السياسي المحافظ اللورد سالزبوري 1830-1903.. مهندس الإنتصار الدبلوماسي البريطاني على الفرنسيين

السياسي المحافظ اللورد سالزبوري  1830-1903.. مهندس الإنتصار الدبلوماسي البريطاني على الفرنسيين

عمر ابراهيم الشلال

ولد روبرت آرثر تالبوت كاسكوين سسل الشهير باللورد سالزبوري  (الماركيز الثالث منذ سنه 1868) في 3 شباط سنه 1830 في هاتفليد هو الابن الثاني لجيمس الماركيز الثاني من زوجته ماري كاسكوين  . اللورد سسل كما أصبح اسمه فيما بعد ، تلقى تعليمه في ايتون واكسفورد، كانت صحته حرجه بعد مغادرته اكسفورد، أمضى سالزبوري سنتين في البحر في رحله حول العالم حيث زار استراليا وتسمانيا ونيوزلندا، بعد عودته الى الوطن تقدم لعضويه البرلمان في 22 شباط عام 1853 ، دون أي معارضه نائبا عن ستانفورد في لينكولن شاير وفي العام نفسه انتخب زميلا في كليه (اول سولس ALL Souls College) ). تزوج سالزبوري عام 1857 من الابنة الكبرى لسير ادوارد هال الدارسون ، التحق سالزبوري بجريده سترودين الذي اسسه مع صهره الكسندر بيرز هوب ، معظم كتاباته كانت مخصص لمجله كوارتررفيو حيث كانت مقالاته تنشر فيها دون ذكر اسمه ويمتاز بالأسلوب الأدبي الحيوي والشفاف مما اكسبه شهره في صفحاته خلال الأعداد الاربع والعشرين التي صدرت بين 1860 الى 1866.  وقد اعيد طبع ستة مقالات بالمجلة ثلاثة منها مقالات عن السيرة الذاتية  (بت وكاستر وبريك) وثلاثة أخرى كانت تدور حول قضايا اجنبيه وكانت هذه المقالات شديدة اللهجة وغير مساومة لسياسة اللورد جون راسل  Lord John Russell))، وهذا ربما يؤشر اول معرفته واهتمامه بالأمور الخارجية . واستطاع سالزبوري ان يثبت جدارة في البرلمان كعضو لامع وفعال في مناقشه الاجراءات العامة وكمدافع عن مبادى حزب المحافظين  بما يتعلق بالسياسة الخارجية . في عام 1865 سالزبوري خلف اخيه فأصبح يعرف ب (فايكاونت كرانيون) . تولى سالزبوري منصب وزير الهند في عام 1866 وقد استمر في هذا المنصب لسبعه شهور فقط لخلافه مع رئيس الوزراء دربي  وبنيامين دزرائيلي   Benjamin Disraeli 1804-1881)) حول لائحة الإصلاح الثانية . بقي في منصبه كعضو عن حزب المحافظين حتى وفاه والده في عام 1868اذ قام بخلافه والده في ذلك العام (ماركيز). اللورد سالزبوري ودوره في السيطرة البريطانية على قبرص:

   عزز التوجهات البريطانية نحو قبرص وجود وزراء في حكومة دزرائيلي كانوا من انصار ودعاة حماية المصالح البريطانية في اسيا العثمانية عن طريق وجود قاعدة مساندة تقابل الوجود الروسي هناك وكان ابرزهم اللورد سالزبوري وزير الهند ، ففي 21  اذار 1878 اقتراح سالزبوري على دزرائيلي بانه تعويضا عن المناطق التي أخذتها روسيا في اسيا الصغرى يجب ان يتم تامين موقعين بحربين لبريطانيا وذكر ليموس وقبرص مع احتلال مؤقت مكان مثل الاسكندرونه وعليه دعا دزرائيلي لتقديم التقارير بشان امكانيه الحصول على بعض القواعد التي ربما سيبطل من خلالها فعليا توسعا روسيا اخر. وقال سالزبوري.. ان مجرد وجود الروس في قارص سوف يتسبب في اثاره انتباه كل من بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين وسوريا نحو الشمال (أي ضد الدولة العثمانية) وسيظهر الروس في كل بلاد خالقين الفوضى التي سيستفيدون منها وستتحول الاقاليم إلى مناطق روسية ولأيمكن تفادي انحلال تركيا إلا إذا كانت بريطانيا موجودة في ميناء ما في الشرق وذلك يعني حلف دفاعي مع الباب العالي يأخذ على عاتقه مهمة حماية إمبراطورتيها الأسيوية من ايه هجمات روسية قد تكون بعض الموانئ في الشرق ضرورة مطلقه . إذا ان وجود ميناء يقع على مسافة أربعه ايام إبحار من ساحة العمليات مثل مالطا عديم النفع بالنسبة لعمل عسكري فعال وقوي لان اولى الضربات قد توجه على الاقل دائما فجاه وبصوره سريه … وثمة حاجه لمستودع اسلحه … انها ستكون  الفرصة الأخيرة لتركيا إذا ما رفضت مقترحاتنا هذه المرحلة يجب ان نحول أفكارنا الى معان اخرى من الامن وستدخل الإمبراطورية العثمانية المرحلة الأخيرة من التدهور والترويس  . وفي خصم ذلك عقدت الوزارة البريطانية اجتماعا مهما في 27 اذار 1878 قال فيه دزرائيلي لأعضاء الوزارة ..  “إن السلام لا يؤمن بالقوة وان طارئا قد نشا وكل دولة يجب ان تنظر الى مواردها… ان توازن القوى في البحر المتوسط قد تحطم” . واقتراح دزرائيلي في ذلك الاجتماع إصدار بيان لإعلان حاله الطوارئ ولوضع قوه في الميدان من احتياطي الجيش البريطاني. وفي الوقت نفسه إرسال حمله تعدادها سبعه ألاف جندي من الهند الى جزيرة مالطا لتكون مستعده لاحتلال قبرص والاسكندرونه وبذلك سيتعادل تأثير مكاسب روسيا الأرمينية وسيحفظ نفوذ بريطانيا في الخليج العربي بحيث تسيطر بريطانيا على المواقع التي تعد مفتاحا لأسيا . ودفع موقف دزرائيلي هذا استقالة اللورد دربي وزير خارجية بريطانيا (شباط 1874- نيسان 1878) ، الذي وصف سياسة عدم التدخل arch non ninterventionist  ويبدو ان استغناء حكومة دزرائيلي عنه مرده تمسكه بالسلام وعدم موافقته على دخول الحرب ضد روسيا من اجل الدولة العثمانية اذ كان يعتقد بان هذه الاجراءات من شانها ان تؤدي الى الحرب لذلك رفض مسؤوليتها ووقف وراء استقالته متابعه حكومة دزرائيلي لسياستها الخارجية من دون علمه مما دفعه الى الاستقالة . وكان لاستقالته اثر كبير فهمي من جهة وضعت حدا للمعارضة ومشاكلها في مجلس الوزراء حول نهج المجلس المقاوم لسياسه روسيا الخارجية ومن جهة اخرى فقد ادت الى ازدياد مخاوف روسيا من التي اعتبرت استقالة دربي مؤشرا  لحرب لم تكن راغبة فيها بسبب ضعف اسطولها  .

    وخلف سالزبوري دربي في وزاره الخارجية في 28 اذار 1878 ، وكان من مؤيدي إعلان الحرب على روسيا خاصة وإنها بلا أسطول يؤهلها ان تجابه وتهدد به مركز بريطانيا في المضايق  وهدف منذ بداية توليه المنصب الى تعديل الخطة لاحتلال قبرص بالقوة جوهريا وأصبحت محور سياسته الشرقية . إذ رغب العمل بمثل هذا المشروع عن طريق دبلوماسي ومن زاوية قانونيه بعقد اتفاق دولي فاقتراح سحب الأساطيل الموجودة في بحر مرمره وجمعها في مكان معين يعود لبريطانيا في شرق البحر المتوسط . ولم يكن ساسة بريطانيا في هذه المرحلة قد حسموا بعد أي ستكون هذه القاعدة الجديدة فتمت مناقشه عده اقتراحات في ضوء الدراسات التي وضعها (الكولونيل) العقيد روبرت هوم . وحينما اثيرت الاعتراضات حول قبرص عارض السير هنري لايارد    Sir Henry Layard )) اختيارها . قائلا .. ان قبرص ستكون قليله القيمة في الدفاع عن تركيا الأسيوية واقتراح ان تكون القاعدة البحرية البريطانية في العراق او كريت او الاسكندرونه او في احدى جزر بحر ايجة . وناقش العسكريون البريطانيون تلك المقترحات وفكروا في اختيار الاسكندرونه بدلا من كريت ولكنهم عدلوا عن تلك الفكرة لأنها ميناء وليست جزيره وحصونها ضعيفة ووجود القوات البريطانية بها سيثير غضب فرنسا ذات المطامع المعروفة في سوريا ولبنان  . وحينما توصلت الحكومة البريطانية بين 18 نيسان و10 مايس 1878الى قرارها باحتلال قبرص اعتبر سالزبوري قبرص جبل طارق جديد Anew Gibraltar  وشبه الحصول على الجزيرة بالسد امام حماية المضايق العثمانية التي شبهها بخزان مياه ايل للسقوط بيد الروس حينما قال .. لقد بدأت الحكومة منذ ذلك الحين باستعداداتها لبناء سد جديد خلف خزان المياه التركي الايل للسقوط . وكان من موجبات توجه بريطانيا نحو جزيره قبرص فشل مساعدي حكومتها في تكوين عصبه من دول البحر المتوسط  تشمل:  بريطانيا وفرنسا وايطاليا تعرفه الوقوف امام النفوذ الروسي ومنعه من الوصول الى البحر المتوسط وسعت بريطانيا منذ ذلك الحين الى تامين الاجواء الأوربية لضمان تقدم عملها تجاه جزيره قبرص  فأجرى سالزبوري اواخر نيسان مفاوضات مع الكونت بول اندريفيج شوفالوف Count Paul Andreevich Shuvalov)  ) السفير الروسي في لندن من اجل تعديل معاهده سان ستيفانو وبرز اعتراض نقطتين اولهما أيجاد دوله بحريه جديدة هي دوله بلغاريا الكبرى وثانيهما وضع الباب العالي تحت رحمة روسيا ، واخبر سالزبوري شوفالوف ان المطالب الأساسية لبريطانيا في البلقان تكمن في تجزئه دوله بلغاريا الكبرى وفي أسيا الصغرى على الرغم من ان أعاده بعض المكاسب الروسية كان مطلوبا إلا ان الجانب البريطاني وافق على احتفاظ روسيا بباطوم وقارص وقد حمل شوفالوف تلك المطالب الى حكومته في سنت بطرسبورغ في 3 مايس 1878 للتشاور معها  وأرسل سالزبوري طلبا الى الحكومة النمساوية في 4 مايس 1878 ، لتأييده أبعاد حدود بلغاريا عن بحر ايجة . أما فيما يتعلق بالجانب الاسيوي من المشكلة فقد سعى سالزبوري الى حماية النفوذ البريطاني فيه بشكل متفوق ضد الوجود الروسي وأوضح ذلك في برقيه الى لا يارد في 2 مايس 1878 حيث اشاور حول هذه الأهمية قائلا .. لقد اخفق الباب العالي بصفته حاكما للمسيحيين الأوربيين وان سلطته يجب ان تقيد بصوره كبيره . أما في اسيا فالأمر مختلف فالحكم هناك في الواقع ليس لاحد سوى للحكومة البريطانية . فاذا ما استطعنا حماية الإمبراطورية الأسيوية من التفسخ وأقامه حدود متوازنة فأوروبا ستكون هناك فرصه عادله في احتفاظ الإمبراطورية بالقسطنطينية لمده طويلة . كما وتم التوصل من قبل سالزبوري الى الترتيب العملي الواجب اتباعه من خلال صيغه تحالف مع الباب العالي والضغط السياسي عليه عن طريق الاستفادة من الضعف الموجود داخل الدولة العثمانية ففي البرقية نفسها بين سالزبوري بان الحكومة البريطانية يجب ان تدخل في حلف دفاعي مع الباب العالي للدفاع عن الأقاليم الأسيوية للدولة العثمانية ضد أي هجمات روسية وأشار كما ذكر برقيته ان مثل هذا الترتيب سيحول دون أي تجاوز أخر من روسيا كما انه سيوقف تحول أجزاء من سكان اسيا الغربية باتجاه روسيا. وقد سوغ دزرائيلي مشروع سالزبوري للملكة فكتوريا بتعذر نجاحه الا من خلال عقد التحالف مع الباب العالي مقابل الحصول على قبرص واوضح ذلك في برقيه ارسلها للملكة في 5 مايس 1878 قائلا  إذا ما تنازل الباب العالي عن قبرص لجلالتكم ودخلت بريطانيا في الوقت نفسه في حلف دفاعي مع الدولة العثمانية لضمان تركيا الأسيوية من الاجتياح الروسي فان قوه بريطانيا في البحر المتوسط ستزداد بشكل مطرد وستعزز امبراطوريه جلالتكم الهندية على نحو هائل فقبرص هي مفتاح اسيا الغربية كما ان هذا الترتيب سيعزز تركيا في أوربا ايضا على نحو كبير وستصبح معها حاجزا اقوى ضد روسيا مما كانت عليه قبل الحرب فاذا ما تم تنفيذ هذه السياسة ويجب ان تنفذ فسوف لن تخشى جلالتكم من تحالف الأباطرة  أنها ستلحم امبراطورية جلالتكم الهندية ببريطانيا العظمى معا ، والى ان يتشرف اللورد بيكونسفيلد(دزرائيلي) بمقابله جلالتكم فانه سيبقى الموضوع المهم حتى ذلك الوقت  .وفي 10 مايس توصل سالزبوري الى صيغه لاتفاقيه الحلف الدفاعي مع الباب العالي وقد كتب الى لايارد في اليوم  نفسه مبينا له انه في حاله احتفاظ روسيا بالمناطق التي احتلتها في ارمينيا فان بريطانيا ستعقد حلفا دفاعيا مع الباب العالي بشرط أقامه حكومة كفؤه في تركيا الأسيوية ونح بريطانيا حق احتلال قبرص وخلال ذلك كان سالزيوري يحاول تطمين الجانب الفرنسي ففي 11 مايس 1878 بعث برسالة الى اللورد ليونز سفير بريطانيا في باريس ذكر له فيها بان تونس هي امتداد للأراضي الفرنسية في شمال أفريقيا فسالزبوري منذ عام 1876كان من أنصار الاستجابة لعرض اوتو فون بسمارك Otto von Bismarck بتعويض فرنسا بتونس في حاله معارضتها احتلال بريطانيا لمصر . واعتبارا من  16 مايس  1878بدات بريطانيا تكثف مراسلاتها بين السفارة البريطانية في اسطنبول ولندن وتم مراعاه سريه العمل وأسس مكتبا خاصا من اجل أعداد برقيات مشفره في وزاره الخارجية البريطانية  وتم في اليوم نفسه تصديق الوزارة البريطانية على مشروع الحلف الدفاعي وقد أرسل سالزبوري رسالة الى لايارد في اليوم ذاته شرح فيها المشروع بشكل كامل وجاء فيها ..يجب ان يخولنا الباب العالي احتلال قبرص تمتلك قبرص فائدة مزدوجة بقربها من اسيا الصغرى وسوريا  تمكننا من جمع مواد الحرب بدون أي عمل لعداء علني وبدون تشويش السلام في أوربا وان القوات المسلحة ضرورية للعمليات في اسيا الصغرى وروسيا إذا استلزم الآمر بينما سوف لا تثار الغيرة التي ستشعر بها الدول الأخرى في حاله تحقيق أي مكاسب فيهما . نحن لا نرغب باحتلالها باي طريقه تظهر العداء للباب العالي أو أي قبول بالتقسيم . يجب ان نقترح لذلك السيطرة عليها كجزء من اتفاقيه ستأخذ من خلالها على عاتقنا الدفاع عن الإمبراطورية الأسيوية ضد الروس ومن غير شك يجب ان نتعهد بان لا نحصل على قبرص بأية طريقه تستفز الباب العالي ، أو إظهار الموافقة على تقسيم الدولة العثمانية ولكن هذين التعهدين يجب ان يلغيا حالما يبطل الباب العالي احتلالنا لقبرص  . وبناء  على ما تقدم فان سالزبوري استطاع ان يستقري وضع الدولة العثمانية وفي الوقت نفسه اقر بمبدأ تقسيم بعض أجزاءها مباشرة في حاله رفض الباب العالي صيغه التحالف والتنازل عن قبرص . بحيث تكون بريطانيا في طليعة الدول الأوربية التي ستساهم في القضاء عليها . وتحقيقا لهذه السياسية فان بريطانيا أخذت في هذه المرحلة تمهد للقضية عن طريق إبلاغ السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918/1876-1909)  مباشره بهذا التهديد للبحث عن مخرج مفيد لصالحها  في قبرص إمام التنافس الروسي .

الخاتمة:

لقد قام الماركيز سالزبوري بتفعيل السياسة البريطانية وخصوصا السياسة الخارجية حيث كان جل اهتمامه موجها نحو الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنه الشمس .لقد أسندت الى الماركيز سالزبوري العديد من المناصب وقد تقلد منصب وزير الدولة لشؤون الهند منذ عام 1866 ألا انه استقال في ألسنه الثانية وعندما رجعت حكومة المحافظين إلى سده الحكم برئاسة بيكونسفيلد دزرائيلي (-1874 1880) الطويلة العمر رجع سالزيوري وزيرا للخارجية وذلك لان سياسة اللورد دربي هي المحافظة على عدم اشراك بريطانيا في المنازعات الأوربية ، وقد دخل سالزبوري مؤتمر برلين مع دزرائيلي (1878) لقد كان سالزبوري منذ عام 1886 الى اعتزاله عام 1902 يجمع منصب وزير الخارجية مع رئاسته الحكومة .لقد كان سالزبوري مسؤولا عن اشتراك بريطانيا في اتفاقيات البحر الابيض المتوسط وعن الانتصار الدبلوماسي على الفرنسيين في فاسودا .وغالبا ما كانت سياسته المظللة توصف ( الانعزالية المثالية) وكانت الشؤون الأفريقية وعلى وجه الخصوص حرب البوير الثانية n تسيطر على وزارته الثالثة.لقد كان سالزبوري محافظا من المدرسة القديمة وقضى طيلة حياته يخشى من مد الديمقراطية المتصاعدة .