الشاعرة والقاصة الفلسطينية منى الظاهر: لا تناقض بين الأديب وطبيعته الإنسانية
عزيز البزوني
منى ظاهرشاعرة وكاتبة وباحثة ومحرّرة لغويّة فلسطينية من النّاصرة, حاصلة على شهادة الماجستير بامتياز، بتخصّص في الأدب النّسائيّ ضمن قسم الدّراسات العربيّة والإسلاميّة في العام 2014، بعد أن أنجزت رسالة حملت عنوان “حينما يتعرّى الجسد أمام مرآته: توظيف الجسد الأنثويّ والمثليّة الجنسيّة الأنثويّة في الرّواية النّسائيّة العربيّة الحديثة التقيناها وكانت محصلة ماخرجنا به من خلال هذا الحوار معها:
{ ماهي اهم ابرز ماكتبته الشاعرة منى الظاهر وتعتبر نقطة تحول في حياتها الادبية والعلمية؟
نشرتُ عدّة دراسات ومقالات أدبيّة علميّة وقد أصدرلها لغاية الآن ثمانية كتب أدبيّة شعريّة ونثريّة: شهريار العصر، مجموعة شعريّة (1997، النّاصرة). ليلكيّات، مجموعة شعريّة (2001، النّاصرة). طعم التّفّاح، مجموعة شعريّة (2003، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، سلسلة كتابات جديدة، القاهرة- مصر). حكايات جدّتي موفادّت، نصوص (2003، دار العالم الثّالث، سلسلة الأدب الفلسطينيّ، القاهرة- مصر). أصابع، نصّ طويل (2006، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، بيروت- لبنان). خميل كسَلها الصّباحيّ- خزفيّة نصّيّة لرفْسة غزال، نصّ طويل (الطّبعة الأولى: دار أزمنة- عمّان (2008،) الطّبعة الثّانية: المؤسّسة الصّحفيّة بالمسيلة للنّشر والتّوزيع والاتّصال، الجزائر- 2009، بدعم من وزارة الثّقافة الجزائريّة). يوميّات شفق الزّغلول، نصّ طويل (2011، دار فضاءات للنّشر والتّوزيع، عمّان- الأردن). الأرجوحة 13، قصص (فبراير 2015، دار العين للنّشر، القاهرة- مصر). حاصلة على المرتبة الثّانية، بعد الشّاعر الكبير سميح القاسم، ضمن فئة “أدباء وكتّاب محلّيّون” في استطلاع موقع بكرا لشخصيّة العام 2013. لها قصائد ونصوص مترجَمة للّغات: العبريّة، الإنجليزيّة، الفرنسيّة، الإسبانيّة، التّركيّة، الألمانيّة.
{ ماهو مفهوم الالتزام في كتاباتك؟
ونحن اليوم في القرن الواحد والعشرين، لا بدّ من أن أؤكّد على إيماني بمسألة الحساسيّة الخاصّة في الكتابة الإبداعيّة الجديدة، وفي التّحوّل النّوعيّ والجذريّ في هذه الكتابة الحداثيّة، والّتي تحمل أسئلة ورؤية مغايرة في نظرتها للقضيّة: الكتابة والنّصّ الإبداعيّ، الذّات والعالم. هذه الكتابة الحداثيّة والتّجريبيّة على وجه الخصوص تخلخل الفهم الكلاسيكيّ الضّيّق للالتزام في صميمه، لأنّها تحاول تفكيك التّقاليد الأدبيّة المحتكِمة للأيديولوجيّ، وتُحرِّر النّصّ الإبداعيّ من كلّ تبعيّة، ومن كلّ نظرة مسبّقة ومسلّمات. وتجعل الرّؤية إلى النّصّ الأدبيّ محتكِمة للقيمة الأدبيّة والجماليّة بالدّرجة الأولى، وهذا لا يعني التّنكّر للمجتمع والتّاريخ والواقع. بل تُدخِل الكتابة في أفق مغاير، لا مألوف، لا مفكّر فيه، يجعلنا نصطدم بالأسئلة الهامشيّة أو المهمّشة والقضايا المنسيّة والعلائق الممكنة بين الأشياء والوجود. بالتّالي، فإنّ الكتابة غير المقيّدة بالقضيّة الفلسطينيّة بشكلها المباشر مثلًا، لا يعني انحسارها في البرج العاجيّ، بل يمكن الالتفات إلى أنّ استغوارها في الذّات الفرديّة الكاتبة والقلقة وجوديًّا يعني غوصها عمليًّا في وجدان المجتمع والتّاريخ الجمعيّ. كما أنّ الكتابة النّسائيّة الّتي تُعنى بالذّات النّسائيّة وبقضايا النّساء لا يعني أنّها تنحصر في هذا الإطار السّطحيّ ضيّق الأفق، بل قد تتقصّد الكاتبة في نصّها أن تُقِيم عبر ذاتها أو/ وجسدها حوارًا مركّبًا مع الأشياء والعالم، وتجابِه الخارج وتقرأ كلّ ما يحيط به من بيئة ومجتمع وعادات وموروثات وغيره. وعليه، فإنّه لا بدّ من التّأكيد على أنّ الكتابة الأدبيّة الإبداعيّة المتميّزة ثيماتيًا وفنّيًّا المكتوبة بقلم رجل أو امرأة هي كتابة إنسانيّة بالأساس. والكتابة الحقيقيّة هي المنتصرة لقيمتها الكونيّة الجماليّة. ولهذا يكون من الملزِم الاشتغال والحفر للوصول إلى الخفيّ في أقاصي التّأمّل لهذا الوجود بكلّ مركّباته وتفاصيله وأنفاسه. وممّا تقدّم فإنّ الالتزام يكون بالكتابة كقيمة عليا، ويكفي عندها أن تكون الكتابة في حدّ ذاتها هي الالتزام والتّقيّد بها. أمّا الالتزام بقضيّة واحدة/ بموضوع واحد في الكتابة فهو متجاوَز في نظري وفي نظر الكثيرين من العالم الغربيّ والعربيّ، وليس معيارًا لجوهر الأدب وفنّيّته. فحريّ بالأدب أن يكون أدبًا أوّلًا، ولا يأتي ذلك إلّا بالإخلاص للتّجربة الحقيقيّة في الكتابة الخالصة الّتي تطمح بتماس الكينونة العامّة، بكلّ ما فيها من أبعاد كامنة ومنظومات سياسيّة، اجتماعيّة، شخصيّة، نفسيّة وغيرها..
{ حدثينا عن اجواء المكان الاول الذي اثر في حياتكِ ككاتبة وشاعرة
العصفور المقيم في فضاء مكاني الأوّل هو العصفور نفسه المقيم في هذا الفضاء حاليًّا، هو عصفور الشّمس الفلسطينيّ الّذي قد يكون يمرّ برفرفة جناحيه الصّغير وتغريده من على صفحة بحيرة قد تكون بحيرة طبريّا أو الحُولة الّتي يجتمع فيها نبات القصّيب والطّيّون.. وعلبةٌ حبريّة حبّاريّة تقيم في نبضي، تختار أن تخضخض الأفق بِجُمل راكدة تعتلي حِنّاء الجدران الباسقة العالية الشّامخة المتحرّشة بأطراف حدود الشّوارع وحفنات الأزقّة والحواري حيث أسكن في النّاصرة منطلقة إلى الفضاء الرّحب بكلّ ما في جعبتي من نصوص بحمولات متنوّعة. النّاصرة هي مكاني الأوّل في هذه الأرض الّتي يعيش فيها سكّانها الفلسطينيّون بمختلف طوائفهم، بمحافظة على التّقاليد والعادات ويعملون على التّمسّك بلغتهم/هويّتهم. في النّاصرة أسكن مع أسرتي في البلدة القديمة التّاريخيّة في حيّ أطلق عليه قديمًا اسم حارة الظّواهرة- نسبة إلى جدّي ظاهر العمر الزّيدانيّ صاحب المشروع العروبيّ القوميّ النّهضويّ التّحرّري من القرن السّابع عشر. وأقتبس من كتابي “يوميّات شفق الزّغلول” الصّادر في عمّان الأردن 2011 مقاطع توثّق ما جرى على هذه الأرض من العام 2006 وحتّى العام 2010, هنا وزّعت الأمّ التّمر والفاكهة المجفّفة على روح فلذتيّ كبدها ربيع ومحمود عبد الرّحيم طلّوزي.. وقالت لنا نحن النّساء المحتشدات في بيتها الكائن في حيّ من أحياء النّاصرة العتيقة الصّامدة ببيوت حجريّة متواضعة جدًّا: حالي كحال كلّ الأمّهات اللاتي فقدن أبناءهنّ في الضّفّة والقطاع وفي لبنان.. هدى هناك بقيت وحيدة دون أحد.. كانت مع رمل الشّاطئ ودموع البحر في غزّة.. وأنا هنا ما زلت أمًّا.. سأكون كذلك من أجل أولادي الباقين.. شكرًا للّه الّذي يحتفظ في جنّته هناك بهما.. “سآتي إليكما.. لكنّني لا أعلم متى؟ انتظراني.. كلّنا سنأتي..” في اليوم الثّاني عشر: تتحدّث امرأة ترتدي ملابس الحرب مع أخرى وتقول: مجانين هم هناك في الضّفّة.. ألا يدرونَ أنّ أسلحتنا كثيرة وممتدّة.. فليبقوا صامتين في هدنة. ثمّ نسمع عن طفلٍ يولدُ.. يحملُ حجرَ مقاومة وينادي “سأبقى وعائلتي.. سنبقى على أرضنا”, في السّوق العتيق في النّاصرة، يطلّ من بين الأزقّة محمّد ومجد، بشارة وهالة؛ كلّهم يبحثون عن متّسع مكانيّ للعبهم، لأنّ حيطان بيوتهم ضيّقة، بالكاد تتّسع لفَرْشات أسرّتهم.قرقعات أحذيتهم البالية تسمعها الشّرفات المهمَلة أو المتروكة تحت خطّ فقرٍ.. والقرقعات نفسها تَسمَع كلماتٍ من شبابيك أخرى في السّوق نفسه لساكنين جدد.. الأصدقاء الأربعة لا يفهمون معناها، لأنّها بلغة يقولون عنها العبريّة. ويتساءلون في طريق عودتهم: “هل ستتبقّى كسرات الخبز إلى يوم غد؟ ويحدث أحيانًا أن يروا بين أيدٍ صغيرة حبّات “عين الشّمس” المقشّرة المحمّصة في صومعة أكياس ورقيّة من المحلّ الكبير، الّذي يشتري بضاعته من مطحنة الجليل- البابور ذات الأبواب الخشبيّة العملاقة. يقرّرون أن يتقنوا العبريّة ليفهموا أحاديث السّكّان بجوارهم. تطلُّ من شبّاكها الواسع عليهم زهيّة وتناديهم ليصعدوا إليها، ليتذوّقوا أكْلة نبات الخُبّيزة مع البصل أو أوراق العِلتِ المقليّـــة مع البصل، أو طبقًا من نبات العَكّوب المطهوّ مع اللحم، إلى جانبه طبق اللُوف المقليّ بالزّيت مع البصل والمضاف إليه زيت الزّيتون والحامض والملح.. ثمّ يغادرون مع بعض الفاكهة والحلوى.
{ هل يمكنكِ كشاعرة ان تعيشي حياتك كانسان عادي وفي الوقت نفسه ان تعيشي حياتك الأخرى الأعمق كمبدعة ؟ وكيف؟
الإبداع عمومًا في جيناتي، الشّاعر أو الكاتب الحقيقيّ يبقى كذلك في كلّ مسارات حياته وخارج سياق نصّه. لا أعتقد أنّه يمكنني الفصل التّامّ بين كوني كاتبة وإنسانة أعيش في هذا الواقع، لأنّني أظلّ أحارب بالأساس لأكون بحقيقيّتي وأمارس حياتي وفق منظوري الوجوديّ المتعمّق في هذا الكون والمتأمّل لما فيه من حيوات وكائنات وأحداث على مختلف الصّعد. لكن في الوقت نفسه لا أغفل عن الاشتغال الجادّ مع نفسي في الحياة الأكاديميّة مثلًا لأقنّن من مزاجيّة المبدعة فيّ. هذا وأجد أنّ هذا العيش في العالمين يخلق غربة كثيرًا ما أشعر بها وأتلمّسها لأنّها تهبّ عليّ بين حال وأخرى، هذه الغربة والاغتراب مع من وما حولي في هذا الفضاء المقيّد عمومًا، وفي الدّاخل الفلسطينيّ خصوصًا مع وجود حدود السّياسة والجغرافيا. وقد أدركت من زمنٍ أن تكويني النّفسيّ والإنسانيّ هو تكوين من يقال عنهم خارج التّيّار أو السّرب، وبالتّالي نظرتي للأمور متمايزة ولا تنفتىء تلتصق بمركّبات عناصر جوّانيّتي الّتي هي ذاتي المختلفة عن الآخر سواءً كان هذا الآخر امرأة أو رجلاً أو مبدعة أو مبدعًا، وهي عناصر متزاوجة مع الكونيّ المتوحّد في الطّبيعة بما فيها من تناقض ثنائيّ. ويخطرني هنا سؤال وجّهه لي أحد الأصدقاء وهو باحث في علم الأعصاب وعلم النّفس، سألني هل تعرفين أحدًا يمارس الكتابة ويعاني من الشّيزوفرينيا؟ ليجري على حالته بعض التّجارب. أجبته وأنا أضحك: “عزيزي، نحن لا نكتب إلّا في مرحلة ما بين الوعي واللّاوعي، هذا وقد كتبت في إحدى الدّعسات في كتابي “خميل كسلها الصّباحيّ- خزفيّة نصّيّة لرفسة غزال” أنّني اكتشفت لغاية الآن أنّني ثلاثة نساء داخل امرأة واحدة: “في جنونِ الموسمِ هذا، أستيقظُ اليومَ وعلى شفتيّ ابتسامة حلّ مؤقّت لوهم لُغزٍ: أجد أنّني اليومَ ثلاث.. أراني في وجوه ثلاثة.. كلّها لي” (الدّعسة الثّانية والعشرون). بالتّالي أظنّ أنّ المبدع عمومًا يعاني في أجزاء من دواخله من هذا الانفصام أو إن صحّ التّعبير أكثر يعاني من هذا الشّصام لأنّه المصطلح الأدقّ للشّـــــــــيزوفرينيا، لأنّ المبدع يبني عوالمه المتّصلة والمنفصلة عن هذا الواقع ويعيـــــــــش فيها وقد تحدث لديه بعض الهلاوس البصريّة لأشياء يلتقطها من الواقع ويقرؤها هو بطريقته، يخلق من هذا الواقع العاديّ عوالم كثيرة: سحريّة وملتبسة وسهلة ممتنعة ومنزاحة عن هذا الّذي نسمّيه واقعًا. أوَليـــــس الواقع هو نفسه جزءًا من الخيال؟
{ كتابك الصادر مؤخرً هو مجموعة قصصية بعنوان الأرجوحة “13”حدثينا عنها
قصص “الأرجوحة 13” تتوزّع على حوالي مئة صفحة من القطع المتوسّط، بإصدار “دار العين للنشر” في القاهرة.تعتمد هذه القصص المخلصة لفنّ القصّة على تجاوز القوالب الثّابتة وخلخلتها نحو إبداع يحتكم إلى أفق وعي وجمال، وحكاياتها ترتكز على الأرجحة بين القطبين: الرّجل- المرأة وثنائيّة: الحبّ/ العشق- القتل/ الموت، الظّلام- النّور، المرض- الصّحّة، الجنون- اللّعب، الغرائبيّة والهذيان والسّحر- الواقعيّة والرّعب والجريمة، البشر- الحيوان، وغيرها. وهي نصوص غنيّة ببعدها الإنسانيّ، ومن ضمن شخصيّاتها تجد الشّخصيّات النّسائيّة، وبعض القصص تتركّز في العوالم النّسائيّة. وهذا تأكيد على الذّهاب إلى عوالم مسكوت عنها ومنسيّة ولا مألوفة باشتغال تخييليّ وحلميّ من منطلق إنسانيّ وجماليّ صرف. إضافة إلى أنّه تبرز قضيّة توظيف الجسد والاحتفاء بشعريّته وبطبقاته الخفيّة. مع الإشارة إلى أنّ قصص “الأرجوحة 13” ذات نزوع فانتازيّ وتجريبيّ.. وأترك للقراءة والنّقد اكتشاف منجزها بدل أن أشوّش على أفقها.
{ كلمة اخيرة قبل اسدال الستار
لا يسعني إلّا أن أتمنّى لكلّ العراق مهد الحضارات وتنوّعها أيّام طمأنينة وسلام. وأنتهز الفرصة هنا لأضمّ صوتي مع كلّ صوت حقيقيّ وحرّ وأبيّ، يتفانى من أجل كرامته وحقّه بالعيش بشرف وبعزّة في وطنه الّذي هو وطن أبنائه وبناته بالأساس.






















