
العراق على خط الوساطة – رغد الكناني
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، يجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب معادلة شديدة التعقيد، حيث تتقاطع الدبلوماسية مع الأمن، والسيادة مع الضغوط الخارجية. زيارة وزير الخارجية العراقي إلى طهران تضع بغداد رسمياً على خط الوساطة، في محاولة لاحتواء التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة.
إلا أن هذه الخطوة لا تأتي في فراغ، بل تتزامن مع موقف أميركي حاد ليس من قبيل الصدفة، وإنما يعكس حجم الضغط الذي يواجهه العراق ويكشف في الوقت نفسه عن حجم الرهان الدولي على دوره وحدود قدرته. فالدخول على خط الوساطة في هذا الظرف لا يشبه أي مسار دبلوماسي تقليدي، بل يبدو أقرب إلى السير في حقل ألغام سياسي وأمني، لأن أي خطأ في الحساب أو سوء في التقدير قد يحوّل العراق من جسر للحوار إلى ساحة لتبادل الرسائل والضربات.
الوساطة في جوهرها لا تُبنى على النوايا الحسنة وحدها، بل على متطلبات أساسية أبرزها قوة الدولة في الداخل وقدرتها على ضبط حدودها وحماية بعثاتها ومنع استخدام أراضيها كساحة صراع بالوكالة. فالدولة التي تريد أن تتوسط يجب أن تكون أولاً قادرة على فرض سيادتها على كامل الجغرافيا وأن تضمن عدم تحوّلها إلى منصة لعمل الأطراف المتصارعة. أما الرسالة الأميركية الأخيرة، فكانت صريحة في مضمونها: سيادة الدولة أولاً. وهذا ليس مجرد موقف سياسي بل إنذار عملي بأن استمرار السلاح خارج إطار الدولة يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار ويقوّض أي محاولة عراقية للعب دور متوازن في المنطقة. فواشنطن لا تعارض أن يكون العراق وسيطاً، لكنها ترفض أن يكون وسيطاً ضعيفاً أو وسيطاً بلا سيطرة. المعضلة الكبرى أن العراق اليوم لا يمتلك ترف الانحياز ولا رفاهية المراوحة. فالتوازن بين واشنطن وطهران بات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، وأي خلل فيه قد يفتح الباب أمام عزلة سياسية أو تصعيد أمني أو ضغط اقتصادي. فالسؤال لم يعد: هل العراق قادر على الوساطة؟ بل: هل يمتلك أدواتها ومقومات نجاحها؟ غياب الوضوح في القرار الوطني أو ضعف السيطرة على الداخل سيحوّل الوساطة من فرصة إلى عبء. لذلك فإن العراق أمام مفترقين واضحين: إما أن ينجح في تثبيت نفسه كدولة ذات سيادة قادرة على لعب دور إقليمي متزن، أو يبقى عالقاً بين الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية يدفع ثمنها أمنياً وسياسياً واقتصادياً.
فالوساطة ليست شعاراً يُرفع، والسيادة ليست بياناً يُقرأ، بل اختبار عملي لمدى قدرة الدولة على حماية قرارها قبل حماية موقعها.


















