الاغتيال عنوان دولة

د. فاتح عبدالسلام

هناك‭ ‬قاعدة‭  ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬الاستثناء‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مطلق،‭ ‬مستنبطة‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬التاريخ‭ ‬،‭ ‬مفادها‭ ‬انّ‭ ‬أية‭ ‬دولة‭ ‬تسود‭ ‬فيها‭ ‬الاغتيالات‭ ‬يعني‭ ‬انّ‭ ‬حكمها‭ ‬ضعيف،‭ ‬ويتجه‭ ‬للفشل‭ ‬والتحول‭ ‬الى‭ ‬اللادولة‭ ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬وتيرة‭ ‬القتل‭ ‬اليومي‭ .‬

لا‭ ‬توجد‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬،حدث‭ ‬فيها‭ ‬اغتيال‭ ‬ضد‭ ‬شخصيات‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬،‭ ‬سياسيةً‭ ‬وعامةً‭ ‬وخدميةً‭ ‬في‭ ‬سبع‭ ‬عشرة‭ ‬سنة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬العراق‭ .‬

الاغتيالات‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وفلسطين‭ ‬تبدو‭ ‬نقطة‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الدم‭ ‬العراقي‭. ‬

سياسيون‭ ‬وأصحاب‭ ‬رأي‭ ‬وأساتذة‭ ‬جامعيون‭ ‬وعسكريون‭ ‬ومعارضون‭ ‬وموظفو‭ ‬خدمة‭ ‬عامة‭ ‬ودبلوماسيون‭ ‬وأطباء‭ ‬ومهندسون‭  ‬ومتظاهرون‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬والرجال‭ ‬،‭ ‬جميع‭ ‬هؤلاء‭ ‬مع‭ ‬عناوين‭ ‬تفصيلية‭ ‬أخرى‭ ‬،‭ ‬كانوا‭ ‬وقود‭ ‬الاغتيالات‭ ‬القصدية‭ ‬،‭ ‬ولا‭ ‬أعني‭ ‬هنا‭ ‬القتل‭ ‬بواسطة‭ ‬المفخخات‭ ‬والعبوات‭ ‬الناسفة‭ ‬في‭ ‬الطرقات‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬ضحاياها‭ ‬بالآلاف‭ .‬

الاغتيال‭ ‬هو‭ ‬النتيجة‭ ‬المباشرة‭ ‬للعجز‭ ‬عن‭ ‬الحوار‭ ‬،‭ ‬والاغتيال‭ ‬هو‭ ‬التعبير‭ ‬الحقيقي‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬أية‭ ‬جهة‭  ‬تتورط‭ ‬بهذا‭ ‬الفعل‭ ‬الشنيع‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬عنوانها‭ .‬

لا‭ ‬توجد‭ ‬مؤشرات‭ ‬توحي‭ ‬بأنّ‭ ‬هناك‭ ‬إجراءات‭ ‬لوقف‭ ‬القتل‭ ‬لمجرد‭ ‬الخلاف‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬،‭ ‬ذلك‭ ‬ان‭ ‬جميع‭ ‬الاغتيالات‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬هي‭ ‬محاولة‭ ‬لفرض‭ ‬رأي‭ ‬واحد‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬سواء‭ ‬بقرارات‭ ‬من‭ ‬حركات‭ ‬وجهات‭ ‬داخلية‭ ‬أو‭ ‬لتنفيذ‭ ‬أوامر‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ . ‬كما‭ ‬ان‭ ‬جميع‭ ‬عمليات‭ ‬القتل‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬يجري‭ ‬تقييدها‭ ‬ضد‭ ‬مجهولين‭ .‬

أين‭ ‬يتجه‭ ‬العراق‭ ‬؟‭ ‬ومتى‭ ‬يستطيع‭ ‬الحكم‭ ‬فيه‭ ‬إقرار‭ ‬مرتكزات‭ ‬الدولة‭ ‬المستقرة؟‭ ‬

وما‭ ‬فائدة‭ ‬القوانين‭ ‬والدستور‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يصب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الضياع؟

يبدو‭ ‬ان‭ ‬الاغتيال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬عنوان‭ ‬مرحلة‭  ‬زائلة‭ ‬كما‭ ‬كُنّا‭ ‬نظن‭ ‬في‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬عقب‭ ‬تفسخ‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بعد‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأمريكي‭ ‬للعراق‭ ‬بسنتين‭ ‬أو‭ ‬ثلاث‭ ‬،‭ ‬وتحوّلَ‭ ‬إلى‭ ‬عنوان‭ ‬على‭ ‬جبين‭ ‬الدولة‭.‬

رئيس التحرير – الطبعة الدولية

fatihabdulsalam@hotmail.com