الموازنة العامة والدولة الحضارية ؟ – حمزة محمود شمخي

الموازنة العامة والدولة الحضارية ؟ – حمزة محمود شمخي

الموازنة العامة وثيقة مالية اقتصادية واجتماعية وسياسية هامة، تضمن البعد القيمي للمجتمع وفق منظور الدولة الحضارية المعاصرة، ومن خلالها تسعى الدولة الى تحقيق التنمية الاقتصادية ومن خلالها ضمان العدالة الاجتماعية والقضاء على الظلم الاجتماعي المتمثل بالفقر والجوع وسوء الصحة العامة،وتدهور منظومة التربية والتعليم وانكسار سلوكية المجتمع .كما تسعى الدولة من خلال الموازنة الى ضمان التنمية المستدامة وفق الاهداف الاممية المعلن عنها من خلال إستيعابها للاوجه الثلاثة للتنمية المستدامة وهي:

الرفاهية الاقتصادية.

التنمية الاجتماعية.

والحماية البيئية.

ان هذا البعد القيمي للموازنة العامة يجب ان يجسد هدف الحكومة باعتبارها حكومة خدمات ،فهي المسؤولة عن اعداد موازنة 2023 دون غيرها،بعد حصولها على الثقة في (قاعة ذات حرمة عالية المستوى) وتقديمها للتشريع.

ايرادات النفط

تجربتنا في العراق تشير ان الموازنة العامة التي تعدها الحكومة والادارة المالية للدولة لازالت ريعية تعتمد في جزئها الاعم على ايرادات النفط مع محدودية تنويع تمويلها بالايرادت الهائلة الاخرى التي ينعم بها العراق مثل ايرادات المنافذ الحدودية والكمارك والضريبة والسياحة الدينية وغيرها والتي لا يستطيع احد ان يعرف مقدارها ومصادرها وطريقة جبايتها.

وتجربتنا في العراق ايضا ان الجزء الاكبر من تخصصيات الموازنة هي تشغيلية تغطي الرواتب والاجور اذ تقدر الحصة التشغيلية لموازنة2023 بحدود 70 بالمئة وهي اقل نسبة قياسا بموازنات السنوات السابقة،مما افقدها اي دور تنموي او تحقيق للعدالة الاجتماعية او ضمان التنمية المستدامة مما زاد في الظلم الاجتماعي على بعض فئات المجتمع.

وتجربتنا في العراق ان الموازنة العامة  تتجاهل ما يفكر به الشعب وما يحتاجه،فظلت الامور فوضى في التخطيط المالي والاقتصادي مما أفقد العراق أية فرصة للتباهي برقي اقتصاده واحتضان قوة عمله الهائلة واستغلالها انتاجيا .

وتجربتنا في العراق ان الرئاسات الثلاث تستحوث جزءا كبيرا من تخصيصات الموازنة دون وجه حق. وقد اكد السيد رئيس الوزراء ان تخفيض رواتب ومخصصات المدراء العامين والدرجات الخاصة يوفر للعراق 500 مليار دينار شهريا وهو مبلغ ضخم يعكس مدى الترهل في العمل الوظيفي الحكومي.

وتجربتنا ايضا ان الموازنة قبل تشريعها تدخل في مناكفات سياسية واعلامية تغطي الجزء الاكبر من المحطات الفضائية،كل يدلو بدلوه بين مؤيد لها ومعارض،سواء في تحديد ايرادات الدولة او تحديد سعر برميل النفط الافتراضي الذي تقدر بموجبه ايرادات النفط او سعر صرف الدينار المعتمد . وهكذا لاحظنا ومنذ شهر شباط الذي تقدمت الدولة بموازنتها الى مجلس النواب وحتى اليوم لم يتم حسم الجدل وتشريع الموازنة .

وتجربتنا في العراق ان المنهج السياسي للموازنة مرتبك بين ضمان حق الاقليم او تجاوز الاقليم على حقه وبين سلب حقوق المحافظات الاخرى المنتجة للنفط والممولة للموازنة وضمان حصة المحافظات في البترودولار.

وتجربتنا في العراق ومنذ عام التغيير 2003  حتى موازنة 2023 ان الادارة المالية للدولة تعتمد على موازنة (البنود)في اعدادها لانها الاسهل والاقرب الى فهم من يعدها وفهم من ينفذها،بل الاقرب الى استغلال المال العام لمن سعى الى ذلك فهي تخصيصات عشوائية لانفاق وحدات قطاع الدولة والادارة التنفيذية مما يجعل جهد الحكومة في تنفيذ الموازنة رقابي على الصرف دون الاهتمام بالخدمات والاهداف التي حدد الصرف لها.ويقال عن هذه الموازنة بانها موازنة جامدة، وبطبيعتها فهي وسيلة لاهدار المال العام.

والمعروف ان اعداد الموازنة يعتمد على عدد من النماذج هي :الموازنة التقليدية المعروفة بموازنة البنود،وموازنة البرامج والاداء والموازنة الصفرية.

نامل من حكومة الخدمات ان تبتعد عن موازنه (البنود) والاتجاه نحو موازنة (البرامج والاداء) عند تنفيذ موازنة عام 2024 و2025?والتي نتمنى ان يضمن اعتمادها تحقيق جوانب العدالة الاجتماعية.

فموازنة البرامج والاداء تعتمد على ثلاث عناصر هي (تصنيف العمليات الحكومية حسب البرامج والانشطة،ووضع مقاييس للاداء،والتقرير عن الاداء)وحسب ما نعتقد ان اعتماد هذا النموذج في اعداد الموازنة سوف يضمن تحقيق بعض برامج التنمية التي تلتزم بها الحكومة.

 وتجربتنا في العراق اننا لم نلمس من موزانات السنوات السابقة رغم انفجارية بعضها اي تقدم تنموي فالاقتصاد متعب وراكد واهم قطاعاته الزراعة والصناعة التحويلية وصناعة الكهرباء يسيران بهامشية واضحة وركود ،اضافة الى اتساع هوة الفقر والجوع واتساع الطبقات الهشة في التركيب السكاني وضعف الصحة وتدهور منظومة التربية والتعليم.

ان موازنة 2023 اذا ما اقرت من مجلس النواب هذه الليلة، لاقيمة لها اذا لم تضع في اولوياتها الابتعاد عن الاقتصاد الريعي وتنويع مصادر دخل الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية وانهاء الظلم الاجتماعي وذلك بالقضاء على الفقر والجوع التي ابتلى بها المجتمع ليشكلان متلازمة اجتماعية شديدة الخطورة والالم، فاثارهما الاجتماعية والسلــــوكية أكثر ألما (للعقل والضمير، وأخطر تأثيرا على الأخلاق والسلوك، وأشد تحطيما للكرامات والنفوس).

من اولويات الموازنة التي نعتقد باهميتها هو فض الجدل الشعبي باعادة الهيبة للدينار باقرار سعر صرفه الجديد المحدد 1320 دينار لكل دولار، والسعي لاعادة تقيمه وفق رصيد العراق الهائل من احتياطي العملة الاجنبية التي تجاوز 115 مليار دولار.

حقوق الاجيال

ومن اولويات الموازنة ان تضمن صحة المجتمع وتحسين منظومة التربية والتعليم وضمان حقوق الاجيال القادمة في ثروة بلادهم بانشاء صندوق الثروة السيادية وذلك باستقطاع نسبة من ايرادات النفط لتمويل الصندوق ونقترح ان يتم استقطاع نسبة 5 بالمئة وهي النسبة التي خصصت من ايرادات النفط لتسديد حصة الكويت بسبب احتلال العراق له لهذا الصندوق وسوف ينمو الاستثمار فيه بمرور الزمن ليشكل موردا ماليا هائلا للعراق.

ومن اولويات الموازنة ايضا الحد من الاسراف والهدر ومعالجة الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة بشكل مخجل.

وان تحققت كل هذه المتغيرات  فهو تمهيد لبناء الدولة الحضارية.

ننتظر تشريع الموازنة بعد هذه الفترة الطويلة من المناكفات والارباك المالي للدولة.