السيطرات – حسن النواب

حسن النواب

 

الخطى‭ ‬ضياعٌ،

والدروب‭ ‬هروب‭…‬

اقطع‭ ‬أنفاسك‭ ‬عن‭ ‬رئة‭ ‬الخراب،

خياشيم‭ ‬الحرف؛

كيما‭ ‬تجسسُّ‭ ‬على‭ ‬هزيمتك‭ ‬الريح‭!‬

في‭ ‬السيطرات‭ ‬التي‭ ‬مرَّ‭ ‬بها‭ ‬الناجون،

من‭ ‬مقصلة‭ ‬النار‭ ‬وحديقة‭ ‬البارود،

كان‭ ‬الخوف‭ ‬بأصابع‭ ‬الرماد‭ ‬،

يصافح‭ ‬دون‭ ‬حيلة،

هراوة‭ ‬نقطة‭ ‬التفتيش؛

يتجنَّبُ‭ ‬الصمت‭ ‬بالهذيان،

ويدعو‭ ‬المطر‭ ‬إلى‭ ‬التصعلك‭ ‬في‭ ‬زجاج‭ ‬العيون،‭ ‬

هل‭ ‬رآنا‭ ‬الرصاص‭ ‬ونحن‭ ‬نعبر‭ ‬بموتنا،

من‭ ‬مرجل‭ ‬الجنوب‭ ‬إلى‭ ‬أيقونة‭ ‬الثلج؟

من‭ ‬دوَّنَ‭ ‬الشعر‭ ‬على‭ ‬أبواب‭ ‬الخنادق،

ومعاطف‭ ‬الجبال؟

وتنكـَّر‭ ‬بزي‭ ‬المخبول،

والهلع‭ ‬زاده،

مشرّدون‭ ‬من‭ ‬تنانير‭ ‬السواتر‭ ‬الأولى،

متسرّبون‭ ‬من‭ ‬سيطرات‭ ‬الإعدام؛

والكون‭ ‬كله‭ ‬يصيح‭:‬

هروب‭..‬

ردَّدَها‭ ‬صفير‭ ‬القذائف‭ ‬البلهاء،

‭ ‬والقصف‭ ‬المعتقل‭ ‬بين‭ ‬كفوف‭ ‬الخوف،‭ ‬

وبرك‭ ‬المآقي‭ ‬المطفأة‭ ‬بالقلق‭ ‬من‭ ‬هول‭ ‬السهر؛‭ ‬

هروب‭..‬

حروف‭ ‬دجّنها‭ ‬الهلع‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬الفتنة‭ ‬والدم،

والسيطرات‭ ‬شكوك‭ ‬واحتمال،

لكن‭ ‬الأقدام‭ ‬الجريحة‭ ‬راكضة‭ ‬إلى‭ ‬عماها،

من‭ ‬سواها‭ ‬الآن،

يترقَّبُ‭ ‬وهم‭ ‬الطيران‭ ‬بمدينة‭ ‬نارها‭ ‬الريش‭!‬

يسطع‭ ‬أسىً‭ ‬حتى‭ ‬الأزل،

لا‭ ‬ترقــّب‭ ‬لنا‭..‬

مادامت‭ ‬إجازاتنا‭ ‬في‭ ‬قبضة‭ ‬نقطة‭ ‬التفتيش،‭ ‬

كانت‭ ‬الإجازات‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب،

حبَّة‭ ‬اسبرين‭ ‬لعليل‭ ‬بداء‭ ‬السرطان؛‭ ‬

بالله‭ ‬عليكم‭ ‬هل‭ ‬يُشفى؟

كانت‭ ‬الإجازات‭ ‬صك‭ ‬غفران‭ ‬مدموغ،‭ ‬بالشتائم‭ ‬وسيل‭ ‬إهانات؛

‭ ‬للعبور‭ ‬إلى‭ ‬حانة،‭ ‬

أو‭ ‬منتجع‭ ‬قروي‭ ‬للغانيات‭..‬

أو‭ ‬لثم‭ ‬شباك‭ ‬وليّ‭ ‬وإمام‭ ‬معصوم،

في‭ ‬مدن‭ ‬مقدسة‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تدنو‭ ‬منها‭ ‬النار،

بنا‭ ‬ظمأ‭  ‬ٌ‭ ‬لعين‭ ‬لخمرةٍ‭ ‬تلجم‭ ‬رعبنا،

بنا‭ ‬جوع‭ ‬أعمى‭ ‬لشمّ‭ ‬رائحة‭ ‬النساء؛

بنا‭ ‬بكاء‭ ‬ذليل‭ ‬لاتنوح‭ ‬به‭ ‬حتى‭ ‬امرأة‭ ‬عمياء،

بنا‭ ‬شغف‭ ‬لهضم‭ ‬كتاب‭ ‬صدر‭ ‬حديثاً،

بنا‭ ‬لوعة‭ ‬وشغف‭ ‬لكأس‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬الأدباء،

بنا‭ ‬رعب‭ ‬فاتك‭ ‬عشَّشَ‭ ‬في‭ ‬مجاهيل‭ ‬قلوبنا،

جحيم‭ ‬السماء‭ ‬أرحم‭ ‬منه؛

هكذا‭ ‬كُنَّا،

والإجازات‭ ‬تشحُّ‭ ‬في‭ ‬أتون‭ ‬النار،

رواتبنا‭ ‬فداء‭ ‬لها؛

وهدايا‭ ‬نسرقها‭ ‬من‭ ‬حوانيت‭ ‬المدينة،

ممهورة‭ ‬بالذل،

وأكباش‭ ‬قرونها‭ ‬المقصلة،‭ ‬كلها‭ ‬رشاوى؛

حتى‭ ‬نتجَّنب‭ ‬الإهانة‭ ‬والركل‭ ‬والبصاق،‭ ‬

في‭ ‬السيطرات،

‭ ‬وا‭ ‬ويلتي‭ ‬على‭ ‬الأمهات؛

‭- ‬امي‭ ‬احرقي‭ ‬كفني‭..‬

لأني‭ ‬سأعود‭ ‬حفنة‭ ‬رماد؛

تـُرى‭ ‬هل‭ ‬يشفع‭ ‬قميصنا‭ ‬المدني‭ ‬لنا‭ ‬بالمرور‭..‬

وانت‭ ‬أيها‭ ‬البريء‭ ‬مثل‭ ‬مطر،

أنت‭ ‬أيها‭ ‬المطر‭..‬

تصعلك‭ ‬وانهمر‭ ‬بكثافة‭ ‬على‭ ‬نافذة‭ ‬الحافلة،

حتى‭ ‬لا‭ ‬ترانا‭ ‬هراوة‭ ‬نقطة‭ ‬التفتيش،‭ ‬

كفّ‭ ‬عن‭ ‬نزف‭ ‬الكحل‭ ‬المدمـّى،

لاتفضح‭ ‬ارتباكنا،

لاتفضح‭ ‬خوفنا‭ ‬بتمرد‭ ‬الدموع،

لاتفضحنا‭..‬

هات‭ ‬لنا‭ ‬سروالاً‭ ‬جبليـَّاً؛

يطفئ‭ ‬فضول‭ ‬السيطرات،

وريبة‭ ‬الهراوة‭ ‬المتأهبة‭ ‬لجلد‭ ‬ظهورنا‭..‬

السيطرات‭ ‬بحجم‭ ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬يتقدمنا،

السيطرات‭ ‬فخاخ‭ ‬معلنة‭ ‬للجنون‭ ‬والعدم،‭ ‬

‭- ‬أراهُ‭ ‬ُيمضي‭ ‬مرتبكا‭ ‬إلى‭ ‬رابية‭ ‬التجلــّي،

‮«‬شوان‮»‬‭ ‬رابية‭ ‬مشاعل‭ ‬النفط‭ ‬وأعواد‭ ‬المشانق‭ ‬للعصاة؟

‮«‬شوان»ربيئة‭ ‬صارت‭ ‬لنا‭..‬

صارت‭ ‬مملكة،‭ ‬

نسمع‭ ‬صيحات‭ ‬المرعى‭ ‬وغناء‭ ‬الماء،

هي‭ ‬خيمة‭ ‬العنكبوت؛‭ ‬مملكة‭ ‬السكوت،

وانا‭ ‬ملكٌ‭ ‬تاجي‭ ‬الكلام؛

وعرشي‭ ‬هذا‭ ‬اللسان،

وتحد‭ ‬ٍمبتكر‭ ‬للظنون‭!‬

الآن‭ ‬فقط‭..‬

سأغسل‭ ‬قميصي‭ ‬المدني‭ ‬من‭ ‬دبق‭ ‬الحروب،

وهذيانات‭ ‬الشظايا،

هل‭ ‬هذا‭ ‬ملح‭ ‬في‭ ‬سرّتي

أمْ‭ ‬لعنة‭ ‬البارود؟

جائع‭ ‬لطعام‭ ‬مدني،

ليس‭ ‬هناك‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬فتنة‭ ‬الجوع،

في‭ ‬رابية‭ ‬‮«‬شوان‮»‬،

بينما‭ ‬البغال‭ ‬تحلب‭ ‬ضرع‭ ‬الشعر،

بهزائمنا‭ ‬ومخاوفنا،

وأنا‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬ممر‭ ‬للنجمة،

اعتق‭ ‬في‭ ‬ثناياه‭  ‬الزغب،

الليل‭ ‬في‭ ‬‮«‬شوان‮»‬

الشاهد‭ ‬الأخرس،

عمـّا‭ ‬ينطق‭ ‬به‭ ‬النهار‭ ‬الثرثار،

والبنادق‭ .. ‬هي‭ .. ‬هي‭ ..‬

تخدش‭ ‬ذاكرة‭ ‬الجبل‭ ‬في‭ ‬فجر‭ ‬العرضات،

هروب‭..‬

هروب‭..‬

مادامت‭ ‬السواتر‭ ‬توابيت

والسيطرات‭ ‬مقصلة

والشاعر‭ ‬مئذنة

وسور‭ ‬الفجيعة‭ ‬يضيق‭ ‬كالنطاق‭..‬

هذي‭ ‬رابية‭ ‬‮«‬شوان‮»‬

أمْ‭ ‬حديقة‭ ‬الهايد‭ ‬بارك؟

ما‭ ‬أروع‭ ‬أنْ‭ ‬تشتم‭ ‬الطاغية‭ ‬بلا‭ ‬خوف،‭ ‬

ورعية‭ ‬المعنى‭ ‬تصفق‭ ‬إليك،

ياه‭..‬

في‭ ‬فردوس‭ ‬أنا‭..‬

ربَّما‭ ‬غرغرة‭ ‬الموت‭ ‬تخدعني،

في‭ ‬شعلة‭ ‬أبراج‭ ‬النفط،

سأقود‭ ‬قنديلي‭..‬

وأشعلهُ‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الأسى،

نكاية‭ ‬بالغاب‭ ‬وقبعة‭ ‬الانضباط‭ ‬العسكري‭..‬

اصعد‭ ‬جبلا‭ ‬من‭ ‬بياض‭ ‬لحى‭ ‬الشيوخ،

وحنيني‭ ‬لسواد‭ ‬القاع‭..‬

اجتاز‭ ‬قرى‭ ‬من‭ ‬جوع‭ ‬وبارود،

ومقابر‭ ‬من‭ ‬هلاهل‭ ‬ونحيب،

ومزارع‭ ‬من‭ ‬فحم،

وخطاي‭ ‬في‭ ‬السيطرات‭ ‬آخر‭ ‬اختبار،

بعت‭ ‬سيفي‭ ‬المثلوم‭ ‬لشراء‭ ‬زجاجة‭ ‬خمر؛

ومكثت‭ ‬أحارب‭ ‬بطلق‭ ‬اللسان،

يا‭ ‬لأجنحتي‭ ‬ما‭ ‬أبهاها،

فلقد‭ ‬نضج‭ ‬الزغب‭ ‬عليها،

وصارت‭ ‬تحلِّقُ‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬رابية‭ ‬‮«‬شوان»؛

وهناك‭ ‬استجوبني،

فلم‭ ‬يجد‭ ‬سوى‭ ‬قميصي‭ ‬الذي‭ ‬خرمشته‭ ‬الحروب‭ ‬بحرابها‭ ‬وشظاياها،

ولسان‭  ‬دون‭ ‬أجنحة،

‮«‬ماس‭ ‬تاو‭.. ‬ماس‭ ‬تاو‭ ‬‮«‬‭ ‬

صفرة‭ ‬في‭ ‬البياض،

وصورة‭ ‬الطاغية‭ ‬في‭ ‬ورق‭ ‬القمار‭ ‬تختنق،

اسقيه‭ ‬لبنا‭ ‬من‭ ‬ثدي‭ ‬الجبل،

أم‭ ‬شعراً‭ ‬من‭ ‬حوصلتي‭ ‬المختنقة‭ ‬بالدخان،

أمْ‭ ‬خمر‭ ‬ثوُّار؟

كأنَّ‭ ‬الطاغية‭ ‬يترنَّحُ‭ ‬في‭ ‬رأسي،

والجبل‭ ‬يحتضر،

تلك‭ ‬سيطرات‭ ‬الثلج،

تابوته‭ ‬الأخير،

الآن‭ ‬ارقص‭ ‬مثل‭ ‬طائر‭ ‬‮«‬القبج‮»‬‭ ‬الأعمى،

واشعل‭ ‬مواقد‭ ‬الثلج‭  ‬بالبروق،

خنجري‭ ‬فكّ‭ ‬شاة‭ ‬نافقة‭ ‬من‭ ‬الجنوب؛

واصابعي‭..‬

الدمع‭ ‬المتجمد‭ ‬على‭ ‬خدِّ‭ ‬العروس،

وهبطت‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬جبل‭ ‬في‭ ‬رأسي،

نجوتُ‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬أولى؛

بهلوسة‭ ‬المجنون‭ ‬والرعب‭ ‬ثوبي،

واستغفلتُ‭ ‬ثانية،

بالبكاء‭ ‬حرقةً‭ ‬على‭ ‬شهيد،‭ 

هو‭ ‬بالواقع‭ ‬صديقي‭ ‬المعدوم‭!‬

وعبرتُ‭ ‬ثالثة،

بترديد‭ ‬شعار‭ ‬الحزب‭ ‬الملعون؛

‭ ‬ورابعة‭ ‬وخامسة‭ ‬وعاشرة‭ ‬وانا‭ ‬اصرخ‭ ‬همسا‭ ‬داخل‭ ‬قلبي‭:‬

أمَّن‭ ‬يجيب‭ ‬الشاعر‭ ‬إذا‭ ‬دعاهُ‭..‬

آهٍ‭.. ‬متى‭ ‬يمـرّ‭ ‬الشاعر‭ ‬مطمئناً

بريئاً‭ ‬كحبات‭ ‬مطر‭..‬

والسيطرات‭..‬

‭ ‬تومىء‭ ‬له‭ ‬بالتحايا‭ ‬والقـُبلْ‭!‬

متى‭ ‬يمـرّ‭ ‬الشاعر

‭ ‬واثقاً‭ ‬من‭ ‬موتهِ

ويؤجل‭ ‬هذا‭ ‬الهروب‭.                                                           

بغداد

إشارات

‮«‬ماس‭ ‬تاو‭ ‬‮«‬‭ ‬كلمة‭ ‬كردية‭ ‬تعني‭ ‬اللبن‭.‬

‮«‬‭ ‬القبج‭ ‬‮«‬‭ ‬طائر‭ ‬جبلي‭ ‬غرِّيد‭.‬

حسن‭ ‬النوَّاب‭ ‬