الوقوف إلى جانب تشيخوف – اضواء – فاروق مصطفى

الإرتعاب بين أدغار الان بو  و بول بولز

الوقوف إلى جانب تشيخوف – اضواء – فاروق مصطفى

اعادتني الكاتبة الكندية اليس مونرو التي منحت جائزة نوبل للعام 2013 الى عالم القصص القصيرة ، وهي المعروفة عنها بكتابتها الاقاصيص التي تحلق في فضاءات الريف الكندي ، وثمة من شبهها بالكاتب الروسي انطون تشيخوف وحملت لنا الصحف التي وظفت العديد من المقالات لسيرتها وقصصها بأنها كتبت اربع عشرة مجموعة قصصية وبالرغم من بلوغها عامها الثاني والثمانين وهي من مواليد 1931 ، تتمتع بصحة جيدة وتملك ذاكرتها القوية ، اقول ان هذه القاصة شوقتني في الرجوع الى شغفي القديم بدنيا القصص القصيرة والتقلب في مهاويها الفنية وقنص علاماتها الداهشة واستحلاء مفارقاتها الجميلة ومواقفها الرؤيوية ، ولكن الحصول على قصص اليس مونرو من الصعوبة بمكان فحسب معلوماتي المتواضعة لا ادري ان ظهرت لها ترجمات في اللغة العربية وقراءة كتبها في لغتها الام تحتاج الى تأنً وصبر والعودة الى المعاجم ولارواء شغفي القصصي فلا بأس من الرجوع الى بعض اساطين هذا الفن امثال ادغار الان بو و بول بولز وخاصة هذا الاخير ايضاً لم يشتهر عند المتلقين العرب الا بعد كتابة الكاتب المغربي محمد شكري كتاب الشهير بول بولز وعزلة طنجة والصادر عن منشورات دار الجمل عام 1997 وحاول شكري ان يقص سيرة الكاتب الامريكي مع زوجته الروائية جين اور عندما اختارا مدينة طنجة مستقراً لهما مع عام 1947 وتعرف شكري عليهما وتردده على بيتهما ، وطنجة المدينة العالمية والمنفتحة على مصاريعها حتى عام 1956 مأوى للمغامرين وملاذ للادباء والفنانين الذين يبحثون عن المغايرة وطعم جديد للحياة وبالاضافة الى بول بولز وزوجته جين عاش فيها تنيسي وليامز وجان جينيه وادباء البيتنكس امثال جاك كرواك والن غونتسبرغ واخرين ، كتاب شكري يشوقنا التعمق في الكاتب الامريكي والبحث عن قصصه ورواياته واخباره ، وفي نفس الوقت عن مدينة طنجة التي اغرت الكثير في القدوم اليها ونشدان لواذٍ دافئ في حضنها وذواق ايقاعات الحياة اليوميــة في فــــــنادقها وحانــــــاتها ومقاهيها واسواقها الداخلية .

والذي يقرأ قصص بول بولز هذه القراءة تقوده الى الكاتب الغرائبي ادغار الان بو هذا الذي قيل عنه بأنه اطلق المخيلة الانسانية من عقالها وحلق في فضاءات لم يسبق اليها وشيد من العوالم الغربية الشائقة التي ما تزال تغرينا في التجواب فوق تضاريسها ثم الهبوط الى عوالمها الجوانية وكان اول من قدم كتاباً الى قراء العربية الكاتب الفلسطيني نجاتي صدقي حيث اختار اضمامة من قصصه وعددها ثلاث عشرة قصة فأودعها في كتاب يحمل اسم الخنفسة الذهبية وصدر الكتاب في بيروت عام 1953 ومهد نجاتي لهذه الباقة القصصية بتقدمة اورد فيها (وقصص ادغار بو تحمل طابعاً عقلياً فرديا في نوعه فتبدو للقارئ انها تشاؤمية في حين انها تعمد الى تصوير احاسيس المرء وتخيلاته القائمة اروع تصوير  ويعد ادغار رائد القصة القصيرة في الادب العالمي ويقف الى جانبه الروسي     انطوان تشيخوف والفرنسي جي . دي . موباسان هؤلاء الثلاثة الذين وضعوا اللبنات الراسخة لهذا الجنس الادبي الذي ازهر وايعنت اشجاره في العقود السابقة ولكنه في الفترة الاخيرة تراجع وانكمش امام الجنس الروائي الذي غدا مارداً وجذبت غواياته الكثير من المنشئين الى متونة بحيث صرنا نراه المرآة التي تكشف المستور والمخفي وانقلب هوية سردية لنا تحكي امالنا واحلامنا وكوابيسنا وكل ما تتقلب في مصاعد الحياة ومهابطها .

بين اوغار الان بو وبول بولز اكثر من وشيجة تربطهما بالاضافة الى انتسابها الى الارض الامريكية ، كلاهما اغرما بالقصة القصيرة وشيدا العوالم التي يحكمها الرعب ويسودها الارتعاب ، والكثير من قصصهما تجري حوادثه في بلاد بعيدة واماكن قصية ، فنلحظ قصص بولز تقع في بلاد المغرب العربي والصحراء الكبرى وبلاد افريقيا الواسعة واصقاع من امريكا اللاتينية واراضيها البعيدة وفي نفس الوقت نرى عند الكاتبين الاعتماد على مهارتهما القصصية والحذق والعناية بجانب الصنعة وكذلك اطلاق الخيال لينداح في بروايه الفساح ، وفي مقدمة كل هذا ترك الرعب ينهمر بتدفق وسلاسة.

لادغار بو قصة تحمل عنوان (برميل امونتيلادو وهي تقوم على ثيمة الانتقام ، والقصة تروى بضمير المتكلم وتبدأ المروية على النحو الاتي (لقد الحق بي (فورتوناتو القدر الكبير من الاذى ، واهانني ، وآليت على نفسي ان انتقم منه وتجري حوادثها في ايطاليا وبمناسبة عيد المرافع والحفلات المقنعة فالروائي يدعو الشخص الذي اهانه الى اقبية قصره ليستشيره في تمييز الخمور المعتقة وهو لايدري انه ينصب له فخاً ويقوده على رجليه الى موته الزؤام ، وتنطلي عليه الحيلة ، وهناك في قبو من اقباء القصر يسقيه الخمر ويدخله في حفرة وهي في الاصل ناووس او قبر ثم يكوم عليه الاحجار بعدة صفوف ولايكتفي بهذا وانما يجصص الاحجار ، وغريمه يظن كل هذا الوقت ان العملية ليست في اخر المطاف الا مزحة من المزح التي تجري بين الاصحاب ولكن السارد يسوق لنا كل صور الارتعاب هذه بسلاسة وتدفق وتلقائية وفي عين الوقت تثير خيال المتلقي وتدعوه الى المزيد من التحفز والتوثب .

وعندما نتصفح كتاب العقرب الذي ضم مجموعة من قصص بولز وصدر في الكويت عام 2008 عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب حيث نقع على قصة معنونة بـ فريسة رقيقة نلاحظ ان بولز يستعير بعض اجواء قصة برميل امونتيلادو ويبني حوادثها على فكرة الانتقام وبنفس الطريقة والقصة تروى بضمير الغائب كأكثر قصص بول بولز وهي بمثابة رحلة صحراوية يقوم بها ثلاثة فيلاليين ولكن شخصاً منقارياً نسبة الى مكان في الصحراء يتأمر عليهم ويبدأ قتلهم واحداً اثر اخر ويستحوذ على تجارتهم ثم يأتي بها مع جمالهم الى بلدة تساليت وهناك يتعرف بعض اصحاب المغدور بهم على جمالهم وبضائعهم فيلقون القبض على المنقاري ويأخذونه الى خارج البلدة ثم يعمدون الى احتفار حفرة ويلقون الغادر فيها ويجعلونه واقفاً ثم يبدؤون بملئ الحفرة بالرمال والاحجار ولايتركون شيئاً يبدو منه الا رأسه الحليق يمضون ويتركونه الى هذياناته التي تستمر الى ساعة هلاكه الوشيك . ان فكـــــرة القصتين متشابهة وهي الانتقــــــام بهذه الصورة المتميزة بالقسوة والفظاعة وفي عين الوقت ادراك المتلقي انه ازاء عملاقين من عمالقة الفن القصصي اللذين نقلا الكثير من مشاهد الارتعاب والجنون و الغرابة في تلك القصص التي ستبقى راسخة وثابتة سنوات و سنوات في الذاكرة الادبية .