المباني المهدمة والهوية الضائعة

المباني المهدمة والهوية الضائعة

الأحوال غير السارة  لدور العرض في بغداد والمحافظات

فائز جواد

تعاني دورالعرض من تهميش ونسيان خاصة بعد السقوط النظام عام 2003  وتحولت غالبية الصالات ذات الدرجات الاولى الى مخازن لحفظ المواد الكهربائية والعدد اليدوية فيما اضطر اصحاب بعض دور العرض السينمائي لغلق ابوابها بانتظار ماتسفر عنه الاوضاع المتردية باستثناء عدد من السينمات التي لايتجاوز عددها اصابع اليد الواحدة والتي يرتادها عدد من المواطنين لايوفون اجور الافلام المستأجرة وبالتالي تضطر الادارة من عرض افلام قديمة اكل عليها الدهر وشرب ومطعمه بمشاهد الاثارة والجنس لكسب الزبائن.

 كنت ومنذ فترة ماقبل الاحتلال الحركة السينمائية في بلدنا تعاني من هبوط مزر في نوعية الافلام المعروضة التي غابت عنها الرقابة ومنها افلام اباحية، عنف، خواء فكري، حتى انك لتخجل المرور من جانبها فكيف الدخول اليها، وروادها يبحثون عن اشباع غرائزهم على شاشة بيضاء وسط ظلام دامس وقاعات مهملة لعدم توافر ابسط وسائل الراحة بالمشاهدة ما دام العرض مستمرا بهبوط ساحق وغياب الحسيب والرقيب من قبل المؤسسات المعنية، لقد كان لدور العرض في القوت ليس بالبعيد تقاليدها وقوانينها الصارمة وما ان ضاعت تلك التقاليد حتى عزف الكثير من الجمهور وعوائلهم عن ارتيادها بعدما كانت زيارة الدور السينمائية نوعا من (البرجزة) والرقي الثقافي، اما ارتيادها الآن فيكاد يكون معدوما بسبب غلق ابواب غالبية صالات العرض السينمائي بسبب الانفلات الامني من جهة وتهديد اصحابها من قبل المتشددين من جهة اخرى فضلا عن تردي الخدمات واهمها التيار الكهربائي وخلو الشوارع من المارة عند هبوط الظلام بسبب الاوضاع الامنية وعادة تعمل دور العرض اوقات المساء .

صالات في الذاكرة

 المواطن طه هاشم 70 عاما يستذكر معنا اسماء واماكن دور العرض السينمائي وواقعها قبل اكثر من ربع قرن مضى فيقول من منا لايتذكر دور العرض السينمائي التي كانت ملتقى العائلة البغدادية وخاصة بشارع السعدون الشهير وشارع الرشيد اللذان كانا يعجان بدور العرض السينمائية كسينما بابل والنصر وسميراميس والنجوم وغرناطة والخيام والزوراء وغيرها الكثير وللاسف الشديد صارت الان ماوى للمستجدين والسراق) ويضيف( من منا لايتذكر سينما غازي والنجوم وديانا وريو ودار السلام والهلال وتاج الصيفي، وهوليوود الصيفي وديانا الصيفي وروكسي وريكس، الخيام فالكراسي التي تمتاز بها تلك الدور المتحركة الفريدة من نوعها واللوحات الخيامية التي تزين  القاعة فكانت آية من الفن الحديث.ومن منا لايتذكر سينما الوطني وغرناطة وبغداد واطلس وبابل وسميراميس واليرموك تلك السينمات التي كانت تعج بالعوائل العراقية لمتابعة اجمل الافلام العربية الاجتماعية والاجنبية التي تحمل افكارا ومضامين ثقافية ).    ويتابع هاشم لقد كان في السابق تتنافس دور العرض على كسب الجمهور من خلال الاعلان عن احدث الافلام ووسيلة هذا الاعلان لاتكون من خلال شاشات التلفزه مثلما كان يحدث في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي بل انهم كانوا يعتمدون على اشخاصا اصواتهم جهورية يجوبون شوارع العاصمة وهم يحملون لوحة كبيرة تثبت على دراجات هوائية مثبت عليها (مانشيت) الفيلم ويقومون بتوزيع الاعلانات والصور على المواطنين ويدعون الناس لمشاهدة العرض السينمائي اضافة الى انهم يقومون بالاعلان عن الفيلم القادم وذلك عندما يستقطع مشغل الفيلم وقتا من الفيلم ليصعد المنادي ليعلن عن الفيلم الجديد وهكذا يبدا الحضور بالتصفيق الحار وبفرح غامر وسعادة لاتوصف ، وهنا لابد لي ان استذكر لكم الشخصيات المشهورة باداء تلك المهمة الممتعة والتي يتذكرها البغداديون ومن اشهر هم ( نوري عجل ) في سينما النصر (وتومان وابو لار وابو شوارب وبلدوزر) وغيرها من الاسماء التي كانت مشهورة في ذلك الوقت وكانت تطلق اشاعات لجذب الجمهور مثلا بان بطلة الفيلم المشهور حلاوة ستقوم بتوزيع الحلاوة على الجمهور ليكتشفوا انها مزحة وان كانت ثقيلة فان الجمهور يرحب بها برحابة صدر،واتذكر ان البعض من اصحاب دور العرض كانو يخطون لافتات كبيرة ونشرها في وسط شوارع بغداد الرئيسية مع صور للفيلم الجديد اضافة الى الاعلانات الصغيرة التي توزع في المقاهي والكازينوهات وتصب جميعها لكسب اكبر عدد من الجمهور ، وهنا يشاركنا العم ابو ابراهيم  فيقول اتذكر ان في ذلك الوقت كان الجمهور ولايزال يردد كلمة ( اعور ) عندما يقطع الفيلم او يتوقف وهذه الكلمة ترددت في احدى الصالات التي كان مشغلها ويدعى صبري وهو كريم العين واشتهرت في باقي الصالات والى يومنا هذا يتذكرها الجمهور بل انني علمت ان هذه الكلمة صارت تردد في صالات العرض في البلدان العربية وهكذا كانت الطيبه والفرح يعم الحاضرين من دون ان تحدث اية مشكلة او شجار خاصة انه كان يتقصد بقطع اللقطات التي تثير الاشمئزاز والسخرية والتي تسيء الى العوائل التي كانت ترتاد السيـــنما انذاك .ويقول طارق عبد الهادي احد اقدم رواد السينما ان دور العرض السينمائي كانت تتنافس على جلب الافلام العائلية العربية والاجنبية والهندية واتذكر ان شارع السعدون كان يقطع من حركة السير والمرور اثناء خروج جمهور سينما النجوم واطلس وسميراميس خاصة ان سينما النجوم عرضت في السبعينيات فيلم ام الهند الذي احدث ضجة كبيرة في الشارع البغدادي في وقت كانت تعرض دور العرض الاخرى افلام مثل (المصارعون السبعة . وطرزان . وسبارتكوس . وشامي كابور في باريس . وترنتي والاقزام . والحرب العالمية الاولى ) وغيرها من الافلام التي لاتزال في ذاكرتنا ولكن اليوم وعندما نمر من على دور العرض السينمائي في شارع السعدون والرشيد نبكي ونتاسف على ايام زمان ايام كان يعم فيه الخير والامن والامان والطيبة والغيرة العراقية واتذكر ان احدهم اصيب بحالة اغماء وهو يتابع الفيلم حتى اضطر مشغل السينما من ايقاف الفيلم ونقل المريض على اكتاف الرجال الحاضرين الى اقرب مستشفى لغرض علاجه وهذا جزء بسيط من الغيرة العراقية التي اتمنى ان لانفقدها في ظل الظروف التي فرضت علينا من قبل المحتل ومن اتى معهم ويمثلون الانسان العراقي الذي لايعرف الكذب والغش اتمنى ان تعود ايام الخير ايام الطيبة العراقية ايام الامن والامان وعدم الخوف من الاخ والصديق .

واقع السينما

وهكذا لكل مواطن من الاعمار الستينية والسبعينية له ذكريات مع واقع السينما التي صارت اطلالة ايلة للاندثار بشكل نهائي ، وقامت وبمبادرة شخصية محافظة القادسية من تاسيس نادي للسينما تعرض فيه افلام دورية على مدار الشهر لجذب الجمهور المثقف والعوائل الاخرى خاصة ان الديوانية كان لها دور عرض مميزة كسينما الثورة والحمراء والخيام وكان روادها من عوائل الديوانية والمحافظات التي يمنع فيها انشاء دور للسينما كالنجف وكربلاء وبالتالي تتجه عوائلها الى محافظتي الديوانية والحلة التي كان فيها دور عرض سينمائي راقية وتقدم قمة الافلام وفي بغداد استحدث اتحاد الاذاعيين والتلفزيونيين برنامجاً خاصاً لعرض الافلام العالمية اسموه نادي السينما وهي محاولة رائعه لكسب رواد السينما والتمتع بقمة الافلام بانتظار وزاره الثقافة وبدعم حكومي ان تعيد تاهيل وترميم دور السينما في بغداد المتروكة والمهجورة والتي ينوي اصحابها بيها مقطعة بالامتار لتجار يحولونها الى محال تجارية او مراب للسيارات وورش اخرى . نعم مازال المواطن المار في شارع السعدون وعندما ينظر الى دور بابل والنصر والنجوم المهجورة يحزن ويصاب بالاحباط لان كل شئ في بغداد وخاصة المرافق الثقافية والسياحية بدات بالاندثار والنسيان .