23 عاماً من اللاعودة

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

أكثر‭ ‬من‭ ‬مرّة‭ ‬في‭ ‬الشهور‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تلقيت‭ ‬رسائل‭ ‬تبدو‭ ‬بأسماء‭ ‬وهمية،‭ ‬تطالبني‭ ‬بعدم‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الفساد‭ ‬والإرهاب،‭ ‬ويقول‭ ‬احدهم‭ ‬انّ‭ ‬الفاسد‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الإرهابي‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬ولا‭ ‬تجوز‭ ‬المقارنة‭ ‬بينهما‭ ‬او‭ ‬اقتران‭ ‬هذا‭ ‬المسمى‭ ‬بالآخر،‭ ‬ويضيف‭ ‬معلق‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬ثانية‭ ‬انّ‭ ‬الفاسدين‭ ‬لهم‭ ‬جوانب‭ ‬إيجابية‭ ‬أيضاً،‭ ‬فقد‭ ‬يسهمون‭ ‬في‭ ‬تحريك‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وفي‭ ‬الأقل‭ ‬انهم‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الإرهابيين‭ ‬الذين‭ ‬يدمرون‭ ‬البلاد‭. ‬وهناك‭ ‬كلام‭ ‬كثير‭ ‬بهذا‭ ‬المستوى‭ ‬من‭ ‬الضحالة‭ ‬والاسفاف‭.‬

‭ ‬بات‭ ‬قدر‭ ‬العراقيين‭ ‬أن‭ ‬يجري‭ ‬تخييرهم‭ ‬بين‭ ‬الفساد‭ ‬والإرهاب‭ ‬ليختاروا‭ ‬صاغرين‭ ‬الفساد‭ ‬لأنه‭ ‬سيحميهم‭ ‬من‭ ‬الإرهاب،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬الى‭ ‬مديات‭ ‬تورط‭ ‬الفاسدين‭ ‬في‭ ‬إنعاش‭ ‬بيئة‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتشجيع‭ ‬على‭ ‬ارتكاباتها،‭ ‬كما‭ ‬انّ‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬المنحاز‭ ‬يوضح‭ ‬مدى‭ ‬القناعة‭ ‬المتداولة‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬معينة‭ ‬في‭ ‬انّ‭ ‬الإرهاب‭ ‬له‭ ‬بيئة‭ ‬واحدة‭ ‬وجغرافيا‭ ‬معينة‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬السياسيين‭ ‬ومجالات‭ ‬عملهم،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬الامريكان‭ ‬وجدوا‭ ‬انفسهم‭ ‬مضطرين‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الإرهاب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التصريح‭ ‬بذلك‭  ‬لاسيما‭ ‬بعد‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭  ‬مع‭ ‬ايران‭ ‬في‭ ‬الثامن‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬شباط‭ ‬الماضي‭ .‬

هل‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الحصيلة‭ ‬المتاحة‭ ‬بيد‭ ‬العراقيين‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬وعشرين‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬التغيير،‭ ‬إمّا‭ ‬الفساد‭ ‬أو‭ ‬الإرهاب؟‭ ‬هل‭ ‬بلغ‭ ‬الانهيار‭ ‬القيمي‭ ‬والتحلل‭ ‬الأخلاقي‭ ‬السياسي‭ ‬الى‭ ‬نقطة‭ ‬اللاعودة‭ ‬الى‭ ‬الوطن‭ ‬كمرجعية‭ ‬نهائية‭ ‬لمَن‭ ‬يحمل‭ ‬جنسيته‭ ‬ويعيش‭ ‬فوق‭ ‬ترابه؟‭ ‬يبدو‭ ‬انّ‭ ‬البلد‭ ‬يسير‭ ‬بسرعة‭ ‬مذهلة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬من‭ ‬التداعيات،‭ ‬والمسألة‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بتشكيل‭ ‬حكومي‭ ‬أو‭ ‬مسار‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬والتحالفات‭ ‬مع‭ ‬الدول،‭ ‬هناك‭ ‬انكسارات‭ ‬وانهيارات‭ ‬داخلية‭ ‬عميقة،‭ ‬تحتاج‭ ‬وقفة‭ ‬المجتمع‭ ‬واستنفار‭ ‬وطني‭ ‬تتصدره‭ ‬النُخب‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬مع‭ ‬عراقيين‭ ‬آخرين‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬ازمة‭ ‬البلد‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬وقف‭ ‬الانهيار‭ ‬ومداواة‭ ‬الجروح،‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬ترحيل‭ ‬المشاكل‭ ‬وترقيع‭ ‬الثياب‭ ‬وسد‭ ‬الافواه‭.‬

هل‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تولد‭ ‬هكذا‭ ‬حلول،‭ ‬لا‭ ‬أميل‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬التفاؤل‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد،‭ ‬ذلك‭ ‬انّ‭ ‬عوامل‭ ‬الانهيارات‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تعمل‭ ‬بقوة‭ ‬وبجد‭ ‬وفي‭ ‬سباق‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬لتكريس‭ ‬حالة‭ ‬اللاعودة‭ ‬الى‭ ‬حضن‭ ‬الوطن‭ ‬كمرجعية‭. ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬المعركة‭ ‬المصيرية‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭.‬

‭ ‬

[email protected]

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية