
العراق صوت وليس صدى – حسن السراي
في خضم هذا الإلحاح الإعلامي اليومي في تناول العواصف العائلية في الخليج العربي ، وأكثر ما شدني ان المواطن العربي لا يهتم ولا يأبه فعلا لذلك . فهو لم يتظاهر دفاعا عن أحد الأطراف ، ولم ولن يأسف حتى، ليس لانه شامت أو متشف ، بل لأنه يعلم يقينا ان هذه الأطراف لطالما كرهته ، وكرهت فقره وأحتقرت أحلامه وداست على مبادئه ، وباعت جغرافيته ، وأذلته طويلا أمام حاجات حياته وابنائه. لكنه قطعا لا يرجو الخراب ، ولا الدمار لشعوب المنطقة كلها بلا إستثناء .هذه الدويلات لطالما أنتجت تيارات أسرعت في تفريخ الموت وفيالق العمالة ودس البول في الماء ، والماء في الحليب الابيض المتوسط .نعم تيارات ما ان تتحدث عن وطن مكلوم ، حتى يظهرون لك شيك البيع الوئيد لكل ما حفلت به الامة من ثوابت علمتها لابنائها ، حتى لا يخدعوا ولا يهانوا، انها التيارات الأكثر كلابا نافقة في شوارع النخاسة السياسية والحضارية حتى اللعنة على محولات فكر تنتج، وتسير هذه التيارات بالخلق نحو المجهول، لا يعرفون كيف استطاعت الحركة الصهيونية ان تلم وتسيطر على 5/4 العالم ، وكيف وما هي ابعاد عملقتها وعوامل فوزها والربح الذي جنته ، ولو سألتهم عن ذلك لإنبروا صريخا وعويلا ان ذلك من نظريات المؤامرة والتقليل من شأن الأمة ، ولو طلبت منهم أن يراجعوا واقعيا كيف خلقت الحركة الصهيونية ، وما يشبهها غاية ووسائل في اوطان عدة؟ نعم سيرفضون ولن تحصل على إجابات جادة.وبالمقابل لو سألتهم عن حروب داحس والغبراء ،والتيمية والاشعرية ووو لتهافت الجميع بالرد المنمق فطاح ومنظرين ،لا يفكرون راهنا لأنه صعب ولأنهم تعودوا الدفء ماضيا ،واللاتوازن حاضرا . وخير دليل على ذلك فانه من اليسر ملاحظة ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي. وستجد أن الماضي معشش في عقليتنا الراهنة ومستبد بحاضرنا يؤطرنا بلا رحمة ، وكأن عجلة التاريخ تقف عند الزاهد الفلاني او العلامة الفلاني الفائت زمنا ونسقا. نحن لا ندعو للإنقطاع عن الماضي الناضج لا الشائخ المتهري ذي الخلاصات المشوهة ، فالماضي لم يكن في قطيعة انقطاع عن الحاضر وبالتالي لا يمكن الفصل التعسفي ، فجهد القدامى في شرف البداية وجهد المعاصرين زمنا تمثل فيه الوعي باعادة البناء والاستمرار به الى ما لانهاية.
سؤال تاريخي
وان تحيين السؤال التاريخي يعني استشراف المستقبل بكل مستلزماته والوقوف على الماضي ونخله وتجاوز النواقص والإستفادة من العبر المعتبرة. ولا يمكنك ادعاء جدة القراءة والمراجعة التاريخية وانت لم تؤسس لمباحثك تاسيسا علميا لغويا صارما ومحدثا ينخل ويصفي الوقائع ، ويرفض أن تتقمص وتعيش الانفجارات التاريخية المصطنعة واللغوية المتتالية المتهالكة المحملة بالمقولات العقلية السلفية، المستبدة على حاضرك وأنت تسحله وئيدا في زمن الاستعارات رغم ما فيه من زخم معارفي لا تغفل إستيعابه وقراءته ، صحيح تعبنا من حاضرنا المتصدع ولكن لابد من ترميم جدرانه المتهالكة.للاسف هناك فئة من الاستراتيجيين المثقفين الذين لهم اختصاص واحد لا غير ، ومهنة واحدة لا غير ، وهدف واحد لا غير ، ينصب في تخريب وتقويض الثقافة العربية الاسلامية بالاعتماد على حفريات مدلسة ظالمة ومخطوطات مريبة. وهناك فيلق كبير من المثقفين العرب من الذين هرموا وشاخوا وتدلت شفاههم السفلى بفعل الكلام الفارغ والعربدة بدأوا متناغمين مع طروحات عتاة مستهدفي واقع حاضر الأمة وماضيها من أمثال “برنار ليفي” بنسف ما مجد من تاريخنا ، وطرحوا ما سفل من البدائل، وقاموا بتشكيل صورة قبيحة وتسويقها. لهذا فان سؤال تحيين وتحييد ما غمق وتوتر من تاريخنا وتحويله للنخل والتصحيح الى مخابر العلوم الانسانية والشرعية صار مطلبا شعبيا وعلميا وحضاريا لدرء إغتيالنا الحضاري الوشيك. بعض مفاصل التاريخ نتنة ، وتحتاج تأصيلا علميا فذا من المشتغلين بعلمية وتجديد في هذا المجال ، وعدم تركها للعامة ليفصلونها بمزاجية وعلى هواهم مجلبة واستحضار لقبحها الفعلي. ومجلبة للتشظي. يجب أن نحفز فكر الشباب المتجدد والمصر على اعلاء حداثة قوية في النظرة حتى وإن تعثرت خطواتهم الأولى . يجب ان لا يتمذهب التاريخ ويتسيس ، ولابد من حصر الاشتغال عليه لرجاله الذين لا غاية لهم الا المعرفة ،لا ان يقع تسفيره بسفور من لا يفقهون شيئا حتى يخرطونه خرطا بقراءاتهم المتخلفة او المنقوصة ضرورة ، لان غالبيتهم لن يكونوا في جوف المعرفة فعلا بجهلهم لكيفية حركة العلوم الانسانية وعلم مناهج البحث الملزمة اتقانا لمن يريد ان يقرأ . لا نريد أن نطمس الصورة المشرقة للأخوة الخليجيين إطلاقا ، هم ليسوا هدفنا في هذا المقال ولكن العوائل التي تربعت وتحكمت بمصائرهم ، وأيضا وعلى صلة بالموضوع أن يعي العراقي الأصيل أنه أصلا وحقا وحقيقة بلا مغالاة ولا إنحياز ، أنه بمفرده تاريخا ناصعا ، إنسانيا جوهره ، معطاءا ماضيا وحاضرا ، تعجز كل المقاسات عن وصفه ، وعليه أن يكون واثقا بنفسه وبتاريخه ، وأن يعي أنه يعيش في عصر إستثنائي ، يريدون أن يحمل الانسان بطينه المتهالك كل احلامه الصدئة الواقعية منها والفنطازية ، يسوق همه وسجنه الى سجن اخر ، وعمورية اخرى ، بمناخات اكثر عفانة، ما ان يتخلص من ظالم حتى يأتيه اخر ، ما ان يبدد سوادا حتى يأتيه ماهو اكثر سوادا ، ما ان يأمل حتى يخيب، وما أن يخيب حتى يخيب أعمق ، وتتوالى الخيبات والإنكسارات ، لا مرساة له في بحر الدنيا الآسن ، ليصبح جزءا من الانسانية المنهكة . نكررها مرارا وتكرارا لا الخليجيون (الحكام) ينفعوننا بشيء ولا الأمريكان ولا غيرهم ، الكل ينظرون لك أيها العراقي بعين غيرة وحسد لأنهم أقزام أمام هامتك منذ النشأة ولهذا الحين ، وإعلم أنك إبن العراق ، والعراق صوت ، صوت مدو وليس صدى .
{ كاتب وباحث

















