

الشاعر العراقي عذاب الركابي في مجموعة جددية
والشمس تعطي رطوبة أحيانا – أمجد محمد سعيد
أعرف الصديق الشاعر والناقد العراقي عذاب الركابي منذ ما يقرب من خمسين عاما ، منذ بداية السبعينات من القرن الماضي ، حين كان طالباً في جامعة الموصل بالعراق ، جاءنا وهو محمل بالروح الابداعية الجنوبية الزاخرة ، وأصبح في وقت قصير جزءا من الحركة الثقافية والادبية في المدينة ومساهما في تجلياتها المختلفة . ثم اغترب طويلا في ليبيا وحقق حضورا ثقافيا مهما فيها ، وأخيرا حطّ رحاله في مدينة الإسكندرية في جمهورية مصر العربية منذ سنوات عديدة، وطوال هذه السنوات كان نشطا وفعالا يعمل على جبهات ثقافية وإبداعية مختلفة ، ما بين كتابة الشعر والنقد والمتابعات الصحفية وحضور الفعاليات والندوات الثقافية والأدبية المختلفة ، أصدر حتى الآن أكثر من ثلاثين كتابا نصفها مجموعات شعرية ، والنصف الآخر كتابات نقدية مختلفة .مجموعته الشعرية الأخيرة والتي سأتناولها هنا هي بعنوان ( والشمس.. تعطي رطوبة أحيانا ) الصادرة حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2019، تقع في مئة وثمانين صفحة ، وتضم أكثر من عشرين قصيدة مكتوبة بأسلوب قصيدة النثر التي ينحاز إليها الشاعر . ولعل من أولى الملاحظات التي ترد على البال عقب الانتهاء من قراءة المجموعة هي التواشج الكبير والتقارب الملحوظ بين الكثير من قصائدها وبين جهود الشاعر الواضحة في كتابة ما أسماه بشعر – الهايكو العربي الذي أنجز عنه دراسات نقدية عديدة وكتب نصوصا شعرية تنتمي إلى هذا النوع من الإبداع ، أثمرت أربعة دواوين في الهايكو ، وقد لاقت محاولاته قبولا معقولا عند العديد من النقاد ، وهو كان وما يزال يدافع بقوة عن الهايكو العربي ، ويعتبره جزءا من الجهود الجديدة في التأصيل الشعري له في خارطة القصيدة العربية الحديثة على الرغم من وجود آراء نقدية أخرى تقول بأن هذا النمط الشعري يعبر عن ثقافة شعرية أجنبية هي غيرها في الثقافة والإرث الشعري العربي عموما وأن قصيدة الهايكو إن هي إلا نمط من أنماط قصيدة الومضة.
مقاطع مستقلة
الملاحظة الثانية البارزة حول قصائد هذه المجموعة أنها تتوزع على أشكال ثلاثة يحتويها إطارٍ واحدٍ ، فإن أغلبها تتكون من مقاطع مستقلة ( هايكوية الشكل ) مكثفة تبتدئ بجملة تتكرر أول كل مقطع ومن مجموع هذه المقاطع تكتمل القصيدة وتشكل بعدها البانورامي المشدود بعضه إلى البعض الآخر ، مثال ذلك ما جاء في قصيدة ( القصيدة المتمردة ) المتكونة من أربعة عشر مقطعا يبدأ كل منها بجملة ( أكتب شعرا ) حيث يتجه كل مقطع إلى معناه الفرعي الخاص :
( أكتب شعرا
لأعرف قلبي
لأمتلك العالم ، أو أغضبهُ
لأعيش حياتي ، أو أؤجل موتي ).
ومثل ذلك في قصيدة ( أسئلة ساذجة جدا ) التي تبدأ بالتساؤل ( ما فائدة ..) ، وقصيدة ( سمفونية التعب ) التي تبدأ بـ( تعبت ) وغيرها .
وهناك ثانيا القصائد المقطعية التي تبدأ ببدايات مختلفة ، ولكن يجمعها خيط واحد يصبّ في المعنى العام للقصيدة كلها ، مثال ذلك هذا المقطع من قصيدة ( آلهة الوهم ) :
( للحقّ عينٌ
تراوغ الظل الوثني المبرمج
ولا تجود بدمعها الحجري
إلاّ في غياب النور )
أما الشكل الثالث من أشكال قصائد المجموعة فهي القصائد التي تأخذ منحى بنائيا مترابطا ما بين مكونات القصيدة التي تتسلسل وتنساب وتتصاعد في معانيها وفق بناء محكم العلاقة بين بعضه والبعض الآخر، حيث تهتم القصيدة بموضوع مركزي واحد ، وهناك العديد من هذا النوع من القصائد في المجموعة . ولكنه في كل الأحوال يميل إلى المقاطع المركزة التي تقترب من قصيدة الومضة البعيدة عن التفصيل الزائد المعبرة عن المعنى بأقصى ما يستطيع من تأطيرها يروح الدهشة والغرابة .
وقصائد الشاعر عذاب الركابي في مجموعته هذه قصائد تحدٍ ومواجهة إيجابيةٍ مع الذاتِ والعالم ، وهي من ذات الطابع الذي يميز شخصية الشاعر الإنسانية ، الشاعر يتحدى القبح والألم والظلم والحزن والعدوان ، يتحدى كل المظاهر التي تفقد الإنسان إنسانيته وتعوق تطلعاته المشروعة لحياة أجمل ، ولعل هذه السمة من الوضوح بمكانٍ بحيث نستطيع أن نجدها في كلّ قصائد المجموعة .
وها هو في مقطع من قصيدة ( أسئلة مشاغبة ) يقول :
( نعرف أن عدونا متعدد..
مريب الخطى
بآتجاه مدن أحلامنا
فلماذا نجلس كسولين
أمام بيوتنا
منتظرين
حتى تمر جنازنه ؟ )
وبإزاء تحديات الحياة والموت جميعها يبقى ( الحلم ) هو الأمل الشاسع الذي لا بديل له لمواصلة نضال الإنسان والشعوب والأوطان من أجل القيم الخالدة في العدل والحرية والخير والجمال والإبداع ، الحلم الذي يأخذ مساحة واسعة من إهتمام الشاعر عبر قصائده بشكل مباشر أوغير مباشر ، في الإشارة الواضحة المباشرة إلى مفردة الحلم أو تنويعاتها ، أو فيما تعكسه من دلالاتٍ في سياق القصائد والمقاطه المختلفة .
( تعبتُ مني
من حلمي المبعثر
في تفاصيل ليلٍ منافقْ
ينتهي بصبح حزين !
من وصايا الحبيبة أمي التي
لم أرها من ألف عام ! )
توزيع الحلم
الحلم هنا يتوزع على كلّ تفاصيل القصيدة ، إذن لا أغراض شعرية محددة في قصيدة (عذاب الركابي ) إنما سيكون الحلم مؤثِثا لأغلب مساحات القصائد ومعانيها وتنويعاتها ، الحلم بالحياة والكرامة والحب والحرية والخبز والكتابة وغير ذلك من تفاصيل الحياة :
( ولنا أحلام
بكل ما في شجرة التفاح
من هواجس وهي تثمر ) .
قصيدة الشاعر (عذاب الركابي) في الحقيقة تتجاوز الكثير من الذي يقع فيه بعض من يكتبون قصيدة النثر – وما أكثرهم اليوم – والذين يستسهلون كتابتها في الوقت الذي يمكن أن نعتقد أنها من الفنون الشعرية العربية الصعبة ، ذلك أنها ينبغي أن تتجاوز قضيتي الوزن والقافية إلى عالم شعري له مقوماته الخاصة التي تقنع القارئ بأن ما يقراؤه هو شعر وليس نثرا مجردا سطحيا ، فهو يهتم بالصورة الشعرية الجديدة المبتكرة ، وباللغة المتميزة التي تبدو صعبة أحيانا وتحتاج إلى تأمل وتركيز ، وفهم للعلاقات الداخلية للتركيب الشعري ، كما أنه يسعى إلى الإختزال في القول دون إسهاب إو إسفاف .
( الناس الذين
يحكمهم القلب !
يتمنون رئة من إسفنج
ووسادة من أحلام طارئة
قلقون على ورود أسرارهم !
الظلمة باهتة الخطوات
في تربة غيابها المؤكد
وهو يدعو للعناق الأزلي
ويحذر من خطر
نسيان آيات المحبة
وعطر الأمان ) .
أخيرا لابد من الإشارة إلى بعض ما أراه شخصيا من ملاحظات ، منها أن هناك في عدد من القصائد اسهابا لا ضرورة له ولا يؤثر على سياق تدفق القصيدة ، بل يزيد من وقعها لو تكثف قليلا ، وثانيا أن الشاعر قد امتلكه سحر القافية المزروع أبدا في الذائقة العربية الشعرية ، فجاءت بعض قوافيه ، أيضا ، مما يمكن التخلي عنه ، وإن كان لي حق ما في إبداء رأي في عنوان المجموعة الشعرية فسأقول إنها لو كانت بعنوان ( شمس رطبة ) لكان عبر من تقريرية واضحة خاصة في كلمة ( أحيانا ) التي لا أجدها شعرية إلى عنوان أكثر قربا من النبض الشعري الذي يعرفه الشاعر ويتعامل معه .
اعتقد أن الشاعر أنجز قصائد حارة متدفقة مسؤولة تحسب له كإضافة مهمة إلى مسيرته الشعرية والأدبية.

















