
الحديديون الجُدد – عبد المنعم الاعسم
في خبر عابر يشار الى تزايد «غير طبيعي. لافت. استثائي» في دخول اساطيل من شاحنات الحديد والخرسانة عبر منافذ حدودية تحت سطوة «مَنْ له سطوة» والغريب في متن القصة ان هذه الشاحنات لا تتوجه الى مصانع معطلة لكي تعود الى الانتاج، ولا الى بنى تشغيلية تحتية دوّخونا طويلا بقوانة خطط إنعاش الصناعة الوطنية ، بل ان غالبيتها (انتباه!) تأخذ طريقها الى مولات ومجمعات للعقار وباحات مساجد خاصة بشركات يملكها ساسة كبار ومسجلة باسماء أتباع من العائلة، الامر الذي ألهم احد هواة الرسم الكاركتيري ان يرسم شاحنة حديد تدخل العاصمة فيما سائقها نائب «مؤمن» معروف بشتم الفاسدين والتوعد بهم، ونشر مدوّن في تعليقه على الموضوع قائمة باسماء حرامية الحديد، ومشاريعهم، وخاطرة عن «الحديديون الجدد» فيما يبدو ان الغضب سيتوجه في قادم الايام نحو مادة الحديد بذاتها، مَن يدري؟.
قبل ذلك، ان الحديد مادة صماء، محايدة، حتى حين دخلت عليها عبقرية الانسان قبل حوالي الف سنة ونيف وجعلت من تلك المادة آلة بخارية لقَطع (قص) النقود.. فقد لاحظ مخترع الآلة الاسكندراني هيرون ان ثمة تلاعب في ذلك الجهاز، وثمة متلاعبين واعمال غش ونصب في سبل استخدامه، وذلك قبل ان تـُلهم تلك الالة العجيبة كتاب قصص الخيال العلمي ليتنبأوا باختراع الانسان الآلي، فيما استطاع العالم جورج ديفول تقطيع المصقولات الى جزيئات غاية في الدقة ليصنع منها الالكترونيات والميكانيكا والبرمجيات.
مادة الحديد، مرة اخرى، صماء.. لكنها صارت، على يد اجيال من المخترعين والصناعيين تنجز وظائف لا يتكمن الانسان من إنجازها، ومن بينها «آلات الاستشعار عن بعد» الامر الذي كان العراق قبل عقد من السنين (لسوء حظه) في حاجة استثنائية اليه للكشف عن المتفجرات التي تـُدس بالملابس وتحت مقاعد العجلات في ظروف استشراء العنف والارهاب، وقد اتخذ اسماء ساحرة: جهاز الكشف عن العجلات. جهاز كشف المتفجرات عن بعد. جهاز كشف المتفجرات عن قرب. جهاز التشويش الذبذبي. جهاز كشف القنابل المطمورة.. واختصرت كلها بكلمة «السونار» وقد ظهر بان كل تلك الرموز لا تعدو (في حالة العراق) عن اكاذيب لـُفقت على عجل لتسريع عمليات النهب المنظم، ولسد حاجة العراقيين (آنذاك) الى معجزة لدحر دورة الموت المنفلتة.
في كل الاحوال.. ليس كل حديدٍ حديد، لكن الحديد (كل حديد) لا قيمة له في ذاته من دون تصنيع، وحين يُصنع تبدأ فضائله.. ونذالاته.


















