النهاية‭ ‬الألمانية‭.. ‬أو‭ ‬اليابانية؟

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

جميع‭ ‬الحروب،‭ ‬حتى‭ ‬العالمية‭ ‬منها،‭ ‬تنتهي‭ ‬بالجلوس‭ ‬الى‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات،‭ ‬لكن‭ ‬بنود‭ ‬التفاوض‭ ‬تكون‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الى‭ ‬أخرى‭. ‬وأحياناً‭ ‬يكون‭ ‬بيان‭ ‬الاستسلام‭ ‬هو‭ ‬تتويج‭ ‬النهاية‭ ‬وأساس‭ ‬قيام‭ ‬السلم‭. ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬كانت‭ ‬النهاية‭ ‬عام‮ ‬

1945،‭ ‬حين‭ ‬استسلمت‭ ‬ألمانيا‭ ‬في‭ ‬8‭ ‬مايو‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬تسجيله‭ ‬كيوم‭ ‬نصر‭ ‬معترف‭ ‬باحتفالاته‭ ‬السنوية‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬أوربا‭ ‬وجرى‭ ‬الاستسلام‭ ‬بعد‭ ‬انتحار‭ ‬هتلر‭ ‬وسقوط‭ ‬برلين،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬استسلمت‭ ‬اليابان‭ ‬رسمياً‭ ‬في‭ ‬2‭ ‬سبتمبر‭ ‬1945‭ ‬عقب‭ ‬القصف‭ ‬النووي‭ ‬على‭ ‬هيروشيما‭ ‬وناغازاكي،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬الانهيار‭ ‬التام‭ ‬لدول‭ ‬المحور‭ ‬وانتصار‭ ‬الحلفاء،‭ ‬نتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬العظيم‭ ‬تشكيل‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬جديد‭.‬

في‭ ‬الوضع‭ ‬الإيراني،‭ ‬رأينا‭ ‬الحرب‭ ‬تنبثق‭ ‬من‭ ‬باطن‭ ‬المفاوضات‭ ‬مرتين،‭ ‬مما‭ ‬يدلل‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬الحالة‭ ‬عكسية،‭ ‬وان‭ ‬المفاوضات‭ ‬التي‭ ‬اريد‭ ‬لها‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬حاجزا‭ ‬وقائيا‭ ‬يمنع‭ ‬الحرب‭ ‬كانت‭ ‬سبباً‭ ‬مباشرا‭ ‬في‭ ‬نشوبها‭.‬

حين‭ ‬انتهت‭ ‬حرب‭ ‬الاثني‭ ‬عشر‭ ‬يوما،‭ ‬رفضت‭ ‬واشنطن‭ ‬العودة‭ ‬للمفاوضات‭ ‬وقالت‭ ‬انّها‭ ‬غير‭ ‬مجدية،‭ ‬واستمر‭ ‬الحال‭ ‬شهورا‭ ‬شهدت‭ ‬وساطات‭ ‬عربية‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬وتحشيدا‭ ‬وتعبئة‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬للحرب‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬بوصف‭ ‬انّ‭ ‬إيران‭ ‬لن‭ ‬تقبل‭ ‬بالشروط‭ ‬مهما‭ ‬حدث،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬فعلاً،‭ ‬حين‭ ‬عادت‭ ‬الجانب‭ ‬الأمريكي‭ ‬للمفاوضات‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬ان‭ ‬تقبل‭ ‬إيران‭ ‬بمبدأ‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬النووي‭ ‬بشكل‭ ‬كامل،‭ ‬وهنا‭ ‬ظن‭ ‬الإيرانيون‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬مجالا‭ ‬للمناورة‭ ‬في‭ ‬الاخذ‭ ‬والرد‭ ‬ولم‭ ‬يقرأوا‭ ‬الرسالة‭ ‬الترامبية‭ ‬في‭ ‬انّ‭ ‬المفاوضات‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تنهي‭ ‬الملف‭ ‬النووي‭ ‬للأبد‭. ‬لذلك‭ ‬اندلعت‭ ‬الحرب‭ ‬المقررة‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬المفاوضات،‭ ‬وأصبح‭ ‬الحال‭ ‬أمام‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬نهاية‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬ثاني‭ ‬لها،‭ ‬وهي‭ ‬ان‭ ‬وقف‭ ‬الحرب‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬طاولة‭ ‬مفاوضات‭ ‬ولن‭ ‬يفضي‭ ‬الى‭ ‬تلك‭ ‬الطاولة‭ ‬ايضاً،‭ ‬و‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬المعطيات‭ ‬التي‭ ‬تمليها‭ ‬حرب‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم،‭ ‬ستنزل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بكل‭ ‬ثقلها‭ ‬ولن‭ ‬تخرج‭ ‬مهزومة‭ ‬مهما‭ ‬كلف‭ ‬الامر،‭ ‬سوى‭ ‬الاحتكام‭ ‬الى‭ ‬بيان‭ ‬الاستسلام‭ ‬والقبول‭ ‬بشروط‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬المعروضة‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬مع‭ ‬فارق‭ ‬وحيد‭ ‬هو‭ ‬القبول‭ ‬بالشروط‭ ‬عبر‭ ‬بيان‭ ‬وليس‭ ‬مفاوضات‭.‬

‭ ‬اعود‭ ‬الى‭ ‬مثال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬فارق‭ ‬زمني‭ ‬من‭ ‬اربعة‭ ‬أشهر‭ ‬بين‭ ‬اقتناع‭ ‬المانيا‭ ‬بالهزيمة‭ ‬والاستسلام‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وبين‭ ‬استسلام‭ ‬اليابانيين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يظنون‭ ‬ان‭ ‬لهم‭ ‬فرصة‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬المصير‭ ‬الألماني‭.‬

في‭ ‬ايران‭ ‬هناك‭ ‬شريحة‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬معجونة‭ ‬بالتطرف‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تملأ‭ ‬الفراغ‭ ‬اليوم،‭ ‬وبيدها‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬سيقود‭ ‬إيران‭ ‬الى‭ ‬نهاية‭ ‬شبيهة‭ ‬بإحدى‭ ‬النهايتين‭ ‬الألمانية‭ ‬او‭ ‬اليابانية‭. ‬

 

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية