التطور الحدثي ما بين الخطاب الإجتماعي والنفسي – اضواء – علوان السلمان

مجموعة حافات الحلم لإيناس البدران

التطور الحدثي ما بين الخطاب الإجتماعي والنفسي – اضواء – علوان السلمان

النص السردي نتاج وعي فكري وجمالي يحققه المنتج(المبدع) الافراز الاجتماعي الذي يتطلب مهاصرته فكرا وسلوكا.. بتحريكه الواقع وتفجيره بوساطة الخزين المعرفي المضموم باعتماد تكنيك فني سابح بمديات الزمكانية وحركة الشخوص والاحداث من اجل استنطاق الواقع والخروج من صومعة الدائرة الحدثية الضيقة الى فضاءات تتجاوز الحدود وتختصر المسافات بطاقته المتعالية بتمردها على المعايير المهيمنة بطروحاته وبنياته التي تنتظمه.. و(حافات الحلم) المجموعة القصصية التي نسجت عوالمها الحالمة انامل القاصة والروائية ايناس البدران واسهمت دار امجد للنشر والتوزيع على نشرها

وانتشارها/2015..كونها تعتمد اسلوب المراوغة المبطنة بالمفارقة لاستدراج المتلقي صوب اللحظة الدالة على مفاتيح النص من اجل استنطاقه والوقوف على ما وراء الفاظه.. فضلا عن توظيفها الميثولوجيا والحكاية في مواجهة الواقع المأزوم..ابتداء من العنوان النص الموازي المستل من احد عنواناتها الفرعية لاكتنازه بمدياته التاويلية كونه جزء من مكونات التجربة السردية المتوهجة بطاقتها الايحائية المتشكلة من جملة اسمية حذف احد اركانها وظلت قائمة بفونيمين مضافين شكلا امتدادا معرفيا بين

المنتج(المؤلف) والكتابة من جهة وعقدا قرائيا بين المنتج وجمهوره القرائي..كونه تقنية فنية لها دورها الوظيفي المتميز بابعاده ودلالاته التي تحمل اشارات من الانتماء النصي.. (افق قزحي كمدار زحل يتشكل حول جمجمتها التي طالما عصبتها حلقة من

حديد كقبر قديم..تتنهد..قد يسعى المرء سنين آملا في بلوغ لحظة بعينها..لحظة تؤكد تحوله الى الانسان الذي يريده..الذي ولد معه ليغادر شخصا كانه..تخلصا من حياة هي لم تكن حياته.. مازالت تتلمس طريقها بصعوبة الى اناها كمن يعبر نفقا مزروعا بعظام الموتى..وتكابد مخاضات حقيقية هذه المرة لتشهد ولادة ذاتها التي طالما امعنت في طمسها..ترقبها وهي تشق كفن الحياة الاولى كبذرة عنيدة لتورق على حافة حلم..) ص81 ـ ص82.. فالنص يعتمد(التوستاليجيا)بعودته الى جغرافية الذاكرة مع احتفاء بالمراوغة اللغوية المفارقة للتخفيف من الضغط النفسي وحدة الماساة.. فضلا عن استدراج المتلقي صوب اللحظة الدالة للتامل والكشف عما خلف المشهد السردي بالاتكاء على المقومات الفنية وامكانات السرد الذاتية(التداعي..تناغم الصوت

الخارجي(الموضوعي) مع الذات..)..اضافة الى سيطرة الزمن النفسي على امتدات النص المتسم بالقلق مع تعدد الاصوات بتعدد الضمائر(المتكلم/المخاطب/الغائب) وتمحورها حول الهم الاجتماعي كمحرك فاعل ومؤثر في الواقع الاجتماعي داخل بنية السرد الذي يحدد الوعي الاجتماعي والانساني الذي يظهر كوحدة اساس منبقة من واقع التشظي المأزوم.. (وحدك تعرف كل الابواب لانك مقطوع من شجرة….مثلي..تطوف قصور المرابين والامراء وتنفذ خلل اكواخ الشحاذين والشعراء..تهيم على وجهك مع المجاذيب تزدردك الازقة الموبوءة بالتنانة..تبصك افاعي الدروب الاسفلتية وهي تولي هاربة من اسمائها لتعود الى مالكيها الشرعيين…..تستنزف مدنا كبيرة وتستدرج مسافات الغياب لتنفذ في اللامعقول..وكشعاع تطوف العالم مرة ثانية كيما تصل…اليك بذاكرة مثقوبة تسترجع الوجوه الاثيرة والكامدة وهي تعير ملامحها للغياب..تتلاشى رويدا خلف سدم الغيب فتتظاهر باللامبالاة..اعلم اننا لم نلتق من قبل الا انني عشت حياتك بكل تفاصيلها الطويلة والمبهرة..المملة والمروعة معا..اعرف معنى ان تستقبل الحياة بصرخة لتنهيها بشهقة تحمل طعم الرماد..ان تولد على مهد موشوم بخارطة الوهم

والاوجاع لتودعها وفي يدك صك مختوم بطلسم الفجيعة..) ص13.. فالنص مكتظ بعنصري الزمن والحركة(الحدث)..فضلا عن العاطفة التي تنطلق من بين ثناياه مع مفارقة مستفزة للذاكرة.. اضافة الى توظيف بعض التقنيات الفنية والاسلوبية كالاستفهام والتكرار الدال على التوكيد والاهتمام.. والتنقيط(النص الصامت) الذي يمنح النص بعدا نفسيا وسوسيولوجيا ينقذه من التجريد كونه قيمة وجودية تكتسب معناها من الدافع والمتوقع..اذ تستدعي المتلقي لاشغال واملاء التشكيل باللفظ وجعله شريكا في بناء النص.. مع تمثيل عنصر الايحاء عبر لغة مكثفة موحية وفكرة مركزة..تتخذ من الرمز تقنية تشفيرية باسلوب حداثي ولغة رصينة خالية من التقعر ونسج سردي متماسك… (في الف ليلة مسهدة قرات الاسفار احزانا تتصابى بارض…المرايا فيها انكسار..والاماني احتضار.. والسبايا قرابين الاصنام بلا فم.. حين طال صمتها تناهى اليها صوته الرخيم متسائلا: ـ اين مسرور الليلة؟ من خلف الاستار انبثق صوت اجش التمع فحيحه في الارجاء..كنصل اعمى.. ـ انا هنا يامولاي.. اسكته باشارة من يده..ثم اتجه بكليته صوبها ليقول: ـ شهرزاد..ارو لي حكاية لم اسمع بمثلها من قبل..ثم كانما استذكر

شيئا ـ ولكن قبل ان تخبريني بما آل اليه حال ذات الخال..) ص57.. فالقاصة تهتم بالوصف وتحديد العلاقات الاجتماعية لتحقيق المشهد عبر لغة حوارية تعتمد اسلوب الحوار كنمط من التواصل القائم على اساس التبادل والتعاقب بشقيه: الداخلي(الذاتي) للكشف عن دخيلة الشخصية ومدى تفاعلها والخارج..والحوار الموضوعي(الواقعي) الذي يسهم في امتلاك الشخصية

زمام السرد كوسيلة للحفاظ على واقعية الحدث واضفاء الحركة الدينامة عليه.. اما في نصوصها القصيرة جدا فهي تلتقط اللحظة باستخدام اسلوب التصوير السريع لتحقيق مشهدية متميزة بدراميتها الحركية التي تنفذ الى اعماق اجتماعية ونفسية للكشف عن دواخل الشخصية بما امتلكت من ايحاء لفظي وتكثيف جملي.. (مع المساء تهبط الوحشة..جدران الغرفة بيضاء واللوحة ما زالت لامراة مالت بدلال لعاشق يهم ان يقطف من كفها قبلة..تتساءل هل احبها حقا؟..) ص   153  (  لما استيقظ على قرع الدفوف تحسس راسه الذي اخترقته للتو رصاصة عيار9 ملم وكان كل ما عليه لاثبات ذلك اخراج الرصاصة من راسه..).. ص156.. فالقاصة مخلصة لعوالمها النصية بكل اشكالها السردية من خلال اهتمامها بالبنية الدرامية المكثفة والفكرة

وعنصر المفارقة الادهاشية والتركيز على البنية المكانية باعتبارها منظومة ثقافية..اجتماعية داخل مسارات البنية السردية التي هي جزء من نسيج النص العضوي.. فضلا عن انها مسكونة بالانموذج الانساني عبر مخيلة واعية وبناء حدثي دقيق.. وبذلك قدمت البدران نصوصا تنوعت في بنائها السردي مع غلبة الطابع الشعري وتجلي مشاعر الشخصية المركزية وصراعاتها الذاتية ازاء الواقع..مع دقة في متابعة سياق التطور الحدثي المتارجح ما بين الخطاب الاجتماعي والنفسي بمشهدية مفتوحة على التاويلات والاسئلة..