الصادق المهدي وأزمات السودان – مقالات – حسين الجاف
شاهدت باهتمام عميق ما يقرب من عشر حلقات تلفزيونية لقاء مطولا من فضائية الجزيرة.. بين الصادق المهدي زعيم الأنصار وقائد حزب الامة السوداني ومذيع الجزيرة الشهير الاخواني الميول احمد منصور وهو بالمناسبة مذيع لبق ومقدم برنامج ممتاز.. وقبل شهور القي القبض عليه في المانيا بحجة دعم قوى الإرهاب الدولية وتأجيج الخصومة الاخوانية ضد حكومة الرئيس السيسي في مصر.. ليحجز لعدة أيام ومن ثم ليطلق سراحه بعد أيام من قبل القاضي الألماني المختص.
على اية حال فكلامنا اليوم عن الصادق المهدي (80 سنة) من اسرة دينية مسلمة شهيرة قادت النضال السوداني ضد الاحتلال الإنكليزي له منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي وهي اسرة تحظى حتى الان باحترام واعتزاز شرائح واسعة من الشعب السوداني الشقيق. والصادق المهدي ذو الثقافة الإنكليزية وخريج جامعة كامبريدج انسان ليبرالي ومؤمن عميق بالديمقراطية تولى الوزارة السودانية اكثر من مرة تولاها وعمره 29 سنة وتولاها بعد سقوط النميري أيضا لينقلب عليه احمد حسن البشير في حركة عسكرية عام 1989 ولا يزال الأخير يحكم السودان الى الان.. على الرغم من القلاقل والانتفاضات التي يقوم بها السودانيون ضده وضد حزبه ونظامه سواء بسواء.
ان الصادق المهدي لا تغادر كلمات الديمقراطية وحكم الصندوق والبرلمان فاه.. انه حالم كبير وحقيقي بان الديمقراطية التي يقودها اكفاء مؤمنون بهدف وعندهم قضية لاشك انه السبيل الاحسن لبلوغ الشعب آماله في الحرية والتطور والتنمية الاجتماعية والرفاه الاقتصادي.. لقد ساهم الصادق المهدي في انتفاضات وثورات كثيرة منذ الثورة الشعبية عام 1964 على نظام الجنرال إبراهيم عبود العسكري الدكتاتوري والتي كانت بقيادة الشخصية الديمقراطية التي افرزتها احداث 1964 الثورية في السودان وهو الحقوقي سر الختم خليفة.. ليتولى بعدها الصادق المهدي الحكم رئيسا لوزراء السودان في عملية انتخابية مشهوردة لها بالنزاهة والنظافة.. الى ان انقلب عليه العقيد جعفر النميري.. ليعلن حكما اشتراكيا ثوريا في البداية ثم ليتحول في النهاية الى دكتاتور اهوج افلج ومتهور.
وفي تموز من عام 1971 ثارت الشريحة الثورية التقدمية في الجيش السوداني بقيادة الرائد هاشم العطا والتي نجحت في الإطاحة بنظام جعفر النميري لمدة ثلاثة أيام.. عاد بعدها الدكتاتور النميري الى الحكم بعد تدخل اللواء المصري المرابط في جبل سلطان الاولياء بالسودان لاخماد الثورة والقاء القضاء على قائد الحركة ومجموعة من الضباط الشيوعيين.. ليحكم النميري على جميعهم بالاعدام.. فيما سمي بمحاكمات الشجرة التي كان يحضرها النميري متشمتا باعدائه وهو ثمل جدا.. وكان محاكمات غاية في الوحشية واختراق كل معايير العدالة الإنسانية المعروفة بل ان النميري جلب أشخاصا الى المحكمة واعدم أناسا من الشيوعيين السودانيين ممن لم يكن لهم علاقة بالانقلاب مثل الزعيم الجنوبي جورج قرنق والسيدان عبد الخالق محجوب سكرتير عام الحزب الشيوعي السوداني في وقتها والشفيع احمد الشيخ رئيس مجموعة من خيرة ضباط السودان الوطنيين أمثال اللواء بابكر النور عثمان وفاروق عثمان حمد الله وهاشم العطا الذين كانوا في لندن وقت حركة هاشم العطا وعادوا الى البلد بمجرد سماعهم بالحركة.. لكن مؤامرة دولية اشتركت فيها المخابرات البريطانية والليبية والمصرية.. أدت الى انحراف مسيرة الطائرة من سيرها المعهود لتدخل الأجواء الليبية.. ولتنزل بالقوة في مطار طرابلس.. وهناك اعتقلتهم قوات الطاغية القذافي وسلمتهم الى النميري ليذبحهم ذبح النعاج في محاكمات الشجرة الصورية على الرغم من انهم كانوا خارج البلد اثناء الحركة. وهكذا لم يراع القذافي الذي لقى اسوأ جزاء على يد أبناء شعبه لا ذمة ولا دين حين سلم هؤلاء الضباط العائدين كأسرى الى النميري فقتلهم كلهم.
ان حديث الصادق المهدي الهادئ المتبصر عن احداث السودان خلال خمسين سنة الماضية وكان هو احد اقطابها بل ومحركها.. حديث انسان ديمقراطي لا يؤمن بالعنف ولا يميل بالمطلق الى التشدد الديني على الرغم من انه ابن اسرة دينية شهيرة في ذلك البلد.. سموح ومتطلع الى امام بل ولربما لفترة رئاسية قادمة له بعد رحيل نظام حكم البشير العسكري. وسنون عمره تخطو بسرعة نحو الثمانين.
ان الصادق المهدي نموذج حي لما يمكن ان تنجبه الشعوب العربية من قادة متنورين.. يستهدون بالمثل العليا التي استقر عليها المجتمع المتمدن لتعبر الشعوب عن ارادتها وتطلعاتها بعد ان تعودت الشعوب العربية على نماذج صارمة في الدكتاتوريات كالنظام السابق عندنا ونظام القذافي ونظام الأسد حاليا.



















