الدستور العراقي بين نارين

فاتح

فاتح عبد السلام

أي السؤالين أكثر منطقية وأحق بالإجابة في العراق ، لماذا لا يحمينا الدستور؟ أو مَن يحمي الدستور ؟.

بين هذين السؤالين مرّت العملية السياسية بكل هشاشتها ، وزحفت عوامل تجريد القوة على العراق تدريجياً ، لكن يبدو أنّ عقداً ونصف العقد من الزمان باتت تؤتي بنتائج ما كانت مقدماته الفوضى والفساد وعدم التخطيط لمستقبل جيل بدأ عهده بالحروب الخارجية والداخلية .

اولاً ، كان هناك اقرار واضح من قبل المشاركين في العملية السياسية والمساهمين في كتابة الدستور أنّ هذه الوثيقة الأساسية في بناء المجتمع العراقي تحتاج الى تعديل ، لاسيما بعد أن ظهرت ثغرات كثيرة فيه من خلال الاحتكاك العملي مع بنوده في تصريف شؤون السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية . لكن المصالح الضيقة التي كانت تحرك كل طرف يسعى الى التعديل جعلت فكرة التعديل من اجل اصلاح البلاد واحوالها ضرباً من الفساد السياسي .

ثانياً ، ان التعديلات الحقيقية الواجب تنفيذها في الدستور لا ترضي مراكز قوى سياسية انتفعت من مطاطية بعض البنود وضبابيتها .

ثالثاً ، كان الدستور بهذا المعنى ، يعيش خوفاً من القائمين على تنفيذ نصوصه .

رابعاً، مرّت على العراق سنوات عجاف ، حدث فيها تجاوز على القوانين الوضعية والسماوية ، من خلال الاعتقالات العشوائية والبلاغات الكيدية للتصفيات السياسية والشخصية والطائفية ، ونزفت البلاد دماً عزيراً ، ومن ثم احتل تنظيم ارهابي مبرمج ثلث العراق وأهم مدنه، ولم يشعر أحد من المواطنين بما يقوله نص الدستور في وجود قوات مسلحة تحمي العراق ، لذلك اختفى أو أحياناً خفت مصطلح الجيش العراقي وحلّت مكانه القوات الأمنية وظهر تشكيل آخر ارتبط رسمياً بالحكومة هو الحشد الشعبي .

خامساً ، انّ الدستور الذي تثقل كاهله فقرات تصرخ بالحاجة الى التعديل، من الصعب ان يتوافر له مَن يحميه حتى لو كان في منصب سيادي .

سادساً، بعد هذه التجارب المرّة ، والرجة القوية التي خلخلت كيان المجتمع العراقي بين النزوح والهجرة والتهجير والتجويع  والتجهيل ، يحتاج العراقيون الى الوقوف جدياً للتأمل الى اين هم سائرون ، وهل لديهم حقاً دستور يحميهم ، وهل ثمة بينهم من يقدر على أن يحمي الدستور إذا تعرض لضربة أو خرق أو تزوير .

سابعاَ ، سنبقى ننتظر يوماً جديداً يولد فيه ذلك الدستور الجامع غير المفرق ،والذي يكون فيه مواطن البصرة أو الناصرية أو النجف  في زاخو مواطناً اصيلاً ، ولا يعامل الكردي كمواطن من الدرجة الثانية في جنوب البلاد .