الموقف الأوربي من سوريا

الموقف الأوربي من سوريا
بنجامين بيدر
ترجمة ــ سناء عبدالله
كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يأمل بمناقشة المسائل الاقتصادية بوجه خاص عندما يزور برلين وباريس نهاية هذا الاسبوع. غير أن المذبحة التي وقعت في الحولة سوف تضع النزاع المستمر في سوريا على رأس جدول الأعمال. وفيما يواصل الرئيس الروسي مقاومة الجهود الرامية للتصدي لنظام الرئيس الأسد، فان الضغوط تشتد عليه من أجل تغيير موقف بلاده.
لسنوات طويلة، كانت إحدى مرتكزات السياسة الخارجية الروسية، على حد تعبير فلاديمير بوتين، تكمن في أنه لا يمكن ضمان الأمن في العالم إلا من خلال التعاون مع روسيا وأن ما من مشكلة دولية يمكن حلها من دون الدعم الروسي ، على حد قول وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف. وسيخضع موقف موسكو هذا إلى اختبار فعلي أثناء الزيارة القصيرة التي سيقوم بها الرئيس فلاديمير بوتين 59 سنة إلى باريس وبرلين يوم الجمعة حيث سيتم تناول الموقف الروسي في سياق العنف المتواصل في سوريا. ومما يذكر أن الرئيس الفرنسي المنتخب حديثا، فرانسوا هولاند، قد أعلن بأنه سيحاول إقناع الروس بعدم إعاقة عمل عسكري محتمل ضد النظام في دمشق من خلال استخدام حق النقض الروسي في مجلس الأمن. وكان الرئيس الروسي بوتين الذي احتفل بتاريخ 7 أيار»مايو بتسلمه دورة رئاسية ثالثة لروسيا، قد خطط أساسا لمناقشة المسائل الاقتصادية بشكل رئيسي مع نظيرته الألمانية. ولكن، في أعقاب المذبحة التي راح ضحيتها 108 مواطنا سوريا خلال عطلة نهاية الاسبوع في مدينة الحولة السورية، سيتداول الرئيس بوتين أيضا مع المستشارة الألمانية انجيلا ميركيل بشأن الأزمة في سوريا. ويذكر في هذا الصدد أن ستيفان سيبيرت، الناطق بلسان حكومة ميركيل، قد ذكر بأن المسؤولين الألمان ينوون استغلال اللقاء للدفع باتجاه مزيد من الضغوط الدولية على سوريا، رغم جميع التأكيدات التي عبر عنها الكرملين بشأن الحفاظ على موقفه الحالي. إلى ذلك، صرح الناطق بلسان الرئيس بوتين، ديمتري بيسكوف، لوكالة أنباء رويترز يوم الاربعاء الماضي، بأن ممارسة أي ضغط لن يكون مناسبا وأنه سيكون من المنطقي توقع مواصلة الخط الثابت والواضح لسياسة الفيدرالية الروسية بشأن سوريا خلال زيارة الرئيس بوتين إلى باريس وبرلين.
تدخل معقد
يحاول الغرب من دون جدوى منذ ستة أشهر وقف الأعمال الوحشية التي يمارسها الرئيس بشار الأسد ضد المعارضين المسلحين والمواطنين المدنيين. بيدّ أن روسيا كانت قد مدت يد الحماية إلى دمشق في مجلس الأمن منذ أشهر. وبما أن روسيا تولي اهتماما بسوريا بوصفها زبونا لمؤسسة الصناعة العسكرية الروسية وبعض المؤسسات الروسية الكبرى مثل شركة النفط والغاز تانيفت ، فقد عمدت موسكو إلى عرقلة مشاريع القرارات المُعدة ضد سوريا واحدا بعد الآخر.
في غضون ذلك، لم تقترب روسيا بعد من إيجاد حل للنزاع السوري وكذلك حال الدول الغربية. وعندما سيجتمع الرئيس بوتين مع المستشارة ميركيل يوم الجمعة، سوف يمثل كل منهما معسكرين متضادين وضع كل منهما نفسه في زاوية ضيقة، في وقت لم تحقق فيه جهود كل من أوروبا والولايات المتحدة أي نجاح يذكر خلال الأشهر الماضية. من جانب آخر، وبالاضافة إلى الموقف الروسي، فقد وقفت الصين في وجه اتخاذ أي قرار ضد سوريا. يضاف إلى ذلك حقيقة أن الغرب أقل استعدادا من أي وقت مضى للقيام بعمل عسكري، لا سيما من دون وجود مساندة وتفويض من جانب الأمم المتحدة.
صحيح أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند يهدد الاسد بالقيام بعمل عسكري مخيف على طريقة سلفه، نيكولا ساركوزي. لكن حتى وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس نفسه، حذر بأن الجيش السوري يتمتع بقوة كبيرة. وهكذا، وبما أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما منشغل بالمسائل الداخلية ويواجه معركة حملة انتخابية شرسة، فليس من المتوقع بأن يسمح لنفسه أن يتورط في مغامرة عسكرية خطيرة في الشرق الأوسط. وكان الناطق بلسان الرئيس الأمريكي، جاي كارني، قد أبلغ الصحفيين قائلا لا نعتقد بأن مزيدا من العسكرة للوضع في سوريا عند هذه المرحلة يمثل عملا ذي اتجاه صحيح. نعتقد أن ذلك من شأنه أن يفضي إلى مزيد من الفوضى، ومزيد من المجازر .
وتعارض موسكو القيام بأي هجوم. إلى ذلك، قال ديمتري ترينين، رئيس مركز كارنيجي في موسكو، لصحيفة دير شبيغل أن المسألة في سوريا، قدر تعلق الأمر بروسيا، لا تتعلق بذلك البلد فحسب، بل هي مسألة تتعلق بنظام الأمن العالمي . إذ يرغب الكرملين منع تدخل مشابه كالذي حدث في كوسوفو أو ليبيا قائلا لأن ذلك من شأنه أن يشكل انتهاكاً لمبدأ السيادة الوطنية، الذي تصر عليه كل من الصين وروسيا. علاوة على ذلك، يتعين على الصين وروسيا أن تضعا في الحسبان بأن بلديهما يضمان شعوبا تناضل من أجل الحصول على استقلالها. وبالنسبة لروسيا، فإن ذلك يتضمن أجزاءً من شمال القوقاز، أما بالنسبة للصين فأن الأمر يتعلق بمنطقة التبت.
غياب الحلول أمام موسكو
يقول في هذا الصدد الكسندر راهر، المتخصص بالشأن الروسي في المجلس الالماني المعني بالشؤون الخارجية أن تدخلا عسكريا يعد خطوة باتجاه نظام عالمي مختلف لا تقبل به روسيا . في هذا السياق، قال وزير خارجية روسيا لافروف يوم الثلاثاء، والذي كان قد عبر مرارا عن موقف موسكو المعارض خلال الأشهر الأخيرة، بأن حمام الدم في الحولة لا يمكن أن يبرر القيام بعمل عسكري. غير أن المسؤولين الروس ليس بوسعهم أن يدعموا الأسد بحماس. ووفقا لصحيفة كوميرسانت الروسية الرصينة، فقد قدمت دمشق إلى موسكو عقودا تجارية مغرية، لكن موسكو رفضتها. ويضيف راهر قائلا لقد ضاقت ساحة النشاط الروسي إلى حد كبير. ومن الصعوبة بمكان بالنسبة للكرملين مواصلة الوقوف إلى جانب بشار الأسد حاليا .
ووفقا لذلك، سيقع الرئيس بوتين تحت ضغوط لدى سفره إلى باريس وبرلين. وبينما تسلم الرئيس بوتين مؤخرا مقاليد الرئاسة في روسيا، سيكون من المؤكد أكثر حرصا على عدم عزل نفسه دوليا وألا يبدو وكأنه يوفر الحماية للحاكم المستبد في سوريا. لكن، وفي الوقت نفسه، فان روسيا تضمر مشاعر عدم ثقة حيال المعارضة السورية، التي قد تشكل عائقا بوجه موافقتها على أي حل على شاكلة الحل اليمني الذي كان وزير خارجية المانيا جيدو ويسترويل قد طالب به في وقت سابق. فبعد مظاهرات جماهيرية ومعارك مع معارضي النظام، أعلن الرئيس علي عبد الله صالح بأنه سيتنحى عن منصبه بعد ثلاثين سنة قضاها رئيسا للبلاد. وفي أواخر شهر شباط»فبراير، أصبح نائبه السابق رئيسا بالنيابة للبلاد كجزء من حل مؤقت.
بيدّ أن المسوؤلين في موسكو يشككون في إمكانية أن يكون النظام السوري مستعدا بالقبول بحل مشابه. إلى ذلك يقول ييفغيني ساتانوفسكي، رئيس معهد الشرق الأوسط الذي يقع مقره في موسكو أنه بفضل الغرب، تمتلك المعارضة ما يكفي من المال لشن الحرب. وهي ترغب بقتل الأسد وفريقه برمته .
غير أن الباحث الكسندر راهر لا زال يأمل بأن تتمخض زيارتي بوتين إلى برلين وباريس عن تقارب من نوع ما في وجهات النظر بشأن المسألة السورية. ويقول راهر أنه إذا ما فشلت روسيا في تحقيق التقارب مع المانيا وفرنسا، فأنها ستقع تحت رحمة آسيا . ويضيف الباحث قائلا بأن بوتين بأمس الحاجة إلى شركائه في الغرب. وأنه لن يكون بوسع الرئيس الجديد للكرملين أن يدخل في مواجهة مع برلين وباريس بعد فترة قصيرة من دخوله القصر الرئاسي.
يذكر في هذا الصدد، أن الرئيس بوتين لم يشارك في قمة مجموعة الدول الثمان التي عقدت في كامب ديفيد في منتصف أيار»مايو والتي تجمع عادة أهم البلدان الصناعية في العالم. وقد لوحظ بشكل واضح تغيبه عن حضور قمة حلف الناتو التي عقدت في شيكاغو. خلص راهر إلى القول بأنه إذا ما شاء بوتين الآن أن ينفش ريشه في باريس وبرلين سيكون ذلك بمثابة بداية مأساوية لعهده الرئاسي .
صحيفة دير شبيغل
/6/2012 Issue 4215 – Date 2 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4215 التاريخ 2»6»2012
AZP07