الدكتور سمير الخليل وتاريخه النقدي
النص المؤجل.. قراءة في أنماط غزلية جديدة – نصوص – علي متعب جاسم
في موضع سابق من ” زاوية نص وقارئ ” اثرت سؤالا عن النص الذي يكتب في وقت وينشر في وقت لاحق ،و شككت في ان مثل تلك النصوص لا تعيد قراءة بعض المواقف اوما تطور منها على اقل تقدير . ومع ان ما اشرت اليه من نصوص في وقتها كانت تخص العمل الإبداعي الشعري تحديدا الا ان ذلك لايعفو تورط قناعاتي لتنتقل الى النص النقدي وهو ما سيكون موضع قراءتنا في هذه المقالة ،تحديدا اعني كتاب الدكتور سمير الخليل ” انماط غزلية جديدة – مرحلة الرواد وما بعدها ” الصادر عن دار البصائر .2015
1 – 1
تستوقف قارئ الكتاب ،مقدمته التي يعلن فيها المؤلف انه يعود في اصل كتابته الى مشروع الاطروحة التي قدمها لنيل شهادة الدكتوراه عام 1987 ،ما يعني ان على القارئ ان يستنتج بدءا ان هناك مساحة زمنية فصلت بين الكتابة والنشر ،وان هذه المساحة الزمنية فسحت المجال لتطور كثير من الرؤى النقدية ومغادرة ما لم يعد صالحا منها ،فضلا عن ما تمرره هذه الجملة من فكرة الموازنة الحية بين مرحلتين من مراحل نضوج الناقد وقدراته ،من هنا يضمن الناقد خطاب مقدمته اعتذارا للقارئ اذ يقول ” ولا شك ان اسلوب كتابتها لا يرضي طموحي وتطوري النقدي ولكني اليت ان ابقيها على ما هي عليه الا في بعض المواضع”.
غير ان هذا الاعتذار فضلا عن اسلوبها الذي اختلف عن مقدمات الرسائل والاطاريح العلمية ,يعكس تصورا للقارئ انها تخلصت من شروط الكتابة الاكاديمية لتبقي على اصل الموضوع فقط من دون اللوازم الاخرى التابعة له من اسباب اختيار وطبيعة الدراسة ومنهجيتها الخ . لكنه ركز على “تقديم الاعتذار ” وهو ما نريد الوقوف عنده . فبنية الاعتذار تحمل – بحسب ما يضعها جينيت– سمة “الوظيفة ” من ضمن وظائف الاهداء الثابتة ،و الناقد حين يذيل بها مقدمته انما يضمن ذلك امرين الاول هو ان المقدمة بصفتها خطابا موازيا للمتن يقوم على شرح وتمتين الكتاب ،فان الاعتذار القصدي يحمل سمة ووظيفة من وظائف المقدمة بما يعني ان يوضع هذا الاعتذار ضمن فكر القارئ وهو يقرا ،لكن سينبثق هنا تساؤل غاية في الاهمية ،فالقارئ لا يمكن ان يكون الا ابن اللحظة التي يقرا بها ،ومن ثم من الصعب جدا ان يشطر ذاته لتقرا كتابا معاصرا – بدلالة التصدير النشري الذي يثبت سنة الطباعة – بتصورات او رؤى سابقة لعهد القراءة . والقضية الثانية التي يتضمنها هو ان الناقد يمرر رسالة ضمنية لقارئه بالتحولات التي افرزها عمله النقدي اللاحق وهي تحولا ت جديرة بالاهتمام ولاسيما فيما يخص الميادين الجديدة التي ارتادها في كتبه الاخيرة وتحديدا ميدان النقد الثقافي .
وقد ارتبط بذلك الاعتذار ” الاهداء ” الذي تضمن بنية نصية خاصة وعنوانا دالا مستقلا وهو ذو وظائف مختلفة لكن ما يعنيني هنا انه تضمن وظيفتين اساسيتين الاولى وظيفة اعتذارية موجهة الى شخص مقصود يعنيه الناقد . والثانية اعترافاته التي اتسمت الى حد مابلحظة بوح وجداني .غير ان كلا الوظيفتين دالتين على ان ” زمن الاهداء لاحق لزمن الكتابة ،فالناقد يصدر اهداءه بكلمة ” ما لا ندركه هو لحظة الاحتضار التي لا يملك الانسان الا مواجهتها هو ومن بقربه .. ” وهي لحظة اعترافيه عما سببته الكتابة من ابتعاد رافقته متاعب وانتظار وظنون ،وبالوقت ذاته ،اعتذار ضمني عما انوجد اثناء فعل الكتابة اعيد النظر فيه بعد وقت لاحق أي بين مرحلتي الشباب وما بعدها الامر الذي يعني ان لحظة الاعتذار هنا ذات طابع خاص بذات الناقد وليس بالذات الناقدة كما لاحظنا في المقدمة ،وما يعنيه ايضا من خلال دالته ” لحظات الاحتضار ” عن المسافة الممتدة بين لحظتي الكتابة للكتاب و لحظة كتابة الاهداء ” مما يؤشر وجود شفرة و يظهر اقتراب المسافة ايضا باستعمال الناقد الاسم الصريح ثم يتبعه بكنية تحيل الى الرابط بين ذات الناقد والمهدى اليه وهو دال حامل للخصوصية ،غير ان بنية الاهداء هنا تؤشر دالا اخر هو انها مثبتة على النسخة الاصلية للكتاب ما يعني انها ثابتة وليست متحولة كما في الإهداءات التي يقوم بها المؤلف لمن يرى انهم جديرون بها . ما اريد استنتاجه اخيرا من بنيتي الاعتذار اللتين تضمنهما الكتاب انهما عكستا نمطين من الذاكرة الكتابية الاولى هي الذاكرة المعرفية اذ تحمل قناعات ليس من السهل ان تتبدل لكنها من الممكن ان تتطور والنمط الثاني هي الذاكرة اليومية وهي تستعيد موقفا او مواقف وتبث رسائل لتحليلها او تبريرها ,عليه فأنها في الثانية تخفي موقفا وفي الاولى تتضمن قناعات ينبني عليها .
2-1
سنعود هنا الى متن الكتاب طارحا جدلية العلاقة بين التجربة الشعرية والغرض الشعري ،فبينهما مسافة احتواء ،اعني ان التجربة تحتوي الغرض الشعري ،لكني هنا – ودفعا لإعادة مناقشة الفكرة –سأعيد رايي في دراسة سابقة عن الغرض الشعري أن الشعر لا يمكن أن يؤطر بأطر تحكمه إذ انه نابع ومتجسد في تجربة تحتضنه وإنما نضوج التجربة وعمقها هو الذي يحدد صلاحيته من عدمها . ولذلك ارى أن ” تغريض ” القصيدة يقتل شعريتها أو يحددها وفق قيم عصرها فلو افترضنا اننا نريد دراسة غرض المديح لأي شاعر عربي قديم فأننا نضطر لقراءته وفقا للعلاقة التاريخية بينه وبين الممدوح مستعيدين القيم بصفتها منظومة تحددت بها التجربة ،وحين نكسر هذا القيد يتحرر هذا النص من تبعيته التاريخية وايدولوجيا عصره ليكون قادرا على الاتساع الى فضاءات زمنية أخرى ـ إن كان قادرا على ذلك طبعا بفعل امتلاكه لمؤهلات الابداع من عدمها ـ. يصبح الفن في هذه الحالة معيارا و التجربة الابداعية بانتقالها من الشخصي الى الانساني و بما تضيف أو تتسع له فضاء شعريا قادرا على تمرير نفسه عبر الازمنة والاماكن كلها ،وهو ما يفضي بي لطرح السؤال الاتي :
كيف تعامل الناقد مع ” شعر الغزل ؟ بصفته تجربة ام غرضا ؟. .
ان اول ما يدهم قارئ الكتاب ،ان الناقد يؤسس لمفهوم مغاير شعريا ،بمعنى ان الناقد يبحث عن المتغير في شعر الغزل ،وهو ما اشار اليه منذ عنوانه الرئيس ” انماط غزلية جديدة ” وبالتالي فاذا كان الغزل العربي قديما منضويا تحت مسمى الاغراض واليها ينضم وينتسب – بحسب المدونة النقدية القديمة- فانه في حداثة الشعر انفلت من عقالها ليكون تجربة جديدة ،هي تجربة شعرية . ولسنا نجد ” مصطلح الغرض ” في عموم كتابه اذ مال الى استبدال هذا المصطلح بـ ” الاتجاه والنمط ” وهو امر لافت للنظر ،ولا نميل الى توجيه استعماله هذا الى كونه يدرس انماطا تتعدد ضمن بنية الغرض الواحد اذ لو كان ذلك لظهرت في تفاصيل الكتاب ميوله وبالذات في رصده للظواهر الجديدة في الغزل العربي القديم ،ولان الغزل يتسرب الى كل الاغراض ويندغم في بنيتها لذا سيكون من الطبيعي – اذا ملنا الى نظرية الاغراض وهو امر لا نحبذه مطلقا – ان يكتسب خصائصه وميزاته من الغرض الرئيس في القصيدة .هذا من جهة ،ومن جهة اخرى ،يعكس الناقد وعيا مهما بربط الغزل بالمتغير ” السياسي والاجتماعي والنفسي ” وفي ظنه ان تلك المتغيرات انتجت ادراكا شديد الاهمية عند الشعراء على المستوى الفني ،وبالتالي فهو يؤسس بحثه انطلاقا من هذه الرؤية لمراقبة ما حدده في خارطته ب ” الغزل السياسي والرمزي والغزل بالزوجات الخ “.
وفي سابقة مهمة ،يقف الناقد على ظاهرة تؤسس لواحدة من اهم عوامل النكوص في الثقافة العربية تلك هي ” ظاهرة الغزل النسوي “. التي لم يلتفت اليها الباحثون الا بعد شيوع الدراسات الثقافية اذ طرحت مفاهيم ووضعت ظواهر ” تهميش المرأة ” والعنف الذكوري وغير ذلك محط البحث “. و يلتفت الناقد الى ضعف ظاهرة الغزل النسوي في شعر الخمسينيات والستينيات العراقي قائلا ” انه لا يكاد يشكل ظاهرة في الشعر العراقي ويعود ذلك الى طبيعة المجتمع وما تعتريه من قيم اخلاقية محافظة …. ومن الطريف ان نذكر ان المرأة العربية القديمة كانت اكثر حرية في التعبير عن عواطفها مقارنة بأختها المعاصرة التي تعيش في القرن العشرين وهي نتيجة مهمة لم يسلط الناقد الضوء عليها تحليلا بحكم طبيعة منهجه ولكنه لا يستثنيها من استشهاداته .
2 – 1
في فصول الكتاب ،يعتمد الناقد – وفاء لمنهجه – دراسة الغزل واتجاهاته بحسب ثيمة القصيدة وابعادها المضمونية ،لذا يبدا بالغزل السياسي بعد تمهيد كرسه للتفاعل بين تطور الفن الشعري والمضمون ،الامر الذي يضع القارئ ضمن خارطة التحديث الشعري ويبرز ظاهرة تنوع الموضوعات وتطورها بتناسب طردي مع تطور الاداء الفني للشاعر . وهو يحاول ان يبرز هذا الاتجاه في الغزل بصفته اتجاها افرزته الظروف والتحولات السياسية للشاعر الحديث ما يعني انه امتلك مشروعية الرؤية الجديدة المضادة لما اشيع من اراء حول الشعر السياسي قديما ،اذ اننا نلحظ قضيتين اساسيتين عنده ،الاولى ان النماذج التي وقف عليها وتمثل بها تطرح ثيمتها الاساسية عن طريق المزاوجة بين الغزل والراي السياسي ،اخذين بنظر الاعتبار ان الراي هنا يمثل او يتمثل برصد لا يتسم بالتحليل المعمق للواقع السياسي الا في النادر . هذا يقودنا الى افتراض سيطرة طريقة النظم التقليدية المعروفة ،فالشاعر الذي اعتاد ان يجسد تجاربه كلها من خلال التجربة الشخصية ،واهمها تجربة الحب ،بقي في ذهنه هذا المرتسم . فلو استعدنا على سبيل التمثيل ،قصيدة ” دجلة الخير ” للجواهري نلحظ ان هناك تخيلا واضحا في لاوعي الشاعر كما يقول ياسين النصير لجسد المرأة ،لكنه جسد تحول الى مرموزات عن المكان وذكريات مشحونة بالألم المر عن تاريخ العراق وشطحات انفلتت من الشاعر لتغرق في بث تصوراته وغير ذلك .
في هذا النص تصدر علاقة الحب ،الرؤية السياسية ،وهو نمط مهم جدا وجديد وقد انوجد عند بعض الشعراء ،لكن الناقد لم يشر اليه بسبب ان هذا الاتجاه يتطلب رؤية منهجية في الرصد والتحليل لا تتلاءم واشتغالات الناقد او رصوداته .الرؤيوية في الغزل بمثل هذا النص يمكن ان تكون غزلا سياسيا ،اما في النصوص الاخرى فقد بقي الانطباع القديم متوشحا بها .
سيقودنا هذا الى القضية الثانية وهي مصطلح “الغزل الرمزي ” الذي يضعه الناقد بصفته ” غزلا مستقلا ” سيلاحظ قارئ الكتاب ان معظم مباحثه ركزت على توصيف الغزل باتجاهات المختلفة ،كونه غزلا رمزيا ,بما في ذلك غزل المرأة وقد اشار اليه الناقد لاسيما ما يتعلق منه بتوظيف رموز الطبيعة او الغزل الصوفي ،وفي ظني ان الامر يعود لما ذكرناه انفا . فباستثناء ” الغزل بالزوجات ،وتوابع المرأة “،يبقى الغزل كله مغلفا بالرمز .
2-2
وعلى الرغم من ان الناقد يصنف هذا النمط بصفته امتدادا للغزل السياسي كونه ” امتدادا لشخصيته ووجها اخر للوطن ” على حد توصيفه ،وعلى الرغم ايضا انه يعي تماما ان هذا النمط مرتبط بالرؤية والحالة السياسية التي يعيشها الشاعر الحديث ،ويفصل بين تلك الحالة ومسالة ضعف هذا النمط من الغزل في الادب العربي القديم ,مقدما لذلك سببا مفاده انه يريد الفات القارئ الى هذا النمط الغزلي بإفراده تحت عنوان واحد ،اقول على الرغم من كل ذلك ارى في هذا الغزل قضيتين الاولى اننا لايمكن تحت اي حال ادماجه مع الغزل السياسي بسبب من طبيعة الاخير الرمزية مقارنة بالآخر ذي الطبيعة الذاتية المنبسطة فضلا عن ان الاول يحمل طابعا ايديولوجيا والثاني انفعالا ذاتيا وجدانيا ،فهما وان اشتركا باشراك التصورات السياسية الا انهما على مفترق طرق . والدليل على ذلك ان النماذج التي قدمها الناقد ليس فيها اكثر من البوح للمرأة الزوجة وليس تغزلا . وهذا يقودنا الى اظهار القضية الاخرى وهي ان الغزل بالزوجة لم يحتمل بعدا رمزيا لذا كان الناقد مصيبا تماما بإفراده ذلك النمط . كما ان التفاتته الى نمط اخر ” هو التغزل بمقتنيات المرأة ” امر على قدر كبير من اهمية الرصد ،اذ تأتي من كونه يشي بنمط جديد من العلاقة بين الرجل والمرأة ،هنا تكون طبيعة الثقافة التي تعكسها المرأة ضمن مجتمعها الجديد وهي الظهور بشكل لافت ومغر ،الاهتمام بالمظهر والاناقة ،طبيعة التواصل الاجتماعي المعبر عن الانفتاح الى غير ذلك ،مما ولد تعاملا جديدا للشاعر انتقل فيه من وصف الاشياء الى وصف جمال الاشياء والاحساس بها . .
3-2
نريد التوقف هنا على قضية مهمة جدا في النقد ،تلك هي كيفية التعامل مع الفكرة التي تشكل المتن النقدي ،اعني هنا تحديدا المنهج بصفته مجموعة اليات ومحددات ينطلق منها الناقد ،واعني ايضا اللغة النقدية بصفتها واحدة من الاسس المنضوية تحت المنهج ،وفي ظني ان لغة الكتابة تكتسب صفتها بالتفاعل بين طرفي العملية النقدية اي الرؤية والمنهج ذلك انها عماد عملية التفكير ،ولا يتم الا بها وبالتالي اذا كان المنهج السلسلة العملية المنظمة للتفكير لا شك انها ستكون جزءا منه . . ان قارئ كتاب الناقد الدكتور سمير الخليل ،سرعان ما يثبت ملاحظتين اساسيتين في المنهج ،اشرنا الى الاولى منهما وهي التقاطع الزمني بين لحظة الكتابة ولحظة النشر / القراءة . لكن ما يعنينا هنا تثبيته هو ان الناقد لم يعد انتاج نصه منهجيا في اللحظ الثانية اي لحظة النشر والقراءة ما يعني اننا سنتفحص منهجه ورؤيته بناءا على اللحظة الاولى– ان امكننا ذلك – . اما الملاحظة الثانية فعلينا الاعتراف ان ما يقدمه الناقد هو بالأساس عمل اكاديمي في لحظته الاولى ما يعني انه – كما يفترض القارئ – ملتزم الى حد معين بالمنهجية الاكاديمية المعروفة بصرامتها . اعتمادا على هذا فإننا– بانسياقنا مع الكتاب – وضعنا تلك الملاحظتين معيارا في القراءة ،غير ان استنتاجاتنا اثبتت فشل ذلك المعيار او ان شئنا بكلمة اخف ,قصوره !. فقارئ الكتاب سيقف على جملة من الاسس التي اعتمدها الناقد وهي بدورها تمثل الافق النقدي الذي ينتمي اليه ،بمعنى انه يشرع بداية برصد التحولات في الفن الشعري ” موضوعة الغزل ” وهو ما يشكل السؤال المركزي الذي يبني عليه اطروحته النقدية ،ما جعله ممسكا بزمام السؤال من المبحث الاول الى المبحث الاخير من الكتاب ،ولكي تتحقق الاجابة الوافية كان عليه – وهذا ما فعله – ان يثبت ما انتهى اليه هذا الموضوع الشعري بأشكاله المتباينة ،ليرصد تحولاته الجديدة ،من ثم وهذا الاهم من وجهة نظري ،انه تعامل مع الظاهرة الجديدة بغض النظر عن انتماءاتها الفنية ” اتجاهاتها ” لذا نراه يتنقل بين النصوص الشعرية التي مثلت اتجاهات فنية مختلفة سوآءا في الشعر الحر او العمودي وعند الرومانسيين او غيرهم وفي الشعر النسوي او الذكوري مع الاخذ بنظر الاعتبار انه كان حريصا على تلمس الفروق بين شاعر واخر بل اتجاه واخر . هذه الظاهرة ولدت مسالة اخرى تجدر الاشارة اليها ،هي انه ركز على الامتدادات الثقافية بالوصف العام للنص الشعري ،لذا نراه لا يغادر اية ظاهرة تنتمي لأي نمط من انماط الغزل الا وحاول تحليلها وفقا للحاضنة الثقافية التي افرزتها وبالذات التحولات السياسية ثم الاجتماعية ،وفي ظني ايضا ،انه بهذا العمل يستكمل ادواته المنهجية وانه كان واعيا الى حد واضح بطبيعة اشتغالاته. اخر ما نتوقف عنده ،لغة الناقد .
4-2
يقول رتشاردز علينا ان نميز بوضوح بين الشيء بملامحه وبين تجربة الناقد التي هي نتيجة تأمله لهذا الشيءلذا فتجربة الناقد يجب الا تتماهى مع تجربة الشاعر والا افتقد النقد معناه ،ويبني على ذلك رايه في لغة النقد وهي كما يراها يجب الا تصف الانفعال بالعمل الادبي وتبتعد عن ” اسقاط التأثير وجعله صفة للعلة ” اذ “يخلق الوقوع في هذا الخطأ غموضا ولبسا في الفكر “. ووفقا لهذا التوصيف فان للنقد لغة خاصة يميل بعض النقاد الى تسميتها باللغة الشارحة او الواصفة او غير ذلك ،وهي لغة تنضوي تحت مفهوم الجملة الواضحة القادرة على استيعاب الفكرة ،من دون التخلي طبعا عن مرونة العبارة واتساقها وانسجامها ،والحفاظ على عدم تحولها الى لغة تفصيلية شارحة ،وهذا ما يميز لغة النقد منذ السبعينيات حيث تخلصت من كثير من عوائقها حتى مطلع الالفينيات او قبلها بقليل اذ بدا اتجاه اخر يظهر بفعل مؤثرات جديدة ،يميل الى كتابة نقد بلغة هي اقرب الى النص الابداعي من حيث ترميازاته ومخططاته بما يمكن ان نصنفه تحولا من انتاج معرفة بالنص الى انتاج لغة على لغة النص . ولغة الناقد سمير الخليل ،تنتمي الى الاتجاه الاول، فهي لغة سلسة تتميز بقضيتين الاولى انها راصدة وليست شارحة ،فالناقد يرصد تحولات الظاهرة بدقة ،داعيا القارئ الى مشاركته في استنتاجاته وليس شارحة للأثر حيث تصدر وجهة النظر احادية الجانب . والثانية ان الناقد تخلص من اللغة العنيفة التي تمثلت بها لغة الغزل العربي القديم وكثير من لغة الغزل الحديث ،واعني بالتخلص ان اختياراته للنصوص ومعالجاته لها ،جاءت بقصد او بغير قصد خالية مما تمثلت به اللغة التي تميل الى العنف ولعلنا بذلك احوج ما نكون لهذه اللغة .






















