قصص حميد الربيعي
الحريق يجتاح بيت جنّي – نصوص – يوسف عبود جويعد
قد تحتاج عملية الولوج في التجريب, إلى خبرة يكتسبها الأديب المبدع, من خلال ممارسة الكتابة السردية لسنوات طوال, وفي محاولة ناجحة يقدم لنا الروائي والقاص حميد الربيعي في مجموعته (بيت جني) نسيجاً جديداً للتناول السردي , مطرزاً بألوان سردية امتزجت فيها الواقعية الغرائبية, الاسطورة, الحكاية الشعبية, الرمزية, الواقعية السحرية, لأنه يرى أن أي حدث أو حكاية يجب ان تعالج فنيا, وأن لا تنقل كما يراها أو يعيشها أو يحضر حدوثها, وإنما تنتقل إلى مخيلة السردي ليضفي عليها اللون السردي المطلوب لتناولها, كون الأحداث التي تضمها المجموعة صرخة إدانة معلنة وجريئة لحياة ماتت فيها كل القيم التي من شأنها أن توقف هذا الانجراف الكبير نحو الهاوية المقيتة, فالعاطفة التي اكتسبها الإنسان _امرأة أم رجل_ منذ أن خلق الله آدم وحواء جزء من حياته, إلا أننا نجد الحرمان ديدن نساء القاص في هذه المجموعة وهو يحذر من كارثة كبيرة, إن لم ننتبه إليها وننمي هذه العاطفة بشكلها الذي يتيح لها الانطلاق وفق النظام الحياتي دون أن تأخذ طريقها نحو الرذيلة, وإلى الأعمال الشاذة المنبوذة التي تضطر المرأة أو الرجل إلى فعلها من أجل إشباع هذا الجانب المهم من حياته, فالنسوة اللائي ولجن عالم القاص ليظهرن أمام العيان بأشكال مختلفة من لوعة الحرمان بسبب الاختلاف الرهيب في النظام الحياتي الذي كان سبباً في صدع وتدمير حياتهن, ونجد ذلك في قصة (استبدال) إذ إن إحساس المرأة ينمو بفكرة أن الرجل بدأ ينقرض بسبب الويلات والحروب التي حدثت في البلاد , وكذلك الاحساس بأن المدن تشيخ كما يشيخ الانسان, وإن الحياة تشبه الأزقة المغلقة في الأحياء الشعبية, ( كأنه أصيب بمقتل, أو إنه من زمن سحيق قد أفاق
– ماذا ؟
– الرجال أكلتهم الحروب والمفخخات, الأرامل صرن ضعفي العدد,لم يعد ثمة ما يغري بارتداء ملابس زاهية) ص 14 كما أن البناء لهيكل القصة يظهر جليا واضحا, حيث نجد البنية المكانية لها دورها في متن النصوص السردية ومتصلة مع الثيمة وكملة لمتن النص السردي , والبنية والزمنية التي تحدد زمن الحدوث بكل دقة, والايقاع, واللغة التي تميل الى الواقعية الغرائبية أو السحرية التي تجعل من الأسطورة الشعبية فضاء لها في أحيان كثيرة, وتتضمن كذلك السخرية ونبذ الواقع, وتكون انفعالية في أحيان, وإنه ينفرد بلغة تميزه عن باقي المبدعين بسبب هذا الكم الكبير من الخبرة, ونجد بقية أدوات القص حاضرة, الحدث والحكاية تكون عنده مبهرة, وبالرغم من أنها مجموعة قصص إلا أنها تتحد في بنية رمزية تتوضح تدريجياً, ففي قصة (امرأة من ماء) تتغير ملامح الفضاء السردي, لنوغل في أسطورة غاية في الغرابة, وظف فيها الحكاية الشعبية ببناء فني متماسك, فبطل القصة يستغرب من أن السماء أمطرت ضفادع, ويحاول أن يكتشف حقيقة الأمر, ولكي تكون الأسطورة أقرب إلى الحقيقة, أسندها بأدلة تؤكد صحة الحدث, ثم يكتشف أن السماء أمطرت قططاً بشعر منتوف, وأن هناك امرأة تظهر من داخل الماء، جسمها مائي شفاف ليلاً بعد أن ينام الجميع, وباختفائها يشعر الجميع أن هذا نذير شؤم على البلاد, (لقد تأكد بما لايقبل الشك أن المدينة داخلة على قحط المرأة , التي كانت تكلل فرحهم بوجود النهر والماء, قد ذهبت, لقد قالت لي بمنتهى الوضوح:- سأرحل …) ص20
إن القاص يتقدم بخطوات وئيدة وواثقة, نحو الرمز الكبير الذي يوحد الرؤية للنصوص, من خلال التوغل في سبر أغوار كل قصة, لنجد مضمونا آخر ذا أهمية كبيرة, في قصة (انتشاء) عبر متابعتنا لغانية جميلة, تكون تحت إمرة رجل قواد,يقودها إلى رجل بدوي جاء من خلف البعير, ونرى أوجه الاختلاف بين جمال هذه المرأة التي تبدو وكأنها لوحة زاهية وبين تصرفات الرجل الخالية من المدنية والتحضر, ويظهر هذا الحرمان بأوج صوره في قصة (صانعة الاحلام) فقد عاشت الحلم إلى حد الامتلاء, فهي تحلم بظهور هذا الفارس الذي سوف ينتشلها من حالة التوق للرجل, إلا أنها تظل كالمحارة التي لم يمسها أحد, وقد أطلق عليها القاص سيدة الأحلام لتلتحق بالرمز الكبير الذي ينسج رسالة إنسانية, تكون ملتقى طريق لكل فضاءات النصوص السردية, وفي قصة (شغف) تزداد أوجه الحرمان وضوحاً, إذ إن هذه الفتاة تلتصق بها رائحة عطر لشاب, تظل تهفو إليه ولرؤيته ولشم رائحته, وفي قصة (رغبة ملحة) نلمس هذا الحرمان ونحسه كأنه جزء من حياتنا, فالحدث يؤكد محاولة الشاب والفتاة المخطوبين, الحصول على فرصة لإشباع هذه الرغبة الملحة داخلهما, وتوقهما لممارسة هذه العاطفة إلا أن عوائق كثيرة تحول بينهما,فأمر إعلان زواجهما صار شبه المستحيل, إذ إن الشاب تمنى أن يلقم حلمة حبيبته, وهي أيضاً تواقة لممارسة هذه المتعة إلا أنها تموت قبل الزواج, وفي قصة (سروالي وردي) نكون مع راقصة تعاني من شاب مندفع, ينظر من تحتها ليرى لون لباسها الداخلي وهي ترقص, مما يسبب لها إرباكا في مواصلة الرقص, وهي لا تخلو من الطرافة, وتتضمن صورة رمزية كبيرة, لأنها تتمتع بداخلها لحركات الشاب وتتابعه حتى وهو في المشفى بعد أن فقأت عينه, ويخيط لها لباسا يحمل العلم, وقد خلعته لتلوح به في إحدى المناسبات, وفي قصة (مدخرات) يكشف لنا القاص عن ما سببته الطائفية المقيتة في الإيغال في هذا الحرمان, ويتناول القاص قصة (أسرار) وقد اتضحت المعالجة واللمسات السحرية في التناول السردي, إذ إن بطل القصة مقبل على عملية من نوع خاص لاجتثاث الهموم من داخله, بسبب ما يحصل لفتيات الملجأ من عملية اغتصاب قاسية وظالمة من قبل رجال ملفعين بالسواد كأنهم غربان سود, وفي قصة (أذن من طين) نجد أنفسنا أمام حالة غريبة، فبطلة القصة تعاني من مرض في العصب السمعي وتصيبها هستيريا عند سماع الضجيج, ومحاولة الأطباء علاجها في الوصول إلى التخفيف من هذا الضجيج, إلا أنه بات يجتاح حياتنا (منظر الجثث المقطّعة التي تخلفها الانفجارات تحاشته بإغماض العينين, اتقاء ما يحدث من إطناب للفوضى)ص 68 وفي قصة (بيت جني) يطرح القاص مسألة فتوى زواج القاصرات، ثم ينحى منحاً اخر ليتحدث عن غانية تحت إمرة قواد, يصل فيها الحرمان إلى الحد الذي آن لفرجها اسنان تقضم القضيب, تبدو أن قصة (غسالة صاحبها سرحان) تختلف عن قصص المجموعة، كون بطلها رجلاً إلا أنها ترتبط من حيث الرمز بكون تاريخنا أصبح قذراً ويحتاج للغسل, وفي غرابة واقعية ساخرة يشتري بطل القصة غسالة, ويفتح محلاً في المتنبي لغسل التاريخ (إن شئت سوف نضع الغسيل الناتج على ورق أبيض, ستتداخل الحوادث, لكن صدقني ستنتظم في تاريخ جديد, غير ذلك الإفك..) ص2, وفي قصة (بارز دالي) التي تتحدث عن شاب ينظر بين فخذي الصحفية, أما قصة (احتفاء) فقد شاء القاص أن يجعل هذه المرأة جميلة,وهي مثار إعجاب الجميع, وهي تعمل مدرسة, وهي الحلقة المكملة للنسوة الاثنتي عشر, (عند المحطة مر شريط طويل لأناس, كانوا يتجمعون رغبة في الفرح, يؤدون احتفالاً مرادفاً للانتشاء والخصب) ص 95 وبعد مرورنا بحياة تلك النسوة اللواتي هن تواقات لحياة فيها تتحقق أحلامهن, وأمانيهن, ورغباتهن المكبوتة, والتخلص من الحرمان, وهن شاهدات على بلاد فقد التوازن, ومقبل على كارثة, لذا فإن القاص يكتمل عنده الرمز الكبير الذي توخاه من خلال الرحلة السردية لعالم تلك النسوة ليعلن التحاقهن, وتوحدهن ليلتحقن إلى الحافلة، ونجد ذلك في قصة (في البدء) لمحاولة التخلص من حيواتهن, والهروب إلى حيث الطبيعة التي بإمكانها أن توفر لهن ما يصبون اليه, لأن الإحساس بأن المدينة بدأت تحترق, بسبب دخول طيور الظلام, وإن طيور الظلام هم الدواعش الذين دخلوا البلاد عنوة, ونحن ننظر إليهم وهم يعيثون في الأرض خراباً وفساداً, ويشير القاص إلى النسوة في سنجار الذين قيدن سبايا, إن تنبؤ القاص بكون المدينة تحترق _ حيث بدأ الاحتراق من (كمب سار) ثم اشتعل في (الكرادة) ومازال الحريق يتقدم, إنما هو صرخة تحذير هام لمواجهة هذا المد الخطير, ومحاولة إخماد تلك الحرائق, إن الجهد الذي بذله القاص في هذه المجموعة في جعل كل نص قصصي يتمتع بجمالية خاصة متأتيا من خبرته في أن يقدم فضاءات سردية تنوعت بها طرق التناول, وأدخلت فيها كل أشكال السرد, وتحمل رموزا متعددة, تمضي بطريق يفضي إلى الالتقاء ثانية ملتحمة بالرمز الكبير الذي يصهر النصوص السردية ببوتقة واحدة, فيوحد الرؤيا عندما تلتقي خيوط السرد برافد واحد يشكل حالة من الخلاص, إن القاص استطاع إن يقدم نمطا جديدا من السرد, إذ إن لكل نص حدثا وحكاية ومسيرة سردية تتصاعد وتتواتر وتصل إلى ذروتها وإلى نهايتها، وإنها ترتبط بسابقتها من حيث السياق الفني والفكري والخطاب الأدبي والثقافي, فيكون لمجموعة النصوص خط تصاعدي يشكل المنحى الفكري التحليلي لكل حالة من تلك الحالات, وهو أيضاً يسير بمسيرة سردية نحو النمو المتكامل للرمز, وتتحد تلك النصوص بنص يشبه الوعاء الذي يستوعبهن ليجعل منهن نسيجا آخر يشكل النهاية الصحيحة لواقع الحرمان المر الذي عانين منه النسوة, أو ما آلت إليه الحياة المغلقة في هذا البلد, إن مجموعة (بيت جني) للقاص والروائي حميد الربيعي تتميز بكونها حالة متفردة ومميزة, كونه لم يكتفِ بتناول النصوص, بل جعل لهن ممرا يصل إلى الرافد الكبير, ليكون منه نصاً قصصياً آخر يحتويهن ويمضي بهن نحو الانفراج.






















