القاهرة لا تنظري إلى الشّمس طويلاً ـ أحمد إبراهيم

القاهرة لا تنظري إلى الشّمس طويلاً ـ أحمد إبراهيم
القاهرة لا تنظري بعينيك الى شمس الظهيرة اللاهبة طويلا.. ولا تغمري في المرآة لمكياجك كثيرا..
بل وانظري لشقيقاتك المنصورة وبورسعيد، السويس والاسماعيلية وأخواتها من بعيد لقريب ومن أسوان الى العريش..
وانتما يا شيخ المنابر وقسيس النواقيس، ويا القاضي والجلاد.. وأنتموا الجلاوزة والبلطجية، وانتم الشباب.
اتفقوا هذه المرة على مالم تتفق عليه العرب كل مرة.
اتفقوا على الاطفاء بدل الاشعال.
لأنّ النار الطائفية قد تأكل الأخضر المصري واليابس المصري معا ان لم تتفقوا.
شباب. خاطبوا بعضكم البعض بذبذبات مصرية وتقنيات مصرية، لا بتويتر وفيسبوك وبلاك بيري، وانما بخطابات تحمل عنوان مستقبلك فوق كل لافتة، تضعونها على كل الطرق المؤدية الى كل العواصم المصرية بالأمن والاستقرار والأمان، وبذلك يتحد مستقبلكم كما اتحد ماضيكم وحاضركم. تأكدوا تماما يا شباب.. ان غبطة الفرحة العربية الاسلامية معا، لا حدود لها لاستقرار مصر وانتصارها على الفتنة الطائفية المشتعلة بأوائل فتيلها.. وان الاسرائيلة والصهيونية الحقودة معا، لاحدود لغبطتها فرحا لو ان الشرارة توسعت، وانتشرت من عاصمة لعاصمة، وحولت أم الدنيا الى التنّور.
القاهرة الجديدة اعتبروها ولادة خارقة، ان ولدت دون تشنّج وفتن وقتال وبلطجة وأخونة وقسونة ورهبنة وعلمنة وطلبنة وأفغنة، دعوها كما هي تهندس مصر وغير مصر، على اساس مصر كل المصريين وكل العرب وكل المسلمين وكل البشر، لا تحصروها في حزب حاكم وآخر معارض، وبذلك الحظ سيبتسم لنا جميعا، وننجوا معا من مصيبة وأخرى، القاهرة لازالت بخير مقارنة بعواصم أخرى، وعليها ان تصدق انها نالت كل الأماني او اغلبها، ودخلت الان في محك عنق الزجاج، ان خرجت منها بسلام وهو حلم وامنية لم تحققها عواصم اخرى مجاورة، فإن حققتها هي، تكون قد سجلت لتاريخ العرب نصرا كبيرا. يا أهل قاهرة.. الشيطان دخل بيتكم بعصا مكرية لتحرق القاهرة بالشمس والقمر، عليكم مواجهته بعصا سحرية تقلب النقيض بالنقيض، وسوف تثبت لكم الايام ان مصر تنحل مشاكلها بالحرية وتتعقد بالاستبداد، وان الأزمات تنتهي لحالها اذا سمحنا للشعب المصري بحرية التعبير وللإنسان بحقوق الانسان، وان الامن الحقيقي لن يلد بهروالات من هو بهندام رجال الامن، معتقدا انه القادر على جلب الأمن بالبنادق والرشاشات، وبالابتسامة الصفراء للشاشات، بينما الشوارع والميادين تئنّ أنين الجرحى والقتلى..
انه أسلوبٌ فاشل، ثبت فشله في حدائق ما تُسمّى بعواصم الربيع العربي، ودخلت حرائق تلو الحرائق وخريفا تلو الخريف، نحن في زمن الحب، زمن الوفاق والوئام، زمن الرومانس الرياضي والرومانس السياسي والرومانس الاقتصادي والرومانس العسكري، زمن لا يجوز فيه تجاهل طفل لانه طفل ولا عجوز لانه كهل، نعطيهما معا قلبا مفعما بالحب والرومانس، فيأتيان معا ببسمة الطفل البريء ورسمة الشيخ الكبير، ليقفا تحت العلم بنشيد الوطن ولنشيد الوطن. أنا أكتب اليوم من جانب بقلم هو الجندي لقلب القاهرة، ويسترقّ السمع من جانب آخر لاذاعات تطبل لليوم الرابع على التوالي باشتباكات الشرطة والشعب في بورسعيد بمصر، وان المحتجين يطالبون الافراج عن سجناء، وأن القاهرة هي الأخرى باشتباكات عنيفة بالحجارة والزجاجات الحارقة.. فلو كان مقتل 70 من مشجعي كرة القدم قبل عام هو الزيت لفتيل اليوم، فماذا عن بركان الغد الغامض المجهول.
سبعون، قتلى العام الماضي وثلاثة قتلى اليوم .. وهل الناتج الاجمالي هو فقط ثلاثة وسبعون لاغير.؟
لا أعتقد ذلك. بل وأعتقد ان الآلة الحاسبة المصرية غير سليمة، احسبوها بالحاسوب العراقي السوري، ثم اليمني الليبي.. هل أصدّق قلمي فأتركه يكذب ويكذب.. أم أكذّب آذاني الصاغية لوزارة الصحة المصرية بأرقامها التصاعدية للمصابين حتى اللحظات الاخيرة في محافظتى بورسعيد والقاهرة 471، بمعدل 6 اصابة بميدان التحرير، و455 مصاب بمحافظة بورسعيد، بينهم 290 بالاختناق واصابة واحد بطلق ناري؟.
آنيا ولا حاليا أخاف القائل اكون رئيس كل مصري طموحه وقولته.. ولا أخاف السياسي المخضرم في البرلمان عكازه وصرامته، ولا الباشا قلنسوته، والبلطجى خنجره المطفئ للشموع، اوالشاويش رشاشه المسيّلة للدموع، ولا حتى نيران حرائق المباني الحكومية وغير الحكومية دخانها وثعبانها، ولا الجنائز بالمشيعين والمشيعيات خلفها شعارات الشهيد حبيب الله ولا حتى المرشد الروحي في الصومعة والمحراب بُرده ورداؤه وتراتيله.
وانما الخوف كل الخوف من هذا الطفل المراهق البريئ، الصامت الناطق.. أخشى صمته وعناده لا يخطب لا ينطق، لا يضحك لا يبكي، لا يصلي لا يصوم، لا يصعد منبر الوعاظ ولاي قلد صليب الكنائس.. .. لكنه يمشي بزملائه يرشّ الدماء المصرية في الشوارع المصرية. أخشاه آنيا واخشى بقعات الدماء لاحقا أن تنطق
نحن لم نكن آخر قناديل الليل على ضفاف النيل
ولكن.. لا ليال بعدنا.. فلا قناديل..
ثم ولا دموع بعدنا.. فلا مناديل..
AZP07