
ومضات داود الفريح
الشعر تحت تصّرف الجميع – على إبراهيم عبود
يبيّن ريموند كينو /ت1976 عن فن الشعر مقولته “هو شعرية القليل من الأشياء، والطفيف؛ وعدم التطابق بين حجم وأهميّة الموضوع، هو يقع تحت تصّرف الجميع.” هكذا هو الشعر بين الإحساس او دوافع العقل، كلمات يتلاعب بها منْ دخل باب الشعر بعد محاولة لغلق باب السرد. وما نقرأه اليوم من كلمات قليلة تشير إلى ومضة ومرور سريع بين الامكنة، والازمنة وحتى” الطفيف” على قول ريموند فقد دخل على صفحات الكتابة في زمن التواصل الاجتماعي يوزعها الشاعر عسى إنْ تقع كما يورد ريموند “تحت تصرّف الجميع”. وقد نقول حسناً أن تقع هذه الومضات لمن يريد أن يتذّوق شعر مرور الكرام، وليس شعر الوقوف على الامكنة، وحتى متغيرات العصر بما تركته من الحروب، والازمات قد تجد ملاذاً العواطف أن تظهر على سطح الشعر؛ وخاصة بعد ظهور جائحة كوفيد – 19-وما ستتركه من صور يتشارك بها الكبار،والصغار من مقولة ابقوا في منازلكم وعنوان الحجر المنزلي. اذن هو الشعر الذي اراده داود الفريح في عنوانه بتلات القُبل، وهو في صيغة الجمع ما يقارب أربع عشرة ومضة يقول منها.. /خلفها أسير ببطء/نظرة إغراء أخرى /تمنحني نسمات الصباح /بدا الشاعر بالظرف المكاني من فعلين للحاضر /أسير، وتمنحني. /ليبدد بطء الحياة بمفردات حسيّة تشفعها نسمات الصباح. او يتخذ من المطر، وما تحيله تلك المفردة من هموم وغم على سبيل التشبيه مثل /سماء غائمة /تكون قبلة واحدةفي صيغة النكرة لأّنه قد لا يحصل عليها من تضاد الغيوم والمطر، والُقبلة الي بينهما. ومثل سماء غائمة يكرّر بداية بتلاته بالاسماء النكرة “ليل حزين” مواء متكّرر “انفجار، وهي تجمع بين العاطفة المشوبة بالفقدان من فعل واحد” تودّع” فالشاعر يخرج هنا عن مقولة شمعة واحدة تبدد الظلام ليدخل دلالة الغياب من عزاء الدمعة في التعبير عن سوداوية الموقف.
وتناول الفريح من مقولة ريموند” في عدم التطابق بين حجم او أهمية الموضوع ” المتداول اليومي من الحياة يقول في /مواء متكّرر /على رائحة طبيخ أمّي تجتمع القطط/تقف هذه الومضة الشعرية على فعل الإجتماع، فيما تسري عاطفة الشاعر إلى الام، ويورد لفظة طبيخ أشمل من لفظة الاكل وهنا الصورة الحِسّية ممزوجة بصوت القطط، وهو ما حاول أن يغيره الشاعر ليقضي على رتابة الصورة.
ولا يقتصر الفريح على صور الشوق، والمحبة،والنظرات بل يوظفها بما يتلاءم مع خصيصة الومضة. /في ليلة اكتماله /الجميع ينظرون إلى القمر /وانا انظر إليكِ. /هي صورة استعارة يدرجها ومضة كما وظفها شاعر عباسي في عجز بيت /إلى قمر في الإيوان بادي / او يستذكر آخر اللقاء ليس الكلمات ولا النظرات بل القبلات/ قبلة.. قبلة/.
مسرات واحزان
ونراه حين يستبدل المسّرات بالاحزان، والمآسي يكون هول المصيبة كبيراً يقول في /انفجار /بكّفين مقطوعين /يتحدث الابكم عن هول المصيبة /يلغي الشاعر اللغة بصوت الابكم مع لقطة لصورة مفجعة. ومن ومضة رسائل الحب يحاول الشاعر الجمع بين الطفولة من براءة الصبيان يقول/بصواريخ ورقيّة يتبادل صبيان القرية رسائل الحب /وفي نص آخر يتجاوز الفريح رسائل الحب من الطفولة إلى جذوة العاطفة بغياب من يحب. ويقترب في نص آخر من الدلالة الدينية من اسم عيسى وخطيئته، وهو ليس في العتاب، والأسى، بل هن الحب العذري لها فيتقّبل هو كل نتائج حبه حتى من الخطيئة وهو اول اسم لمذكر يرد في الومضات.
وبين المصدر (بللْ) واسم المكان (مبلل) يختار الفريح الشتاء بمفارقة بين المفرح من ثبوت المكان يقول/ يوم شتويّ/فوق سريرنا المبلل بماء الحب علبة مناديل فارغة. وهنا نهاية متوقعة من غاية عند الشاعر. او نجد المنظور من متحرك المكان يقول /صباح ماطر /ذبابتان على الاريكة تشاركاننا البلل/ ومثل ما تلاعب الفريح بضمير المتكلم في ومضاته وهو كثير، يدخل ضمير المخاطبة في حالة من اليقظة من حلم عابر مرّ عليه يقول /انتِ ربما تكوني حلماً /لا استطيع استبعاد هذا الإحتمال/ويجمع صورتي الضباب، والظلام في صورة مكثفة وإزاحةلفعل واحد (هجم) وهو للعداء.. /ضباب كثيف /بلا ملامح.. اسمع نباحها /الكلاب التي تهاجمني / وتفاعل الفريح مع الحجر الصحي بصورتي الطفلة، والذبابة التي علقت في الكيس في التشبيه بما لا ينفع في زمن الحجر الصحي وغاية التباعد. ونصوص أخرى يجمعها خط العواطف، الاحلام.
دفقة شعورية
يحدد الكاتب حمزة رستناوي في قراءة له لمؤلفي كتاب قصيدة الومضة الكاتب هايل محمد الطالب، والكاتب أديب حسن محمد عنوان /عين على قصيدة الومضة/ ماهية قصيدة الومضه، وخصائصها عند المؤلفينِ عن قوله “هي الدفقة الشعوريّة الواحدة التي تقوم على فكرة واحدة او حالة واحدة” او يختمها بقوله” ربما تكون الومضة اكثر وعداً واملاً في زمن عزف فيه الناسُ عن القراءة او في زمن انزاح الشعر فيه إلى العمق الإنساني الداخل فأخذت القصيدة تتكثّف اكثر فأكثر وبدأ حجمها بالإنكماش التدريجي ّ”ومن خلال ذلك اتفق مع رأي الكاتب حمزة رستناوي في الفكرة الواحدة، أو الحالة الواحدة بأن اغلب ومضات الشاعر داود الفريح هي ضمن السياق، اما الخصائص الفنية الثمانية فيما ورد عند مؤلفي قصيدة الومضة؛ فقد اختفت عند داود الفريح النزعة الصوفية والفضاء الأبيض بين الأجناس الأدبية؛مع وجود لنزعة تشكيليّة كما في /انفجار/وصورة الطفلة والذبابة /ونزعة التوازي في/خلفها أسير ببطء/والتفاعلية والتأثير في/مواء متكّرر/ ونزعة التكرار في أغلب الومضات الشعرية عند الشاعر داود الفريح.
























