العرب متطيّرون ويحكمهم التطيّر – نصوص – محمد الأحمد
(بتصرف عن الباحث العراقي العظيم المنسي د. جواد علي)
1- كتابة
خياله المحدود، ذهنه المشتت، لم يتحرك القلم بينهما مادا بالكلمات ليرتبط ببعضها بعضا، ويرسم صورة.. بعدما تلامعت أعينهما، قالت له الصورة.. مددت يدي اليك.. لكنك سبقتني، جذبتني، اخذتني.. قلت لي في ثوبك بيتا.. قلت لي قصائد، وانزلتني تفاحة ناضجة… تناثرت الاضواء على الوان توزعت على خضراء بلون الزرع، واخرى دافئة.. قال لها وجدتك في ثوبي دفئا، واستقرارا.. تداخلت الاضواء.. اكثر، ارتسم بيتا بجدران.. ونفسا طيبا.. وجدت في عيــــنيه الصدق مثلما وجد.. امتثل الى اللون المـــــــــتدرج الى لون آخر.. انساحا باتجاه بعضـــــــــيهما، تداخلا عضويا.. امتزجا كيميائيا.. كــــــــــــأنهما صارا بلون واحد على بياض الورقة.. ككلمات ملونة، رسمت ما خـــــطر بذهنه المشتت من مخاوف..
2- نفس جديد
“الانقطاع عن الكتابة، لفترات طويلة، تربك كثيراً عند العودة لها، ولكنها تشبه اعادة نظر جديدة الى حياة اخرى جديدة”.
3.دوغمائيون
بعد ان وضعوا النقاط على الحروف أتضحت له المعاني، تبدت له جلية، وكأنها فاضحة لزيفٍ تقصدوا طمسه، بدأ يقرأ التاريخ بطريقة اخرى جديدة، تبين له فراغات ومساحات من اسئلة كثيرة، وكبيرة شخصت من جديد.. هل يسأل نفسه “كم بقيت من المساحة الضائعة”.
اراد ان يجهر بالصوت ويسال: – “لمَ يركض وراء سرابها يقطعها بعمره، خلية بعد أخرى يتناقص جسده المبتلى الذي بقي موصولا تحت نير التظليل ذاته”..خيوط عناكب دلت له ان لا احد قد وصل اليها منذ زمن بعيد. حشرت في متاهة بعد أخرى، وقد تقلص عليه المكان. المساحة الاخرى تتسع في الطرف الآخر بينما تضيق عليه من جانبه، معادلة منطقية، كل ازاحة في الكون على حساب اخرى. فكر مليا “الصوت يقتله وما من ملتفت”، مواصلة التنقيب في كومة المخطوطات المتراكمة تختصر له مستقبله، يبوح لنفسه بكل ذلك التفكير، لأجل ان لا تنهرس ذاته بين الجدران متراصة، خانقة. “هم من يتربص للتاريخ” يطلّ بنظره الى خارج المكان، اكتشف ارتيابهم وما زالوا يرقبونه، بكل حواسهم.. “هم يدركون خطورة الكشف عن اسرارهم”
- 4. المعرفة
“الأديب الأكثر قراءة ذاته الاقل نرجسية، واعتداداً بنفسه، حيث يطلّ على العظماء الكبار، حييّاً من قلة الحيلة، وضمور المخيلة”.
5.لقاء عابر
في آخر لقاء صحافي تجرأ وكشف للصحافية الحسناء، ذات الوجه المشرق، بما كان يجول بخاطره: – “الحديث عن الرواية كجنس ادبي حيّ، متفاعل مع الارث الثقافي المتكامل لا يتوقف في العالم أجمع، الا انه لدينا كشرقيين، صار مقتصراً على نخبة معينة من عشاق، وحدهم من يكتب، ويقرأ. في حين بات أغلب كتاب الرواية العرب، لا يقرأون حتى لأنفسهم، طامة كبرى ستميت الرواية العربية، وحسب كم يبدو ذلك مضحكا، ومبكياً في الوقت ذاته”.. في اليوم التالي اكتشف انه لم يزه أحد، ولم يكن هناك اي لقاء اجري معه، لكنه يتذكر انه قابل تلك الفتاة صاحبة الوجه الذي لم ينس ابداً.
- 6. فتاة عابرة
ذاتها تخطرُ مزنرة.. بخصر صقيل، يهفهف العطر مسكاً خلفها.. فما قامت دنيا الا واحتشد رجال بخطوط بصرها خلفها، كادوا يكونوا ملتصقين بها.. اعينٌ تتشهى، واجساد تتلظى.. حسرة إذ؛ فرقت الشهوة النظر وشتت الطريق الوحيد.. ثم مزقتهم الامنيات الضالة وراء خطوتها.. فامعن الظل في نهاية الطريق بالقتامة.. كأنهم ما امهلوا انفسهم.. بعد هزيمة روح، وبعد تيه معنى، وتاريخ مزوّر.. وراء تيهها، وعبيرها، بكل المساءات التي بقيت مكتظة بالسواد، والأرق.
7.ذكريات
وجدت عرضاً بسعر مناسب لدى راقن كومبيوتر في باب المعظم لأجل ان يرقن لي رسالتي استعدادا لمناقشتها (ايام زمان)، وكان ذلك الرجل مصري الجنسية فكلما ورد امامه اسم “حسني مبارك”، يكمل من عنده “السيد رئيس جمهورية مصر العربية” حفظه الله ورعاه، تطلبت مني تلك اللازمة القدرية ان اعيد الطباعة ربما اكثر من مرتين، ولم اكن اجدها تتغير، حتى سألته ان كان يظن نفسه باقيا في مصر، فأجابني جوابا مؤثراً يومها:
– “انا جسمي في بغداد وعقلي واصابعي مصرية”..
من يومها اكتشفت باننا كعرب من يحمل لهم في عقل الراسخ جبروتا لا تستطع ان تزيله المسافات ولا الظروف.
8.مفلس
لو اعترف العراف صدقا لأنفض عنه مريديه:
“لا افتخر ابداً بالذين يواصلون بيع الوهم على الواهمين، ولا اتبع الأبواب المؤدية الى العتمة.. انا ابيض اللون اخط على السواد بقلمٍ يعلم مما تعلمته من العلم، وانا اسود اللون.. قد اكشف عن بياض يعلم ما تعلمته من العلم.. ولا افتخر بما ليس عندي ابداً”.
9.تزَلّفْ
ايتها العاشقة تمسكي بغصن الوردة، وتجملي بورقها المتلامع بزهوه، وعطر قلبها الفواح، اقول في سري ايتها السر الغاوي بكل انوثته، ايتها الشريكة الأرضية الملاك الذي ينير لي درب مسالك كوكبنا المزحم بأهوال الاطماع؛ “معذرة؛ ان اقترحتُ عليك صورة، فيها فكرة، ربما تسعدك للحظة، واكون اكثر سعادة منك، لأني وهبتك اياها لتناسب ذائقتك”..
10.تفكير
العقل مواجهة: وما قيمة العقل عندما يفقده السيف حجته، هذا بائع الفلافل ساءته الاسماء ولم تبقِ على احد من ذويه.
11.عشق
وجه امرأة؛ يقابله الشاعر، تستشرقه القصيدة، رقراقه.. مثلما كان وجه امرأة؛ قد تصيّر متضوعاَ في الدروب، حبقاً ، وعصافير.
12.نصر مؤزر
“العاجز دائماً؛ ينتظر من العالم الخارجي ان يخلصه من سالبيه حقوقه، ودائماً هو من ينصر تماثيله، واشباحه، وقاتليه على نفسه، ويحتفي بنخب مقالبهم الى حدّ الدمار، وبالحجّه ذاتها”.
13.ادب
والناقدُ ذائقة متحسسة متبصرة بعد النص الذي خرج من عقل المبدع..
14.صور اخرى
البلاغة قوتها في التصوير، تجعله نابضاً متحركاً في الذهن، صوره تتحول من حروف الى خطوط متواصلة المعنى، متواصلة الدفق، تحقق دهشة، فتحدث فعلا فيزيائياً، يتطور فيه القصد حتى يمتزج مع ملتقيه كيميائياً، ذلك الفعل غايته الكبرى الاشعاع، كرساله، فيها احد الاسرار الخالدة.
























