التكريم بعد الرحيل

التكريم بعد الرحيل
من الأمور التي تثير التساؤل المحرج ، هو انك تسمع بشاعر ، أو أديب ، أو مفكر معاصر ، يشار إلى قضية تكريمه بعد رحيله ، وكأن الرحيل المنتظر ، أو الآني ، هو مدعاة جازمة لهذا التكريم والاهتمام ، بينما الأجدر وبحسب رأي الملقن حفظه الله ورعاه ، وسدد على الإلهام خطاه! والملقن هذا ملقني يتحملني وأتحمله أقول بحسب إشارته المحترمة كان الأجدر أن نملأ هذا الفراغ ، ونترجم هذا العويل والصراخ مقدما قبل أن يرحل عنا مدمدما مغاضبا ، أقول كان الأولى أن نملأ الفراغ بما يحتاجه من اهتمام يتناسب مع قوة ذاته ، وتوجهات أفكاره وكتاباته ، ولكنك تجد أن مثل هذا التذكر والاحتفال ، أو التكريم ، يأتي متأخرا ، بعد فجوة كبيرة من الإهمال والتقصير اللذين قد يكونان متعمدين ، أقول هذه الفجوة الكبيرة لايمكن ردمها بطبع نتاج المفكر ، ونحن بالأمس كنا نقايضه بالأمرين ، من اجل أن يطبع كتيب من كتبه المندثرة ، اقصد كنوزه المضيعة ، فاضطر إلى طبعها على نفقته الخاصة مثلا، وهو في حالة من دوي الصخب واللوم الموجه له من أسرته ، ومن هذا وذاك ، واقل مايقال له في هذا الخصوص : أين مؤسسات النشر والتوزيع عنك؟ ، وأنت تنفق قوتك وقوة أسرتك ، وترزمه مرة واحدة مع نزيفك ، من اجل أن يخترق كتابك ، وطائر شهرتك ولو حاجزا بسيطا من حواجز التغييب ، هكذا هو المفكر في واقعنا المؤلم ، مرة تجده مهملا ، ومرة تراه مغيبا ، ومرة تراه مزجوجا في مالاناقة له ولا جمل فيه من الصراعات البيزنطية الواهية ،ومرة تراه حرا تصادميا مع خروقات الواقع المؤلم ، وهذه المشكلة (مشكلة ضياع المثقف تحديدا) تشكل عمود الخطر في مسلسل ضياع الأمة وفناء موروثها تحت طائلة من الإدعاءات الواهية التي يتفضل الجهلة دوما ليكونوا سباقين في إطلاقها ، والافادة الآنية من مطلقاتها .. ذلك أن الأمة أية امة كانت مالم تستند إلى معيار سليم ونزيه في استكشاف عباقرتها ، ورجالاتها الحقيقيين ، وأساطين زمانها ، وتوسيمهم ، والتباهي بهم وهم في ريعان شبابهم ونجوميتهم ، وتدفق عطائهم ، والتلويح بذلك على رؤوس الأشهاد ، بدون تردد أو إحجام ، وتحريرهم من ضريبة الإدعاء الواهي أن الماضين ليس لهم في الحاضر مناظرون، وعدم تبذير جهودهم في طروحات غير علمية تعمل على هدر طاقاتهم وتبذيرها كمقارنتهم مع غير الكفوئين من ذات الإدعاء .. الأمة أية امة كانت مالم تأخذ دورها الريادي كأمة مثقف ، لن يرتقي بها الحال في يوم ما ، ولسوف تبقى امة تعليق الصور على القبور، والتباكي على أطلال الغابرين في عمق الزمان ، وإقامة الاحتفاليات الباكية بدموع الندم على الراحلين.
رحيم الشاهر- كربلاء
AZPPPL