي بشاربيه الرفيعين وهو يحث الخطى باتجاه الدورية، استقبلته بعينين دامعتين وجسد يرتعد خوفا، (متخنث ويتشبه بالبنات، شعره طويل ويغطي اذنيه) هكذا أجاب الشرطي على تساؤل عمو هلال، وبعد أخذ وعطاء تمكن عمو هلال من اطلاق سراحي واعدا الشرطة بالذهاب حالا الى الحلاق.
وبعد أربعين عاما، طرد ضابط شرطة مكلف بمهمة الاستعلامات في مديرية جنسية وجوازات (………) فتى وبلفظ غير مقبول لكونه يرتدي بنطلونا يرتفع عن حذائه الرياضي بمسافة لا تتجاوز (الشبر)، وعندما أبصرته وجدته مهذبا من قيافته الى شعره، لم يرد الفتى، واستدار عائدا من حيث أتى، لم أجد تبريرا لألفاظ الضابط، كما لم اجد علاقة لهذه الدائرة بما يرتديه الناس، فالدائرة عامة والناس احرار فيما يرتدون شرط المحافظة على الكلمة الفضفاضة (الآداب العامة)، لطيف ان نهتم باللباس الرسمي، لكن الخشية ان يمتد ذلك لقمع الحريات، او منع النساء السافرات من الدخول او بسطاء الناس من لبس ما بمقدورهم، كما فعلت مديرية مرور احدى المحافظات، التي منعت مراجعتها بــ (الشحاطة) أجلكم الله، وبدل ان تمنع الشباب الطائش دون سن الرشد من القيادة، أوجدت مهنة جديدة لتأجير الاحذية، فتحول مدخلها الى اكداس من الشحطات بدل ان يكون باقات من الورد.
لا تجيد أغلب اقسام العلاقات العامة وشؤون المواطنين (كما تُسمى) التعامل مع المراجعين، فلا علاقات عامة نرى، ولا لشؤون المواطنين احتراما، واذا بررنا منع الفتى من الدخول لمتابعة جوازه، فما تبريرهم لمنع المراجعين من ادخال قناني الماء في هذا الجو اللاهب، ولاسيما ان بينهم اطفالا ومرضى وشيوخا ينتشرون في ساحة كونكريتية، بينما الموظفون في غرف مبردة.
وفي عموم المديرية التي كنت بصدد مراجعة قسم الجوازات فيها، كنت أرقب بعيني صحفي ما يجري أمامي، فأعجبتني قيافة الضباط، لكن ما لفت إنتباهي ان عددا كبيرا منهم وأولهم المدير في يده (مسبحة) طويلة، اظنها من فصيلة (المئة وواحد)، هل يجوز ذلك لعسكري؟ وهل يريدون الايحاء بأنهم متدينون؟ فاذا كانوا كذلك فلم لا تنجز معاملات المواطنين بعدالة؟ طوال مراجعتي التي استمرت سبعة عشر يوما، بسبب ضياع معاملتي، لم ار مدير الجوازات جالسا بمفرده، اذ كان الى جانبه عسكريون برتب عالية واشخاص يبدو انهم شيوخ عشائر ووجهاء واعضاء من مجلس المحافظة ببدلات انيقة وبرفقتهم الذين تعرفون، رأيت احدهم قدم معاملاته اليوم واستلم جوازه في اليوم التالي صباحا، ولولا انقطاع اشارة الانترنيت لاستلمه في اليوم نفسه، رأيت ان الضباط اكثر عددا من المنتسبين، وان اشارة الانترنيت غير منتظمة والمولد الكهربائي متعثر، لا اتجنى عليهم، ولا انكر ما يبذولونه من جهد ابدا، فقد تمكنوا من اختصار مدة الانجاز الى اكثر من النصف قياسا بسنوات سابقة، لكن بعضهم يضع معاملات المعارف في المقدمة وعامة الناس في المؤخرة، فيدفع الناس ثمنها تأخيرا وقلقا، سمعت أحدهم يهمس لصاحبه، وتأكدت من صحة القول لاحقا، ان سبب هذه الزحمة في دائرة الجوزات، ان ترميما اجري على البناية في ايام الدوام الرسمي، ولم يستثمروا عطلة العيد التي قاربت العشرة ايام، مع ان الجهة المنفذة من القطاع الخاص، والغريب ان الترميم جرى من دون استحصال موافقة الجهات العليا . أخيرا حصلت على جوازي، لكن للاسف بعد استنزاف ثلث عطلتي الجامعية.
ديالى

















