

د. فيان فاروق
في توقيت مفصلي من مسار العلاقة بين بغداد وأربيل، ومع تصاعد الحاجة إلى خطوات جادة تعزز الثقة وتدعم استقرار العراق السياسي والاقتصادي، جاء الاتفاق النهائي بشأن ملف رواتب موظفي إقليم كردستان ليشكّل نقطة تحوّل إيجابية، تؤكد أن الحلول تصنعها الإرادة، لا الضجيج، وأن المواقف الصلبة تنتصر على التردد والتشويش.
الاتفاق الذي وُقّع من قبل رئيس حكومة الإقليم السيد مسرور بارزاني، ويُنتظر توقيعه من قبل رئيس الوزراء الاتحادي السيد محمد شياع السوداني، ليس مجرد تفاهم تقني، بل تجسيدٌ حيّ لسياسة مسؤولة قادتها قيادة إقليم كردستان ممثلة بالحزب الديمقراطي الكردستاني، وعلى رأسها الرئيس مسعود بارزاني، ورئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، ورئيس الحكومة مسرور بارزاني، والذين أثبتوا مرة أخرى أن العمل الهادئ والمنهجي هو الطريق الأقصر نحو حماية حقوق المواطنين وانتزاع المكاسب الحقيقية.
منذ بداية الأزمة، لم يكن الحزب الديمقراطي الكردستاني طرفًا يُراهن على الوقت أو يُناور سياسياً، بل تبنّى موقفًا واضحًا ومبدئيًا مفاده أن الرواتب ليست منّة من أحد، بل حقٌ دستوريٌ لا يخضع للمساومات ومن هذا المنطلق، خاض مفاوضات شاقة، وواجه ضغوطات متنوعة، لكنه ظل ثابتًا على مواقفه، رافضًا أي صفقة تُفرّط بحقوق موظفي الإقليم أو تُقايض مصالح المواطنين بالسياسة.
ما تحقق اليوم هو نتيجة رؤية استراتيجية يقودها الحزب الديمقراطي، هدفها ليس فقط حل الأزمة المالية، بل إرساء قواعد تعامل جديدة مع بغداد تقوم على الاحترام المتبادل والشراكة الحقيقية.
في المقابل، اختارت بعض القوى أن تقف في الظل، مكتفية بالتشكيك والتقليل من الجهود، دون أن تقدم بديلاً أو تطرح رؤية قابلة للتطبيق. ومع ذلك، فإن الواقع اليوم يُسجّل لصالح من عمل، لا من انتقد، ولمن تحمّل المسؤولية، لا لمن اكتفى بالمراقبة.
ورغم هذه الأصوات المشوشة، فإن الأهم اليوم هو أن النتيجة قد تحققت، والاتفاق بات على أبواب التنفيذ، ما يعكس قوة الإرادة الكردستانية وواقعية الحكومة الاتحادية في إدارة هذا الملف بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.
إن الاتفاق الأخير يجب أن يُبنى عليه لا أن يُجتزأ. فهو لا يعالج أزمة مالية فقط، بل يفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين المركز والإقليم ضمن إطار دستوري واضح، بعيدًا عن الصراعات الموسمية والتجربة تثبت أن كلما تَواصلت بغداد وأربيل بصدق، كلما سارت الأمور نحو الحل، وكلما غاب الحوار، ساد التوتر والتشكيك.
إن الطريق إلى عراق مستقر لا يمر إلا عبر احترام خصوصية إقليم كردستان كشريك دستوري فاعل، وضمان حقوقه المالية والدستورية كما لأي مكوّن آخر. وهذا هو جوهر خطاب الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يرى في وحدة العراق قوة، وفي الاستقرار السياسي ضمانًا لمستقبل الجميع.
ما تحقق ليس انتصارًا لحزب أو لحكومة، بل هو انتصار للمسؤولية السياسية ولإرادة الشعوب التي تطالب بالكرامة والعدالة. ومن هنا فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادته التاريخية والحكيمة، يبرهن مرة أخرى أنه ليس مجرد مكوّن سياسي، بل صمام أمان واستقرار، وجسر حقيقي للتفاهم بين أربيل وبغداد.
إن الاتفاق اليوم هو بداية جديدة، وفرصة ثمينة لإعادة بناء العلاقة بين الطرفين على أسس الشراكة، لا التنازع، وعلى مبدأ الحقوق والواجبات، لا سياسة الإملاء. ومن يزرع الثقة، يحصد الاستقرار.






















