
الروائية السورية ميسون جعمور : إقتحام التابوهات قضية إشكالية – حاورها: حسن عبد راضي
أبطالي حساسون ويمتازون بالواقعية
دخلت عالم الكتابة الإبداعية متأخرة قليلاً في عمر الخامسة والثلاثين، لكنها مع ذلك ترى أنها خطت هذه الخطوة في توقيت ممتاز، بعد أن أنضجت التجارب والقراءات مهاراتها الكتابية، وبعد أن اكتنزت مخيلتها بالأفكار المتوفزة بانتظار الكتابة، كتبت الشعر والقصة القصيرة والقصيرة جداً والرواية، ولها في الرواية أربع روايات؛ بيسان والمستذئب صدرتا في عام واحد، ثم بعدها بعام نشرت رواية “في ظلال الياسمين” ثم نشرت مجموعتها القصصية “صوت إلى السماء” وأخيراً وليس آخراً كانت روايتها الرابعة “ذاك الرجل”.. وبجهدها الذاتي وروحها العصامية افتتحت منذ خمس سنوات دار نشر سمّتها “إبداع” فنشرت فيها عدداً من المؤلفات لكتاب وشعراء سوريين وعرب، إنها الكاتبة الروائية السورية ميسون جعمور التي التقيناها في هذا الحوار:
{ في باكورتك الأدبية أصدرتِ في عام واحد روايتين؛ بيسان والمستذئب، ووقعتِهما في حفل واحد، ما دلالة ذلك؟
– بصراحة كنت أريد إثبات وجودي في عالم الأدب المتعدد الأقلام والجنسيات، وبأني أخطو خطوات ثابتة في هذا المجال، لم لا أكون استثناءً أو ظاهرة أولى في عالم يعج بالكتّاب من كل جنس ولون، كما أعدّ ذلك الأمر نوعاً من التميّز، إذ لم يسبق لكاتب من قبل أن أصدر عملين أدبيين في الوقت نفسه.
كيف تنظرين إلى واقع الرواية العربية اليوم، والرواية النسوية على وجه الخصوص؟
لو تأملنا الواقع الروائي في الوطن العربي منذ نشأة الرواية حتى الوقت الحاضر فسنجد أن هناك أقلاماً كُتب لها الانتشار الواسع ليس بسبب موهبتها الكبيرة في الكتابة، بل لأنها كانت مدعومة من جهات سياسية وربما اقتصادية، وأحيانا تكون العلاقات داعمة لإعلاء قلم دون سواه. ويوجد لدينا على امتداد رقعة العالم العربي الشاسع أقلام يقال عنها “مغمورة” لكنها في الواقع تستحق الظهور والتعريف بها.
{ من يقرأ رواياتك يجد فيها جرأة واقتحاماً لتابوهات اجتماعية ودينية وثقافية، هل تعتقدين أن للأدب دوراً ما في تحليل الظواهر الاجتماعية واجتراح حلول لها؟
– لا يمكننا أن ننكر أن جرأة طرح أي قضية هي أمر محمود في العمل الأدبي، وبإمكاننا أن نقول هي أساس أو ركيزة للعمل، ولا بد من الإشارة إلى أن “اقتحام التابوهات” يعد قضية إشكالية في الأعمال الأدبية تحديداُ، لأن أي عمل روائي أو قصصي هو مبني على حكاية يستمدها الكاتب من المجتمع وليس من الفضاء الخارجي، القصة بالمجمل تحكي عمّا يدور في أروقة الحارات، وخلف جدران البيوت، هي رهن ظروفٍ مَعيشة يحياها المواطن في كل حقبة، ثم ما قيمة العمل إذا لم يتضمن مناقشة للمشكلات التي تؤرقنا وتقض علينا مضاجعنا؟ أن للأدب دوراً هاماً في إضاءة قضايا المجتمع، فهو بذلك يفتح المجال أو بالأحرى الأفق للقارئ كي يمعن التفكير فيها وفي محاولة إيجاد حلول تناسبه، وهنا تتفاوت المقترحات كل حسب بيئته وقدرته على تحليل الظواهر.
{ في “بيسان” قصة الحب المحرم ثمة إشكال ديني وأخلاقي عميق، ونهاية ميلودرامية غير متوقعة، لكنها وفرت حلاً سحرياً لم يعالج المشكلة.. ما تعليقك؟
– هذه الجدلية ليست وليدة اليوم، بل هي ابنة أزمنة بعيدة، على سبيل المثال، كان البطل حسام جالساً على جبل قاسيون ليلاً يتأمل بهاء دمشق، في ذاك الوقت كان يعيش صراعاً نفسياً فيأتي السؤال صارخاً في داخله: “أتراه قدّر لقابيل وعناق أن يرجعا في شخصينا؟ أتراه الحب كان في صراع دائم مع التاريخ الذي حاول طمس حبهما لينتصر عليه من جديد، ويعيد حبّاً محرماً إلى الحياة، وعلى نفس البقعة من الأرض؟!”
هذه الحالة موجودة في مجتمعات ضيقة لكن ليس بإمكاننا تجاهلها ولو كانت قليلة جداً، أما رواية بيسان، فإن القارئ يقف في حيرة من أمره يتناهبه سؤال: هل يكمل القراءة أم يتوقف، ويأخذ موقفاً يستنكر به مشاعر أبطالها التي لا تتناسب مع قيمه المعيارية والدينية، لكن أسلوب التشويق الموجود عبر الصفحات يشدّه لإكمال قراءة التفاصيل لكي يجد ضالته، وبأن بيسان فتاة متبناة وليست شقيقة، بالفعل هو كان حلاً سحرياً كما أشرت، فأنا لا أشجع على أفعال خارجة عن الطبيعة والمألوف، لكن لا يمكننا نكران بأن ثمة ظواهر قادمة من الغرب عبر السوشيل ميديا أباحت الممنوع، وأفكاراً بات الجيل الجديد يراها مرضية، فكندا مثلاً لديها قانون أباح للأشقاء الزواج، وفي دول مجاورة قوانين تبيح زواج المثليين، نحن الآن أمام نزعة خارجة عن المألوف، لكن أفكار الغرب باتت تتغلغل في مجتمعاتنا ولا يمكننا نكران هذه الحقيقة.
المستذئب تطرح إشكالية صراع الحب ضد الغيرة والأنانية، وكيف ينتصر الحب في النهاية، ألا تظنين أنك بمثل هذه النهايات متفائلة أكثر مما يجب، وأن للواقع نهاياته المريرة في الغالب؟
المستذئب رواية لها طبيعة خاصة، فمن الغريب أن تعشق الأنثى من اغتصبها، وسام البطل كان مدفوعاً من لينا وهو في حالة سُكر لاغتصاب جيهان، وعندما استفاقت ورأت حالتها لملمت شرشف عارها، وقررت الانسحاب من الحياة والانتحار، لكن وسام وضعها أمام خيار أن تقبل به زوجاً لفترة وبعدها ينفصلان، وبذلك ترمّم جرحها، وترسم خطاً جديداً لحياتها، بزواجها اكتشفت أنها أمام رجل مفعم بالمشاعر الإنسانية، رجل مرهف الحس ويسعى لمساعدة الآخرين، وأثناء يومياتها معه عشقته، اكتشفت أنها حامل وأخبرته بنيتها على الإجهاض كون حملها كان نتيجة حادثة تؤلمها، ترك لها حرية الخيار، ” لينا: كيف نسيت ما حصل لك؟ كان أشبه بذئب ينقض على فريسته بلا رحمة. ترد جيهان ببرود محاولة إخفاء ألمها: أتدركين لقد اكتشفت بأنني أحب معاشرة الذئب” ووسط نوبة هستيرية دفعتها لينا من أعلى السلم ففقدت جنينها جراء ذلك، حينها شعرت جيهان بألم أكبر وأعمق، فمشاعر الأم داخلها كانت أكبر من أي حدث.
جميل أن ينتصر الحب ولو على الأوراق، وكذلك رؤية القلوب تنسجم وتعيش عشقها بسلام، لم لا والحرب تنهش مشاعرنا في كل يوم؟ ألا يكفينا عيش مرارة الواقع بكل آلامه؟ ربما يمنحنا عيش زمن جميل بين دفتي كتاب شعوراً بالسلام والسعادة في أحداث وتفاصيل متخيلة في رواية.
{ صدرت مجموعتك القصصية “صوت إلى السماء” بعد رواياتك االثلاثة، وغالباً ما يبدأ السارد قاصاً وينتهي روائياً، لكنكِ قلبتِ الوصفة السائدة رأساً على عقب.. ما تعليقك؟
– أنا ضد هذه المقولة فليس من الضرورة أن يبدأ الكاتب بكتابة القصة لينتهي بالرواية، فهناك كتّاب قصة لم يقدّر لهم كتابة الرواية أبداً، أما أنا فقد كانت “صوت إلى السماء” تجربة جديدة لي في الأدب، منحتني فرصة كتابة مجموعة من محاور حياتية يعيشها المرء عبر حياته اليومية، هذه المحاور أو المواقف بإمكانك أن تجعل منها قصة قصيرة ومسلية ولا تقبل أن تكون عملاً طويلاً. فالقصة تعتمد التكثيف في اللغة والحدث والفضاء السردي إجمالاً بينما الرواية تعدّ عمل أكثر مرونة وقابل للإسهاب السردي في تفاصيله.
{ أي الجنسين السرديين -أعني القصة القصيرة والرواية- أقرب إلى روحك، وأكثر جدارة بالتعبير عن أفكارك وهواجسك؟
أنا أعشق الرواية جداً، فهي تمنحني فرصة العيش مع أبطالي مدة طويلة، وشخصياتي في الغالب ليست ورقية، بل هم أرواح تتنقّل عبر الأوراق، تمنح الحب تارة، والخيبة تارة أخرى، تشدّك للبكاء معها أو الضحك أحياناً، أبطالي لهم مشاعر ويمتازون بالواقعية.
{ كتبتِ ونشرتِ بعضَ القصص القصيرة جداً، هل استهواك هذا الفن، أم أنك أحببت أن تغامري في تجربة كتابة مختلفة؟
لقد وجدت فيه أسلوباً أدبياً ممتعاً، فكتابة قصة وهي عبارة عن جملة أو جملتين تحتاج لقدرة كبيرة في صياغتها وتكثيفها.
{ (في ظلال الياسمين) رواية تطرح قضية إشكالية أيضاً، هل يمكن للحب أن يردم الهوة بين عالمين؛ شرق وغرب، أو بين ماهيتين؛ مستعمِر ومستعمَر؟ ما الرسالة التي تقولها تلك الرواية؟
– الحب الواعي والناضج بإمكانه اختراق أي حواجز تواجهه في الحياة، فهو لا يعرف زماناً ولا مكاناً، ولا يعترف بهوية أو دين، ولا يهمه المستوى المادي أو الاجتماعي، الحب الحقيقي يستطيع ردم أي هوّة تعترض طريقه. وترجمته حالات كثيرة اقترن فيها من يختلفون في الدين أو المذهب أو القومية، وبعضها كتب لها النجاح.
{ حدثينا عن شخصيات أعمالك.. هل تستوحينهم من الواقع؟ أم هم خياليون تماماً لكنهم ممكنو التحقق؟
– شخصياتي أغلبها من الواقع، لكن الخيال يلعب دوره في الأحداث والتفاصيل، حـــــتى الشخصيات الوهمية بالإمكان تحقيقها على أرض الواقع.
{ رواية “ذاك الرجل” تضعنا في حاضر سوريا، لا سيما بعد الحرب الظالمة التي تعرضت لها منذ عام 2011? حيث الواقع الجديد وحيث انخرط معظم السوريين في الدفاع عن سوريا بينما ذهب آخرون إلى الخنادق المعادية، هل يمكن أن نعدها رواية من أدب الحرب؟ وهل ثمة آيديولوجيا في هذه الرواية وفي أعمالك الأخرى؟
– ذاك الرجل من حيث هي عمل روائي لم تدخل في تفاصيل الحرب، لكنها أشارت ولو عن بُعد إلى ظاهرة الانقسام الذي ظهر في بعض العائلات في سوريا، هذا الانقسام الذي فصل العائلة وجعلهم قيد الشتات السياسي والروحي.
{ ختاماً.. أنشأتِ دار إبداع للنشر منذ خمس سنوات، حدثينا عن هذا المشروع، كيف بدأ وما الحلم الذي يقف وراءه؟
– جاءت فكرة تأسيس دار إبداع كخطوة مكـــــــملة للعمل الأدبي، فكم هو جميل التعرّف على أساليب جديدة، ورؤية أعمال الكتّاب تصبح حقيقة. فهناك من ينتظر التشجيع لخوض هذه التجربة، بدأ حلمي منذ بداية عملي في هذا المجال، وأنا أتوق لرؤية دار إبداع في مكانة تليق بها.























