
وسائل الإعلام والمجتمعات النامية
التأثيرات السلبية لنشر ثقافة الإستهلاك – سعد كاظم الطائي
مدخل
تؤثر وسائل الاعلام بمختلف أشكالها على سلوكيات وثقافة واتجاهات الجمهور المتلقي لها وتتفاوت شدة هذا التأثير بإختلاف هذه الوسائل وتفاوت مستويات وعي وثقافة الجمهور، إلا انها في المحصلة النهائية لها التأثير الكبير والمتزايد على هذا الجمهور.
وتمتد هذه التأثيرات لتشمل الأفكار والرؤى والتصورات عن الآخرين وأنماط السلوك وأساليب الحياة ومن ضمن ما تؤثر عليه وسائل الاعلام هو الانماط الاستهلاكية لدى الجمهور، وهو ما تعنى به هذه الدراسة.
ولوسائل الاعلام الدور الكبير في نشر الانماط الاستهلاكية المفرطة لدى جمهورها في المجتمعات النامية وجعلها بفعل التكرار والتوسع في نشرها وبمرور الزمن ظاهرة اجتماعية اقتصادية ازدادت رسوخاً وتطورت الى ان تصبح (ثقافة) للاستهلاك في هذه المجتمعات. وهي ظاهرة انتقلت اليها من المجتمعات المتقدمة، ولم يراعى في نقل هذه الظاهرة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين هذه المجتمعات.
وقد تعاظمت تأثيرات وسائل الاعلام على الجمهور بتطور التكنولوجيا الحديثة المستخدمة في العمل الاعلامي وتغلغلت في مختلف مرافق المجتمع ووصلت الى مختلف الشرائح وفي مختلف الأماكن الجغرافية التي يعيشون فيها.
أي ان تكنولوجيا الاعلام الحديثة زادت من مديات نشر الرسائل الاعلامية وضاعفت من امكانيات تأثيرها على الجمهور.
ومما زاد من هذا التأثير التداخل الكبير والواسع بينها وبين وسائل الاتصال الأمر الذي زاد من حدة التأثير وبشكل متزايد.
التأثيرات السلبية لثقافة الإستهلاك على النواحي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المجتمعات النامية
يؤدي الاستهلاك المفرط للبضائع والمنتوجات الى التأثير السلبي الكبير على عملية التنمية في البلدان النامية، فهو يتسبب بهدر الموارد المالية الموجودة لديها، رغم ندرتها أصلاً، واحتياجها الشديد له لإدامة حركة التنمية فيها.
فالكثير من هذه البضائع هي مستوردة من دول اخرى وبذلك فإنها تعمل على هدر الموارد المالية من دون الحصول بالمقابل على ما يفيد حركة الاقتصاد الوطني فيها.
وأثرت الانماط الاستهلاكية المفرطة على الواقع الاقتصادي لكثير من فئات المجتمع، والتي لا تتفق مداخيلها المالية مع هذه الانماط المسرفة بالاستهلاك والثراء، فلم تستطع الكثير من هذه الفئات مجاراة هذه النزعة واستنزفت مداخيلها المالية مما ادى الى افقارها والقضاء على قيمة الادخار لديها، الأمر الذي فاقم على وجه الاجمال من التخلف والتبعية الاقتصادية لدول الشمال المتطور.
وقد زعزعت الانماط الاستهلاكية بدورها القيم الثقافية لأفراد المجتمع الاستهلاكي، فهي تتنافى وتتصادم مع القيم التي تدعو الى الادخار والاقتصاد وعدم التبذير والاسراف.
وأصبحت النزعات الاستهلاكية في تزايد مطرد، ووصلت حد ظهور عادات وسلوكيات استهلاكية تدعو الى تغيير السلعة المستهلكة بين مدة واخرى، وذلك تماشياً مع تطورات الزمن والعصر والموضة بعدها من متطلبات التحديث ومواكبة العصر.
فساهمت بذلك في نشر قيم سلبية ضارة بالمجتمع تهتم بالمظاهر والقشور وحلت محل القيم الإيجابية في المجتمع. وأسهمت في ايجاد جيل يلهث وراء تقلبات الموضة في كل الأمور البسيطة والمعقدة الضرورية والتافهة، مبدلاً أنماطه السلوكية والاستهلاكية بيسر وسهولة، وفي بعض الأحيان بسرعة فائقة، وحسب ماتصله من الدعايات المحفزة لذلك.
وقد تأثرت الشرائح الاجتماعية بعضها بالبعض في نشر هذه الانماط في عملية تقليد جماعية مؤثرين بعضهم بالبعض الآخر.
وأدى الاستمرار في عملية الاستهلاك المفرط الى ايجاد رغبات ونزعات استهلاكية متوالية لدى هذه الشرائح، وما يتفق ومصالح الشركات المنتجة للسلع والبضائع على حساب الفئات المستهلكة وبما أدى الى استنزاف دخل هذه الفئات وتحويل اسواق الدول النامية وشرائحها الاستهلاكية الى مجرد توابع واسواق لتصريف البضائع.
مصدر جيد
وباتت الكثير من هذه الشعوب، في كثير من الحالات مجرد مستهلكين هامشيين يشكلون مصدراً جيداً لللربح بصرف النظر عما ساهمت به هذه العملية من آثار سيئة على واقعهم الاقتصادي والاجتماعي وترسخت ظاهرة التبعية الاقتصادية للخارج وبما أثر سلباً على الصناعات الوطنية فيها وعمل على اضعافها وشلها وبما أدى في بعض الأحيان الى توقفها بالكامل.
ذلك أنها بطبيعة قدراتها لا تستطيع مجاراة هذه الشركات في امكانيات انتاجها سواء من ناحية الكم أم الكيف لضعف امكاناتها الفنية والتكنولوجية والمالية والتسويقية.
الأمر الذي جعل من المجتمعات النامية مجرد مستهلكين سلبيين للمنتجات الغربية.وغير فاعلين في حركة الانتاج العالمي التي تشهد نمواً وتطوراً متسارعاً جداً.
وإذا ما استمر هذا الواقع على نفس المنوال في تخلف هذه المجتمعات وعدم استطاعتها النهوض بواقعها المتخلف فإنها في نهاية المطاف ستجعل من نفسها مجرد مجتمعات راكدة مهيئة للاندثار والانقراض.
دور وسائل الإعلام في نشر ثقافة الاستهلاك
تقوم وسائل الاعلام بدور كبير في نشر النزعات الاستهلاكية وتعميقها بين افراد المجتمع سواء بشكل مباشر عن طريق الاعلانات أو بشكل غير مباشر عن طريق المسلسلات والبرامج والأفلام والمواد الاعلامية الاخرى التي تحمل افكارا تدعو الى الانماط الاستهلاكية في المجتمع.
وقد كان لعولمة الاعلام العالمي دوراً مضاعفاً في ذلك فعملت الاحتكارات الاعلامية الدولية ذات رؤوس الأموال الضخمة على فرض سيطرتها على الخارطة الاعلامية الدولية والتحكم في حركة الاعلام الدولي وتسييره وفق مصالحها وذلك عن طريق امتلاكها سلسلة واسعة وكبيرة من وسائل الاعلام على امتداد دول العالم وتحكمها بحركة الانتاج العالمي.
فعمدت إلى تشكيل الأذواق والرغبات والأنماط الاستهلاكية والترويج للاتجاهات والأفكار والرؤى وحسب الأهداف التي يراد تحقيقها. وبعد أن كانت ظاهرة الاحتكارات الإعلامية تقتصر على حدود دولة معينة امتدت سيطرتها لتشمل دولاً عديدة وفي مختلف قارات العالم. فشكلت كيانات أخطبوطية امتدت اذرعها لتشمل كل وسيلة إعلامية يمكن الوصول إليها ويتم عن طريقها تحقيق المزيد من الأرباح التي تأتيها بشكل رئيسي من الإعلانات التي تنشرها.
فضلاً عن تحكمها بحركة الإنتاج الإعلامي العالمي فالبرامج والأفلام والمسلسلات والمواد الإعلامية الأخرى غزت الوسائل الإعلامية الوطنية في الدول النامية حتى ان الكثير من المحطات التلفازية في هذه الدول تشغل المواد الإعلامية المستوردة من الدول الغربية أكثر من نصف أوقات الإرسال فيها، وذلك بسبب ضعف إمكاناتها الفنية والنوعية والمالية والتكنولوجية في الإنتاج الإعلامي.وبذلك فإن ظاهرة الاختلال الإعلامي العالمي ازدادت تفاقماً بإزدياد تمركز الإعلام الدولي وتعمق أحادية حركته بإتجاه واحد من الشمال إلى الجنوب، بكل ما يحمله من قيم غربية ويأتي الاستهلاك المفرط كواحد من هذه القيم.
وتعمل وسائل الاعلام عن طريق ترويجها للانماط الاستهلاكية المفرطة بعملية نقل (صورة) المجتمعات الغربية بما تحمله من دلالات وتصورات ومضامين الرخاء والرفاهية التي تعيشها هذه المجتمعات والمقترنة بالاستهلاك المفرط الى جمهور وسائل الاعلام في الدول النامية وتزين لهم او تحثهم بشكل مباشر او غير مباشر على الاقتداء بها. أي انها تعمل على اقران الرفاهية بالاستهلاك والرخاء بالاسراف، فتدفع جمهورها الى محاكاة النمط الغربي في محاولاته البائسة لبلوغ الرفاهية التي وصلت اليها المجتمعات الغربية.
وبما ان الكثير من فئات الجمهور غير محصنة بالثقافة اللازمة وغير مدركة لأهداف ومرامي المضامين الاعلامية، فإن توجيهها الوجهة التي يراد لها يكون بسهولة، فالجهل هنا هو مفتاح لتحقيق الاهداف وتنفيذ الغايات مما يدفع بالكثير من فئات الجمهور الى الانسياق وراء تقليد هذه الانماط الاستهلاكية متأثراً بهذه المضامين التي تدعو اليها المواد الاعلامية او الاعلانات مدفوعاً بحب التقليد أو التأثر بما يشاهده او يسمعه او يقرأه من نزعات استهلاكية أو افكاراً تدعو لها.
واستغلت (سلطة) وسائل الاعلام ابشع استغلال وتم توظيفها بالشكل الذي يحقق اهداف الشركات الرأسمالية المنتجة للبضائع والسلع وتحقيق اقصى غايات الربح لها، عن طريق الترويج للنمط الاستهلاكي الذي تسعى له وبما يعمل على تصريف وشراء منتوجاتها وبضائعها بشكل كبير ومتزايد.
وتم ذلك على حساب الاهداف الاخرى لوسائل الاعلام في التوجيه والارشاد والتثقيف والتعليم والاعلام والنهوض بواقع هذه المجتمعات فطغى هدف الربحية على وسائل الاعلام، والتي تأتيها عن طريق الاعلانات.وهناك مجموعة من الآليات الاعلامية التي عملت وسائل الاعلام عن طريقها بنشر ثقافة الاستهلاك في المجتمعات النامية يمكن ان نلخصها بالآتي:
الاعلانات: تشكل الاعلانات احد ابرز واهم الموارد المالية لوسائل الاعلام التي تؤمن لها الاستمرار في عملها وتحقق الارباح لها.
وقد اكتسحت الاعلانات مختلف وسائل الاعلام سواء المقروءة ام المسموعة ام المرئية ام الالكترونية.
وشكلت عائداً متزايد الاهمية لوسائل الاعلام فجعل الكثير منها تولي الاعلانات الاهمية الاولى، فهي تهدف الى تحقيق الربح بصرف النظر عن الاهداف الاخرى.ووصلت المبالغ المالية التي تصرف على نشر وتصنيع الاعلانات سنويا الى مبالغ طائلة تبلغ مليارات الدولارات. وباتت الاعلانات (صناعة) قائمة بذاتها تدر على الشركات المصنعة والمسوقة مليارات الدولارات.
وتعد الاعلانات احدى اهم الادوات التي تستعملها الشركات الرأسمالية المنتجة للبضائع والسلع في نشر الانماط الاستهلاكية في المجتمع.
فعن طريق الاعلانات تحث الجمهور على الاستهلاك والترويج لسلعها والدعوة لنشر النمط الاستهلاكي الذي يتماشى ومصالحها.
وتترك الاعلانات تأثيراً سلبياً في الجمهور من ناحية ايجاد انماط استهلاكية مفرطة في الاسراف ناتجة عن التأثير بما تدعو اليه هذه الاعلانات لمختلف انواع البضائع والسلع الشديدة الاهمية الى ضروريات الحياة مروراً بالسلع والمواد غير الضرورية أو الكمالية والسلع ذات الترف الكبير والتي لا تتفق اسعارها مع مداخيل الكثير من شرائح المجتمع في البلدان النامية.
فضلاً عما قامت به عملية الترويج للسلع الاستهلاكية المستوردةمن تأثيرات سلبية كبيرة على الصناعات الوطنية من حيث رواج المنتوجات الغربية على حساب المنتوجات الوطنية وتوجيه الصناعات الوطنية في بعض الدول لمحاكاة هذه البضائع والسلع رغم ان الكثير منها لايسهم في عملية التنمية بقدر ما يؤدي الى التأخر والتبعية للاسواق العالمية.
واستشرت النزعات الاستهلاكية غير العقلانية بين افراد المجتمع مع طغيان الاعلانات في كل وسائل الاعلام وانتشارها الواسع جداً فيها، ودعوتها المستمرة لنشر الاستهلاك في ارجاء المجتمع كافة.
شركات مصنعة
فالماكنة الانتاجية للشركات المصنعة تدور وتحتاج الى تصريف للبضائع التي تنتجها والى اسواق جديدة تحقق لها المزيد من الارباح لذا فانها لا تتوانى عن دفع المبالغ المالية الطائلة لوسائل الاعلام لقاء الترويج لبضائعها وبما يؤمن لها تحقيق اقصى الارباح.
البرامج والمسلسلات والافلام والمواد الاعلامية:تشكل البرامج والافلام والمسلسلات لاسيما الدرامية منها احد اهم المواد التي تبثها وسائل الاعلام المسموعة والمرئية والتي يمكن ان تروج للنزعات الاستهلاكية بين افراد المجتمع. ويمكن ذلك عن طريق طرح وتناول الافكار والرؤى التي تدعو الى نشر النزعات الاستهلاكية أو تؤكد عليها وتعمل الكثير من الافلام والمسلسلات على نشر النزعات الاستهلاكية بين جمهور وسائل الاعلام عن طريق تناولها للافكار والاتجاهات التي تدعو الى الاستهلاك ويتم ذلك بتصويرها للشخصيات المستهلكة بشكل او بآخر وتناول بعضها ضمن السياق الدرامي للعائلات المترفة والكيفية التي يعيشون ويتصرفون فيها.
وتؤثر الدراما في الجمهور بشكل كبير، على افتراض انها محاكاة للواقع المعيشي وانها تجسيد لشخصيات من الواقع وتلاقي اقبالا واسعا من الجمهور.
وتؤثر بشكل غير مباشر على اثارة النزعات الاستهلاكية عند الجمهور عن طريق عملية التقمص لديه والتي تترك اثارها على سلوكه لاحقا سواء بشكل ارادي او لا ارادي.
فهو يحاول تطبيق التجارب المنقولة له اعلاميا او تقمصها في واقعه المعيشي. لذا فان الدراما تعد اداة من ادوات نشر الانماط الاستهلاكية لدى الجمهور.
استطلاعات الرأي العام ومسوحات السوق: استخدمت استطلاعات الرأي العام ومسوحات السوق في كثير من الدول لغرض معرفة رغبات المستهلكين وكيفية تشكيل تلك الرغبات والتأثير عليها.
وتم توظيفها لغرض الاستفادة منها من اجل تحقيق النجاح في خطط الشركات المنتجة في التسويق والحصول على اقصى الارباح. وحاولت هذه الشركات عن طريق جمع المعلومات والبيانات عن رغبات المستهلكين التأثير على الرغبات الاستهلاكية وتوجيهها الوجهة المطلوبة وبما يعمل على (تشكيلها) وفق غاياتها. فضلا عن الاستفادة من نتائج البحوث العلمية في طرق التأثير على السلوك الانساني والتأثير على اتجاهاته نحو السلع والمواد والاشياء واهم المؤثرات عليه.
كما استخدمت مسوحات الرأي العام لمعرفة تأثيرات الاعلانات على الجمهور واتجاهاتهم ازائها، لمعرفة مدى تأثيرها عليهم وتلافي السلبيات ان وجدت فيها وتعديلها وبما يحقق اعلى درجات النجاح لها.وقد استخدمت كل هذه الآليات بصورة او باخرى من اجل نشر النزعات الاستهلاكية وتعميقها في المجتمع وبالشكل الذي اوجد (ثقافة) للاستهلاك في البلدان النامية بين جمهور وسائل الاعلام وبما اثر سلبا عليها وعلى واقعها. ان انتشار النزعات الاستهلاكية المفرطة في المجتمعات النامية مقرونة بالتخلف الاقتصادي الذي تعيشه الكثير منها، لهو كفيل بتحقيق اقصى درجات التخلف والتأخر لها.فالشعوب التي ارتضت لنفسها مجرد استهلاك ما ينتجه الغير من دون المساهمة مساهمة ايجابية وفاعلة في حركة الانتاج العالمي البالغة التقدم والمتلاحقة التطور بإطراد، هي شعوب تحكم على نفسها بالتقهقر المادي والحضاري ثم لا تلبث أن تجد نفسها بعد عدة اجيال مجرد كائنات طفيلية مستهلكة قابلة للاندثار والانقراض.





















