الطريق الطويلة – مقالات – ثامر مراد
أكادُ أُجن كلما بدأت بقراءة موضوع معين من مواضيع الكُتُّاب في موقع – كتابات- لاأعرف لماذا؟ كلما طفقتُ بتناول موضوع لذيذ عن البلد المنهار في وضح النهار أو عن موضوع يعود الى التاريخ القديم ليربط به الكاتب موضوعاً عن التاريخ الحديث ويسهب في ذكر ألأمثلة المنطقية الواقعية التي لاتقبل الشك أو الجدل أجد نفسي تواقاً للحديث عن موضوع يخطر على ذهني ويبقى ينهش في روحي لدرجة أنني لاأستطيع تكملة الموضوع الذي كنتُ أطالعة بشغف لكاتبٍ ما . قبل دخول فجر هذا اليوم وجدتُ نفسي بلا توقع أتابع موضوعاً يتحدث عن – سائقات الشاحنات من النساء في أمريكا والعالم- موضوع جعلني أفقد مذاق النوم ليومين متتاليين. نساء متقدمات في العمر ونساء لازلن يتربعن على عرش الشباب. يتحدثن بثقة لاتظاهيها ثقة عن المسافات الطويلة التي ينطلقن بها لقيادة شاحناتهن الذكية المعبئة ببضائع متنوعة. يتسابقن مع الزمن للوصول الى المكان البعيد جدا على أرضٍ شاسعة جدا. وحيدات على الطرق البعيدة لايرافقهن إلا لحن أغنية أو موسيقى يستمعن اليها باستمرار. آلاف الكيلومترات وحيدات مع عزلتهن وتركيزهن على الطريق العام. لايفكرن بقاطع طريق يستلب مايملكن أو حيوان بري قد يهاجمهن بلا توقع. واحدة تقول بأنها قضت عشر سنوات تعمل سائقة لتلك الشاحنة التي تعود لشركةٍ ما واخرى تقول هذه الوظيفة هي الطريقة الوحيدة التي تجعلني أجد ذاتي وأشعر أنني سيدة الطريق الطويل, وسيدة أخرى تقول بأن لديها عائلة وأربع بنات وفي كل رحلة أصطحب معي إحدى بناتي كي أبقى على اتصال مع العائلة وجوها على أن أتحمل كل المسؤولية التي قد تحدث في الطريق. تمنيت أن أكون سائقاً لشاحنةٍ ما في تلك الطرق البعيدة كي أتخلص من أي شيء يجعلني افكر بالطائفية أو الحروب الشعبية المنتشرة في كلِ ركنٍ من أركان بلادي. كي أنسى حزن راتبي التقاعدي وكل تلك السنوات المرة التي قضيتها في خدمة طويلة لم أحصد من ورائها إلا الحزن والخذلان والحاجةِ لكل شيء. اليوم أرسل لي صديق قريب من عمري فلما لشاحنته على طريقٍ طويل في ولاية من ولايات أمريكا. فلماً قصيرا وهو يجلس قرب شاحنته الطويلة ويتحدث مع نفسة الى الكامرة كأنهُ يخاطب مجهولا عبر أروقة التاريخ. ” سأنتظر هنا يوما آخر لتحميل شاحنتي بمواد كثيرة…المكان هنا يشبه الجنة..فجأة ضاع العمر هناك في بلدي ..فجأة أجد نفسي جالسا وحيدا هنا على هذه الأرض الممتدة مسافات بعيدة جدا.. لاأخاف من أي شيء..لاأحد يقترب مني..لا أحد يسالني من أين جئت والى أي مكانٍ أنت ذاهب؟ أنا سيد نفسي هنا مع عزلتي ووحدتي..مضى قطار العمر في متاهاتٍ هناك في بلدي..قضيت جل سنوات العمر في الحروب والخوف والقلق من كل شيء. هنا لا احد يريد أن يعرف أي شيء عني, لاأحد يهمه شأني فالكل مشغول مشغول مشغول. عدوي الوحيد هنا هو النوم والنعاس. حينما اسير على الطرقات البعيدة جدا ينبغي علي أن اسير بسرعة معينة وساعاتٍ مرسومةِ لي ..أي توقف معناه فقدان جزءأً من الزمن المخصص لي للوصول الى الهدف البعيد لأيصال الشحنة التي تكون أحياناً خطرة مميتة وأحياناً أخرى مجرد أحذية أنيقة نسائية أو رجالية – حسب الشحنة المخصصة لشاحنتي- أحيانا أبكي لوحدي على الطريق العام وأصرخ باعلى صوتي ياربي أريد الوصول في الوقت المحدد كي لاافقد جزءأ من مرتبي ..وأحياناً أخرى أخاف من النوم الذي يسيطر علي…يجب أن أسير في الشاحنة 11 ساعة بلاتوقف . قاربت الخمسين من عمري وأنا أركض هنا على الطريق العام لوحدي بلا زوجة بلا أطفال بلا أصدقاء. قضيت عمري هناك في بلدي ممزق بين إكذوبة الجيش الشعبي ودراسة الهندسة وإعالة أبي وأمي . لم يعد لي أي شيء سوى هذه الشاحنة التي تعود لشركةٍ لاتعرف أي شيء عني سوى رقماً مسجلاً عندهم في سجلاتهم. هنا لاأخاف الشيعي أو السني أو الكردي فهذه عناوين لم يعد لها وجود في ذاكرتي وعملي هنا. أفضل الموت هنا وحيدا في أريزونا أو كاليفورنيا أو ألاسكا على أن أعود الى بلدي الذي لايعرف من أنا على الرغم من أنني خدمته أكثر من أربعين عاما. هناك في بلدي ينهبون حقوقي وحقوق كل البؤساء أمثالي وهنا في البلد الغريب يقولون لي ” شكراً” حينما اصل في الموعد المحدد . بعد ساعات قليلة سيعبئون شاحنتي بالمواد المطلوب إيصالها الى مسافة أربعة آلاف كيلومتر …وساعود وحيداً على الطريق العام أثبت نظراتي على الطريق العام كي لاتنزلق الشاحنة الى وادٍ عميق أو ترتطم بجسمِ حيوانٍ وحشي يريد عبور الشارع دون ألأنتباه لعلامات المرور. طريق وحشي طويل لكنه خاليا من كل عناصر القتل والذبح على الهوية. ” ……..



















