
الشعر الشعبي هوية الشعب – عبدالهادي البابي
يُقال دائماً إن (مصر تكتب ، ولبنان يطبع، والعراق يقرأ) ، ولكن إذا أردنا الدقة في وصف الوجدان العراقي ، فعلينا أن نضيف : (والعراق يستشعر)..
لا يمثل الشعر الشعبي في العراق مجرد فن أدبي أو وسيلة للتسلية ، بل هو (ديوان العرب) ولكن بنكهة الفرات ودجلة ، وهو اللغة غير الرسمية التي يفهمها الجميع ، من الأكاديمي في جامعته إلى العامل في مسطره إلى الفلاح في حقله ..
ويعود حب العراقيين للشعر الشعبي إلى قدرته المذهلة على ملامسة الواقع اليومي ، فالقصيدة الشعبية العراقية لا تتكلف المحّسِنات، بل تخرج من (حرقة القلب).. لإنها لسان حال المظلوم..!
و تاريخياً كان الشعر هو الوسيلة الوحيدة للإحتجاج والتعبيرعن الوجع السياسي والإجتماعي .
والقصيدة الشعبية العراقية هي بمثابة الهوية البصرية والسمعية ، فهي غنية بالصور الريفية ، والكلمات السومرية القديمة ، ونبرة الحزن (الأبوذية) التي تسكن الروح ، والتنفيس العاطفي.. فالعراقي بطبعه كتوم في أحزانه ، لكنه يجد في ( الدارمي أوالزهيري ) صرخة تعبرعما يعجز عن قوله قريضاً أو نثراً.
والشعر الشعبي نراه موجوداً في جميع تفاصيل الحياة العراقية ..فلا تخلو مناسبة عراقية من القوافي، ففي الأفراح نجد (الهوسة) التي تشعل الحماس، وفي المآتم نجد «النعي» الذي يفتت الصخر، وحتى في الحب ، يظل البيت الشعري هو الرسالة الأكثر بلاغة وتأثيراً.
لقد نجح الشعراء الكبار أمثال (مظفر النواب، وعريان السيد خلف، وكاظم إسماعيل الكاطع) في تحويل اللهجة الدارجة إلى لغة فارهة الجمال، تضاهي الفصحى في متانتها وعمقها، مما جعل المواطن البسيط يشعر أن هذا الشعر يمثله شخصياً. إن الشعر الشعبي هو (ملح الأرض) العراقية، هو الذاكرة التي تحفظ الأحداث، والقلب الذي ينبض بالحب والحرب ، والبيت الذي يأوي إليه كل عراقي حين يضيق به المدى…إنه ببساطة.. هوية شعب صيغت بكلمات.



















