الشرطة وحقوق الإنسان

الشرطة وحقوق الإنسان

 

عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي

 

منذ صدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان سنة 1948 ، وهيئة الامم المتحدة تحث وتشجع مختلف دول العالم على ضرورة احترام احكامه والاسترشاد بها عند وضع وتنفيذ وتطبيق تشريعاتها ، ليس فقط من اجل ضمان حياة انسانية كريمة ومزدهرة للافراد ، وانما لضمان حق الشعوب بتقرير مصيرها ومركزها السياسي ونمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بنفسها بحرية .

 

ولكي لا يؤدي انتهاك تلك الحقوق الى الاحتجاجات والتظاهرات والاعتصامات وربما الى الثورات والانقلابات بل وقد يؤدي كبت الحريات العامة وانتهاك الحقوق الانسانية في اية دولة الى تعاون المضطهدين مع اعداء البلاد ضد حكومتهم وبما يلحق افدح الاضرار بمصالح شعبهم ووطنهم …..

 

وعندما بحث المشاركون في مؤتمر الامم المتحدة الخامس لمنع الجريمة ومعاملة المذنبين ، الذي عقد في عام 1975 بجنيف بسويسرا ، موضوع ((الدور البارز للشرطة والاجهزة الاخرى المختصة بتطبيق القانون)) ، اقروا بان وظيفة الاجهزة المختصة بتطبيق القانون بلغت مرحلة حرجة من تطورها في عالم سريع التغيير ، وبرغم الاختلافات الكثيرة بين قوات الشرطة في مختلف الدول ، فان من المشاكل السائدة بينهم جميعاً هي محاولة التوفيق بين الرغبة في سيادة القانون والنظام من ناحية مع مراعاة الحقوق الانسانية من ناحية اخرى ، بهدف خلق توازن بين مطالب الجمهور بالارتقاء بكفاءة الشرطة من ناحية وتقييد سلطاتها من ناحية ثانية ….

 

وقد ورد في التقرير النهائي للمؤتمر حول هذا الموضوع ، ان المشاركين في المؤتمر وافقوا ضمن مجموعة توصيات ، على وجوب ان يتضمن تدريب رجال الشرطة موضوعات الاخلاق وحقوق الانسان والعلوم الاجتماعية . ((للمزيد من التفاصيل راجع –  المجلة العربية للدفاع الاجتماعي –  جامعة الدول العربية –  المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة –  العدد السادس –  1977 –  مطابع دار الشعب بالقاهرة –  صفحة 286)) .

 

ولم يتخلف قادة الشرطة والامن في الدول العربية عن الاهتمام الخاص في مؤتمراتهم السنوية بموضوعات التطبيق الانساني للقانون والاهتمام بتدريس حقوق الانسان ضمن مناهج الدراسة في معاهد وكليات الشرطة …

 

ففي مؤتمرهم الثاني –  الذي عقد عام 1974 في عمان بالمملكة الاردنية الهاشمية حصلت الموافقة على (صيغة مثل واداب الشرطة العربية) وعدها اساساً صالحاً لما ينبغي ان يتحلى به رجل الشرطة من اداب ومثل ، والدعوة الى تعميمها على اجهزة الشرطة ومعاهدها في الدول العربية ، وكذلك دعوة اجهزة الاعلام العربية لنشر ما تضمنته الصيغة من مثل واداب .

 

والمدقق في مضمون تلك الصيغة يجد عناية خاصة بوجوب احترام حقوق الانسان كواجب قانوني واخـــــــلاقي على رجال الشرطة …

 

كما بحث قادة الشرطة والامن العرب في مؤتمرهم السادس عشر المنعقد عام 1992 في تونس موضوع (الشرطة وحقوق الانسان) .

 

وجاء في توصياتهم التأكيد على وجوب حرص اجهزة الامن العربية على الالتزام بشرعية وصحة اجراءات التحقيق مع المشبوهين والمتهمين للحيلولة دون المساس بحقوق الانسان وحرياته الاساسية التي كفلها له الدين الاسلامي الحنيف واكدت عليها الدساتير والاعراف والمواثيق الدولية .

 

وفي مؤتمرهم السابع عشر المنعقد في تونس عام 1993 تمت التوصية باصدار مطبوعة توضح مفهوم حقوق الانسان في الشريعة الاسلامية باعتبار ان المنهج الالهي يحقق التوازن المنشود بين حقوق الانسان وحرياته الاساسية من جهة ، وبين حقوق المجتمع ومصالحه الرئيسية من جهة اخرى .

 

اما في مؤتمرهم الثامن عشر المنعقد في تونس عام 1994 فقد تمت دعوة الجهات المختصة في الدول الاعضاء الى ادخال مادة حقوق الانسان في المناهج التعليمية والدراسات الشرطية ، والعمل على تنظيم ندوات علمية ودورات تدريبية للقائمين على حفظ وصيانة حقوق الانسان ، بالاضافة الى ابراز اهمية دور الشريعة الاسلامية في الحفاظ على حقوق الانسان وحرياته الاساسية . ((للمزيد من التفاصيل راجع – تقرير مختصر عن انجازات مؤتمرات قادة الشرطة والامن العرب خلال ربع قرن –  1972 –  1997م –  اعداد الامانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب –  تونس)) .

 

ولم تتوقف الجهود العربية والاسلامية والاممية عن العناية بمختلف موضوعات (حقوق الانسان) .

 

في عام 1966 صدر عن الجمعية العامة للامم المتحدة العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية ، وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

 

وفي عام 1981 صدر عن منظمة المؤتمر الاسلامي (اعلان القاهرة عن حقوق الانسان في الاسلام) .

 

وفي عام 1997 صدر عن جامعة الدول العربية (الميثاق العربي لحقوق الانسان) …

 

وجميع دساتير الدول العربية ومنها دستور جمهورية العراق الصادر سنة 2005 ، التزمت باحترام حقوق الانسان .

 

وحثت جميع مؤسساتها الحكومية والاهلية على مراعاة تلك الحقوق في اداء عموم واجباتهم ، بل منع الدستور العراقي في مادته الثانية / البند ج ، ان يٌسن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الواردة فيه .

 

والباحث العلمي الحريص على الحقيقة ، عند دراسته لمدى عناية مؤسسات الشرطة العراقية بموضوع حقوق الانسان ، يصل الى مجموعة حقائق منها :-

 

اولاً // اهتمت الشرطة العراقية بتحسين العلاقات العامة بين الشرطة والشعب من خلال :-

 

1)         العناية بصحافة الشرطة باصدار (مجلة الشرطة) منذ سنة 1927 واستمرار صدورها باسماء مختلفة حتى الان .

 

2)         الاهتمام باعداد برنامج تلفزيوني تحت عنوان (الشرطة في خدمة الشعب) منذ عام 1958 وبرامج اخرى للمرور والدفاع المدني .

 

3)         اقامة معارض للصور الفوتوغرافية في اماكن عامة لتعريف الجمهور بمعالم تقدم الشرطة العراقية واقيم اول معرض في حدائق الزوراء في بغداد عام 1974 .

 

4)         استحداث مديرية للتوجيه المعنوي في الشرطة كان في مقدمة اهدافها التوعية باحترام حقوق الانسان منذ عام 1975 .

 

5)         تصعيد الثقافة القانونية بحقوق الانسان ضمن مناهج الدراسة في كلية الشرطة والمعهد العالي للتطوير الامني والاداري ومعهد المرور ، ومنذ عام 1996 اعتمدنا تدريس (الجرائم الماسة بالكرامة الانسانية) ضمن موضوع (الاجرام المعاصر) لطلبة الدبلوم العالي بعلوم الامن الداخلي في المعهد العالي من ضباط قوى الامن الداخلي ……. وتصاعدت العناية بتدريس موضوع حقوق الانسان حتى وصلت الى مستوى ممتاز في الوقت الحاضر .

 

6)         التوجيه لإلقاء محاضرات للتوعية الامنية والقانونية لطلبة الجامعات والمدارس الثانوية والابتدائية .

 

ثانياً // استحداث مؤسسات ادارية متخصصة بتأمين ضمانات احترام حقوق الانسان واهمها :-

 

–           مديريات اقسام متفرغة لتأمين توعية ضباط ومنتسبي قوى الامن الداخلي بمفاهيم وقواعد واحكام احترام حقوق الانسان .

 

–           اهتمام الدوائر القانونية في المديريات العامة لقوى الامن الداخلي وبالتعاون مع استخبارات الوزارة بمراقبة وضبط الضباط والمنتسبين الذين يتجاسرون بانتهاك حقوق الانسان سواء على المواطنين المراجعين ام المتهمين بارتكاب جرائم واحالة من تتوفر ضده ادلة قانونية الى محاكم قوى الامن الداخلي لمحاكمته على وفق احكام القوانين الجزائية المناسبة .

 

–           عناية دوائر العلاقات العامة والاعلام في عموم دوائر ديوان وزارة الداخلية والمديريات العامة لقوى الامن الداخلي ، ومن خلال ندواتها وصحافتها وبرامجها الاذاعية والتلفازية بنشر التوعية باهمية وضرورة احترام حقوق الانسان باعتباره واجب مهني يجسد احترام دستور الدولة وقوانينها .

 

–           قيام مختلف صنوف الشرطة بعمليات منع الجرائم من خلال الدوريات والمراقبات والحراسات وحماية الشخصيات وعقد الندوات واللقاءات يجسد الحرص على حماية حياة المواطنين وحرياتهم وتوطيد امنهم واستقرارهم والتمتع بحقوقهم الانسانية .

 

ثالثاً // التزام عموم دوائر وزارة الداخلية ومديرياتها العامة لقوى الامن الداخلي بتنفيذ احكام القوانين الجنائية والادارية النافذة في البلاد ، والتي تمنع وقوع الجرائم ، وتتخذ اجراءات التحري والقبض والتحقيق ضد المتهمين بارتكاب جرائم ، انما هو تجسيد لكل معاني الدفاع عن حقوق الانسان والحريات العامة ، على اساس ان الجرائم هي اخطر اعتداء على حقوق الانسان ….. وبخاصة الجرائم المنظمة وجرائم الارهاب …..

 

ويتميز رجال ونساء شرطة المرور بما يبذلونه من جهود في تنظيم حركة مرور المركبات وسير المشاة في الطرق العامة في منع حوادث المرور واتخاذ الاجراءات العاجلة لتأمين سرعة اسعاف المصابين منها ، انما يسهم بحماية حياة وسلامة الانسان من احد اهم الاخطار التي تهدد السلامة العامة وحق الانسان في الحياة.

 

رابعاً // واجهت الشرطة العراقية منذ تأسيسها عام 1922 ومازالت تواجه حالها حال مختلف دوائر الشرطة في العالم اتهامات منسوبة الى ضباط او منتسبين فيها بارتكابهم اثناء ادائهم لواجباتهم في مكافحة الاجرام ، اعتداءات ضد حقوق الناس من المراجعين او المتهمين بجرائم ، وتوصف تلك الاعتداءات بانها تعذيب او معاملة قاسية او مهينة ترتكب بدوافع شخصية .

 

وفي الوقت الذي لم تكن قيادات الشرطة في الماضي تعتني بمنع اسباب تلك الاتهامات او كانت تتغافل عن التحري عن حقيقتها ، اضحت قيادات الشرطة الان ، ومنذ سنوات تعتني بمنع اية ممارسات اجرامية ضد المتهمين او المواطنين لاي سبب كان ، وتؤكد على وجوب التزام عموم اجهزة قوى الامن الداخلي بقانونية وانسانية اجراءاتها …… وتعاقب وبشدة من يثبت ارتكابها جريمة تعذيب او معاملة قاسية ماسة بحياة او سلامة او كرامة الانسان .

 

وكان رجال الشرطة العراقيين من رواد التوعية باهمية التزام الشرطة في العراق وعموم الدول العربية باحترام حقوق الانسان ، على اساس القناعة بان هذا الاحترام هو واجب ديني ودستوري واخلاقي يعزز هيبة الشرطة ويرتقي بمكانتها في المجتمع

 

و من الدراسات العراقية بهذا الشأن دراسة المرحوم عميد الشرطة الدكتور زهير الزبيدي عن (الشرطة وحقوق الانسان) التي قدمها للحلقة العلمية الثالثة التي عقدت في تونس سنة 1984 لمناقشة موضوع (اساليب الاعداد النموذجي لرجل الامن) ودراسة عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي عن (حقوق المتهم اثناء التحقيق) التي اعدها كجزء من متطلبات حصوله على دبلوم دراسات عليا بالعلوم الجنائية من اكاديمية الشرطة المصرية عام 1977.

 

ومنذ سنوات كتبت في دراسة نشرت في عام 2006 تحت عنوان (المصلحة الوطنية في تعليم حقوق الانسان) ما يلي ((ان الذين يحتاجون الى تعلم حقوق الانسان والعمل على تأمين احترامها على ارض الواقع في كل مكان في العالم هم الحكام قبل المحكومين ، والعاملين في وكالات تنفيذ القانون قبل المواطنين الاخرين ، وقيادات الحركات السياسية قبل قواعدها ….. بل ان حاجة حكام الدول المتقدمة الى تعلم احترام حقوق الامم والشعوب وحقوق الافراد اكثر من حاجة حكام الدول الاخرى)) .

 

ومن المفيد ان نؤكد ما سبق ان اكدناه في دراســـــات سابقة :-

 

–           ان حقوق الانسان النافذة في عصرنا هي تجسيد معاصر لاحكام وردت في جميع شرائع السماء ، وهي نتاج نضال جميع شعوب وامم العالم .

 

–           ان احدث المواثيق الدولية التي اعتنت بحقوق الانسان ، حرصت على الاعتناء بحقوق الامم والشعوب في تقرير مصيرها وتامين حريتها في تحديد مركزها السياسي وتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، الى جانب اعتناء تلك المواثيق بحقوق الافراد .

 

–           ان حقوق الافراد الانسانية ليست فقط حقوق سياسية وانما هي شاملة لجميع الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

 

–           ان حقوق الافراد الانسانية العامة تقترن بحقوق انسانية تعتني فقط بفئة من البشر هم :-

 

– الاطفال بموجب اتفاقية الامم المتحدة عن حقوق الطفل لسنة 1989 .

 

– السجناء بموجب قواعد الحد الادنى لمعاملة السجناء لسنة 1955 .

 

– المرأة بموجب اتفاقية الامم المتحدة للقضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة الصادرة سنة 1979 .

 

– ضحايا الاجرام بموجب اعلان القاهرة لسنة 1989 .

 

–           من الخطأ الجسيم ان تدرس حقوق الانسان بمعزل عن دراسة واجباته ، لان الحياة الانسانية لن تزدهر الا بالموازنة العادلة بين الحقوق الانسانية والواجبات الوطنية . ((عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي –  الموازنة الدستورية بين الحقوق والواجبات الانسانية –  جريدة الزمان –  13 / 11 / 2005)) .

 

 

{ محام ولواء شرطة متقاعد