بديل الوساطة في مصر
بول تايلور ــ باريس
بعد فشل الحكومات الغربية في اثناء حكام مصر الجدد عن شن حملة دامية على أنصار الرئيس الاسلامي المعزول محمد مرسي بدأت تلك الحكومات في التعبير عن ادانتها والبحث عن سبل للتأثير على النتيجة التي ستؤول اليها الأوضاع في البلاد. حاولت الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي معا تيسير التوصل الى حل سياسي سلمي للمواجهة بين الجيش وجماعة الاخوان المسلمين التي ينتمي اليها مرسي وحثتا حتى آخر لحظة على تجنب العنف. وتساءل مينزيس كامبل العضو البارز في البرلمان البريطاني المنتمي الى حزب الديمقراطيين الأحرار الشريك الصغير في الحكومة الائتلافية ما الذي كان بامكاننا أن نفعله غير ذلك؟ وأضاف هذا لم يؤكد فشل الدبلوماسية الغربية بقدر ما هو عجز .
وأبلغ كامبل رويترز في حديث هاتفي لا شك في أن هذه انقسامات أساسية بخصوص نوعية المجتمع الذي يريده كل طرف من طرفي الخلاف .وبعد ان عجز عن اقناع القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسي والمؤسسة الأمنية بالعدول عن موقفهما بات الغرب يواجه مأزقا بخصوص كيفية التوفيق بين مبادئه الديمقراطية ومصلحته الحيوية في استقرار الأوضاع بمصر التي توجد بها قناة السويس.
وقال دانيال ليفي مدير برنامج الشرق الأوسط في المجلس الأوربي للعلاقات الخارجية وهو مؤسسة بحثية يحتاج الغرب الى ايجاد طريقة مدروسة لتعليق المساعدات والمزايا الاقتصادية تظهر للطبقة السياسية غير العسكرية بما فيها مجتمع رجال الأعمال أنهم سيدفعون ثمنا في أشياء تهمهم .
وتقيم الولايات المتحدة تحالفا استراتيجيا مع القاهرة منذ أن ساهم الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في ابرام أول معاهدة سلام عربية اسرائيلية بين مصر واسرائيل عام 1979.
ونددت واشنطن بأعمال العنف في مصر وحثت على ضبط النفس وايجاد حل سياسي.
وأدان الرئيس الأمريكي باراك أوباما بشدة الخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية وأعلن امس الخميس الغاء مناورات عسكرية مشتركة مع مصر في ضربة رمزية لكبرياء القوات المسلحة المصرية.
وفي ظل ما يواجهه أوباما من ضغوط في الكونجرس لوقف المساعدات العسكرية التي تقدمها واشنطن لمصر سنويا وقيمتها 1.3 مليار دولار قال الرئيس الأمريكي انه يدرس مزيدا من الخطوات التي قد تكون ضرورية في علاقة الولايات المتحدة مع القاهرة.
هذه المساعدات ــ ومعظمها في صورة مبيعات أسلحة أمريكية ــ تبدو ضئيلة اذا ما قورنت بتلك التي تعهدت السعودية والامارات والكويت بتقديمها للقاهرة وقدرها 12 مليار دولار بعد أن عزل الجيش مرسي في الثالث من يوليو تموز استجابة لاحتجاجات شعبية.
مراقبة الجيش
وأضاف أوباما أن واشنطن تريد أن تكون شريكا لمصر على المدى الطويل وتضع نصب عينيها مصالحها الوطنية في هذه العلاقة القديمة.
ويقول كامبل العضو المحنك في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم البريطاني الرد المناسب من أمريكا الآن هو أن تراقب الجيش عن كثب وتقول انها ستوقف ارسال الأموال غدا .
وأضاف ذلك لن يؤثر مثقال ذرة على قدرة الجيش… لم أكن لأقول ذلك علنا ولكنني بالتأكيد كنت سأقول في الاجتماعات الخاصة، هل تدركون أن كل هذا الدعم قد يكون معرضا للخطر؟
لم يعد أمام ادارة أوباما سوى خيارات معدودة بعد أن أثارت حفيظة دول الخليج باحتضانها انتفاضات الربيع العربي المطالبة بالديمقراطية فضلا عن عزوف الرئيس الامريكي الديمقراطي عن تدخل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. كان بامكان واشنطن وحلفائها الأوربيين أن يمنعوا صندوق النقد الدولي من اقراض مصر غير أن محادثات القاهرة مع الصندوق بخصوص قرض قيمته 4.8 مليار دولار انهارت في عهد مرسي كما قالت الحكومة الانتقالىة الجديدة ان الحصول على هذا القرض ليس بين أولوياتها. ويبدو أن زيارة عضوي مجلس الشيوخ الأمريكي الجمهوريين جون مكين ولينزي جراهام الى القاهرة الأسبوع الماضي للمساعدة على ابعاد مصر عن شفا الهاوية جاءت بنتائج عكسية اذ مكنت الجيش من حشد الرأي العام لرفض التدخل الأجنبي .
وقد بدأ أوباما رئاسته بالسعي وراء اصلاح العلاقات مع العالم العربي والاسلامي والتي تضررت بشدة جراء الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق. وترددت واشنطن في البداية قبل أن تحتضن انتفاضات الربيع العربي عام 2011 التي أطاحت بعدد من نظم الحكم المطلق ومن بينها نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك حليف الولايات المتحدة. ولكن يبدو أن الامر انتهى بواشنطن ولم تنل رضا الجانبين اذ وجه اليها الكثير من المصريين اللوم لدعمها مرسي بينما اتهمتها جماعة الاخوان المسلمين بالتواطؤ في انقلاب عسكري ضد الرئيس المنتخب في انتخابات حرة. وقال ليفي ان السيسي اما خلص الى أن الولايات المتحدة تهوش فقط وأنها لن تجرؤ على تعليق المساعدات بسبب معاهدة السلام مع اسرائيل أو انه رأى أن حجم المساعدات ضئيل مقارنة بالمساعدات الخليجية لمصر. وفي أوربا أدان الرئيس الفرنسي فرنسوا أولوند بأشد العبارات الحملة الأمنية التي نفذت يوم الأربعاء والتي تشير البيانات الرسمية الى أنها أسفرت عن مقتل 525 شخصا بينما تقول جماعة الاخوان المسلمين ان عدد القتلى يزيد على أربعة أمثال هذا الرقم.
وقال بيان رسمي ان أولوند استدعى بنفسه السفير المصري ــ وهو حدث دبلوماسي نادر ــ ليعبر له عن ادانته لاستخدام القوة ويطالب بوقف فوري للقمع قائلا انه يجب بذل جميع الجهود الممكنة لتفادي الحرب الأهلية .
وذكرت باريس أيضا أنها ستثير أمر هذه الحملة في الأمم المتحدة رغم أن مسؤولين فرنسيين أقروا بأن روسيا والصين اللتين حالتا دون اتخاذ المنظمة الدولية أي اجراء ضد الرئيس السوري بشار الأسد يمكن أن تعرقلا أي اجراء في مجلس الأمن الدولي حيال مصر بدعوى أنه شأن داخلي.
وقال وزير الخارجية السويدي كارل بيلت ان فرص تأثير الاتحاد الأوربي على الأحداث في مصر محدودة للغاية نظرا لأن المتشددين في القيادة المصرية يبدون عازمين على اتباع نهج صارم.
وأبلغ رويترز أن الاتحاد الأوربي سيحتاج الى النظر في برامج مساعداته لمصر غير أن العقوبات الاقتصادية قد لا يكون لها تأثير سياسي يذكر.
ولا يرى بيلت أي مجال لوساطة الاتحاد الأوربي في الوقت الراهن. وقال أعتقد أن الفرص التي كانت متاحة قبل أسبوع أو أسبوعين تلاشت تماما جراء ما حدث. أرى أنه ستكون هناك فترة من القمع الشديد والمشكلات . ورغم ذلك عارض بيلت فكرة التعامل مع القاهرة بفتور قائلا حتى خلال تلك الفترة يجب أن نحاول الابقاء على قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع القطاعات حتى نستطيع المساعدة حالما يمكننا ذلك .
وغالبا ما يكون فرض عقوبات من الاتحاد الأوربي أسهل من رفعها نظرا لما يتطلبه ذلك من اجماع في اتخاذ القرار.
وقال جوناثان ايال مدير الدراسات الدولية بالمعهد الملكي لدراسات الدفاع والأمن في بريطانيا ان أسوأ رد يمكن أن يصدر من الغرب هو الانزلاق في حالة من السخط نابع من التعالى .
وأضاف أن تعليق المساعدات يجب أن يكون تمهيدا الى السعي للتواصل مع الجيش المصري بهدف اقناع السيسي بتجنب ما وصفه ايال بأنه الكابوس الأكبر المتثل في حظر جماعة الاخوان المسلمين ودفعها الى العمل السري واجراء انتخابات صورية تعيق أي تسوية في المستقبل.
وقال ليفي ان الاتحاد الأوربي يجب أن يبدأ عملية يمكن أن تقود الى تعليق اتفاقية شراكته مع مصر مما قد يجرد القاهرة من امتيازات تجارية ومساعدات مالية صغيرة نسبيا معظمها معلق على أي حال.
وقالت وزيرة الخارجية الايطالية ايما بونينو انه من المرجح أن يعقد الاتحاد الأوربي الذي يضم 28 دولة عضوا اجتماعا طارئا لوزراء الخارجية الاثنين أو الثلاثاء المقبلين لبحث اتخاذ اجراء حيال مصر بعد فشل جهود الوساطة. وذكر ليفي أن فرض عقوبات مدروسة يمكن أن يعزز موقف مبعوث الاتحاد الأوربي برناردينو ليون ونائب وزير الخارجية الأمريكي وليام بيرنز في الضغط على حكام مصر للعودة الى طريق الديمقراطية والحكم المدني.
وقال ليون ان الوسطاء لم يطرحوا خطة سلام مكتملة بل مجموعة من اجراءات بناء الثقة المتبادلة ــ تبدأ بالافراج عن بعض المعتقلين كان من الممكن أن تؤدي الى تسوية للمواجهة عن طريق التفاوض.
وأبلغ ليون رويترز أنا على اقتناع بأنه كان هناك بديل سياسي . وقال الليبرالى المصري محمد البرادعي نفس الشيء عندما قدم استقالته من منصب نائب رئيس الجمهورية للعلاقات الدولية بسبب الحملة التي شنتها قوات الأمن لفض اعتصامين لانصار مرسي يوم الأربعاء.
/8/2013 Issue 4484 – Date 17 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4484 التاريخ 17»8»2013
AZP07






















