
دمشق-سانا: لم تكن أسواق دمشق في الماضي مجرد أماكن للبيع والشراء خلال شهر رمضان، بل شكلت فضاءات اجتماعية نابضة بالحياة وجزءاً أصيلاً من طقوس الشهر الفضيل التي ينتظرها الدمشقيون كل عام.
وارتبطت عادات التسوق لدى العائلات الدمشقية بطابع اجتماعي وثقافي مميز، حيث كانت زيارة الأسواق قبل رمضان وخلاله مناسبة للاستعداد للشهر الكريم ولقاء الأقارب والأصدقاء في أجواء يسودها الود والتكافل.
في حديثه لـ سانا الثقافية، أوضح عدنان تنبكجي، شيخ كار في الفنون التراثية ورئيس مجلس إدارة جمعية العادات الأصيلة، أن عادات التسوق الرمضانية في دمشق تعكس تقاليد المجتمع الدمشقي المتوارثة، حيث كان الأهالي يحرصون على شراء المواد الأساسية كالأرز والسكر والتمر والحبوب والتوابل بكميات تكفي الشهر الكريم، إلى جانب مستلزمات الإفطار والسحور من الأسواق الشعبية، كالمعروك الدمشقي والتمر الهندي وقمر الدين والعرق سوس، إضافة إلى الحلويات الرمضانية التقليدية كالغريبة والبرازق.
من العادات اللافتة في أسواق دمشق خلال شهر رمضان، بحسب تنبكجي، المساومة مع البائعين التي كانت تشكل جزءاً من ثقافة التسوق ومتعتها، إذ كان الحوار بين البائع والمشتري يتحول إلى تفاعل اجتماعي ودي يتخلله تبادل المزاح والسؤال عن الأحوال وأخبار الناس في الشهر الكريم، ما يضفي على الأسواق طابعاً إنسانياً يتجاوز مجرد عملية البيع والشراء.
وكان المتسوقون يتنقلون بين المحال لاختيار أفضل الأسعار وأجود المنتجات، ما يمنح الأسواق حركة نشطة وحيوية دائمة، كما اعتادت العائلات الدمشقية الخروج للتسوق في المساء بعد الإفطار وصلاة التراويح، حيث تبقى الأسواق مفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل، في أجواء رمضانية تمتاز بالحيوية والبهجة وفق تنبكجي.
وغالباً ما كانت جولات التسوق بأسواق دمشق تترافق مع أنشطة اجتماعية أخرى، كالجلوس في المقاهي الشعبية القريبة لتناول المشروبات التقليدية أو الحلويات، فتتحول هذه الجولات إلى لقاءات تجمع الأقارب والأصدقاء، وفي تلك الأجواء كانت الحكايات الرمضانية تتناقل بين الناس، ويتبادل الأهالي الأخبار في أجواء يسودها الدفء والتقارب.
كما حرصت العائلات الدمشقية خلال هذه الجولات وفق تنبكجي على شراء مستلزمات الضيافة الرمضانية، إذ يشكل استقبال الضيوف جزءاً مهماً من العادات الاجتماعية في الشهر الفضيل، لذلك كانت المكسرات والفستق الحلبي واللوز المحمص والجوز، إلى جانب الحلويات التقليدية مثل القطايف والوربات والكنافة والمدلوقة والنهش، من المشتريات الأساسية التي تحرص العائلات على اقتنائها.
أوضح تنبكجي أنه خلال العصور المملوكية ثم العثمانية كانت السلطات تسمح بتمديد ساعات عمل الأسواق في المدن الكبيرة، ولا سيما في أسواق دمشق القديمة مثل الحميدية والبزورية ومدحت باشا وسوق الأقمشة، لتبقى مفتوحة حتى وقت متأخر من الليل، ما أتاح للناس التسوق بعد الإفطار والسحور والاستمتاع بالأجواء الرمضانية، حيث كانت الأسواق تتزين بالفوانيس والزينة وتزدحم بالمتسوقين لشراء الحلويات والمشروبات الرمضانية ومستلزمات الشهر الكريم، فتغدو مراكز اجتماعية نابضة بالحياة تلتقي فيها العائلات ويتبادل الناس الأحاديث.
أوضح تنبكجي أن دمشق كانت تشهد خلال شهر رمضان ظهور أسواق شعبية موسمية، حيث ينتشر الباعة الجوالون وتقام أسواق مؤقتة في الأحياء الشعبية مع أواخر شهر شعبان وبداية رمضان، لبيع منتجات موسمية مثل التمور والحلوى والفواكه والمكسرات والقهوة، وكانت هذه الأسواق تتحول إلى نقاط لقاء للأهالي في الأزقة والأحياء القديمة، تجمع بين حركة البيع والشراء واللقاءات الاجتماعية بين الأقارب والأصدقاء.
كما ازدهرت في الماضي سلع ومهن مرتبطة بالشهر الفضيل، مثل صناعة الحلويات التقليدية والفوانيس وزينة رمضان ومصبات القهوة المُرّة، إضافة إلى الأفران الخاصة بشواء الحلويات كالمعمول والبقلاوة، إلا أن بعض هذه الحرف تراجع أو اندثر مع مرور الزمن بفعل انتشار المنتجات الصناعية الجاهزة وتغير الأذواق وظروف المعيشة.
أكد تنبكجي أن أجواء رمضان في دمشق كانت في الماضي أكثر تآلفاً وتواصلاً بين الأهالي، حيث تمتلئ المقاهي بالسهرات والحكايات الرمضانية ويشارك الأطفال في الأجواء الاحتفالية التي تميز ليالي الشهر الكريم، بينما تغير نمط التسوق اليوم مع انتشار مراكز التسوق الحديثة وتراجع بعض المظاهر الشعبية الليلية التي كانت تميز الأسواق التقليدية في رمضان.
واختتم تنبكجي حديثه بالتأكيد على أهمية الحفاظ على الطابع التراثي لأسواق دمشق، من خلال تنظيم فعاليات رمضانية في الأسواق القديمة، وتشجيع الحرفيين التقليديين، وإحياء الخانات والحرف التراثية، إضافة إلى توثيق أجواء الأسواق وتنظيم جولات تعليمية بالتعاون مع المدارس والجمعيات، بما يسهم في ربط الأجيال الجديدة بتراث المدينة وهويتها الثقافية.


















