
الفصل الثاني:
فقال: جيد لم يسيطر عليك النفور من بدايتها وأتمنى أن لا تنفر, كل شيء في بدايته يسبب لك النفرة حتّى لحظات السعادة والفرح في بدايتها تكون منفرة ربما لأنّها حالة جديدة.
استيقظت في الصباح ووجدت عماداً يحمل حقيبته ويغادر البيت لكي يعود إلى أهله وتوجهت ماشياً إلى الكلية وأثناء مسيري حلمت بأشياء كثيرة.. هذا هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن لأحد الاستحواذ عليه حتّى السلطة التي تستحوذ على كل شيء لا تستطيع أن تستحوذ على حلمي ولا يحق لها التدخل فيه .
وصلت بناية الكلية ويبدو أنّي من أوائل الذين حضروا وبقيت واقفاً على الباب, لا شيء سوى أنّي أنتظرها لكي تمر فإنّ طيفها في الليلة الماضية لم يغادرني, حضرت وكأنّي أرى سرباً من العصافير تتبعها واسراب الفراشات تحمل عنها عناء شعرها, وامتلأ المكان بعبق العطر, وازداد المكان ألقاً ونوراً وكيف لا وقد حضرت؟ .
القت علي التحية :
- صباح الخير سعيد.
أنّها تحية الصباح المعتادة إلاّ أنّي شعرت بهذه الكلمات كأنّها معزوفة من الزمن الجميل أو أنّها أغنية عذبة يتردد صداها في أعماق روحي , وجدتني أرد بلهفة:
- صباح النور. سألتني: ماذا تنتظر هنا؟
أجبت :
- لا شيء.
لم أستطع أن أخبرها أنّي أنتظرها منذ أكثر من ساعة وكنت اترقب اللحظات وكان الوقت يمر ثقيلاً, لم أستطع أن أقول لها أنّ اللحظات والدقائق كانت كالصخور ثقيلة , تصطدم بها عجلة الزمن وتتوقف. هذا شعوري في دقائق أنتظارها, وما يزيد من معاناتي تسارع نبضات قلبي وكأنه لم يكن لي ولماذا هذا التسارع؟ لا أعلم , ربما هو يحث الزمن لكي يمضي قدماً , وهو يأبى, كما نعلّم الصغار على الركض ، نركض أمامهم لكي يتعلموا لكن الزمن لا يسير إلاّ بالخطوات والسرعة التي يختارها هو وليس نحن .
كانت يدها الرقيقة تتحرك بشاعرية وهي تزيل بعض خصلات شعرها عن جبينها الناصع المعمد بالسمار . كنت أسرح بعيداً وأنا اتطلّع إلى وجه يتفجر سحراً وجسد يتلوى وينطق بأنوثة طاغية .. كان علي أن أصدق هذا الحلم المبكر والمصادفة العجيبة وسهولة اللقاء , دخلت إلى قاعة الدرس وتبعتها مباشرة, شعرت بالتعب بعد جلوسي في مقعدي والسبب هو وقوفي كل هذا الوقت الطويل. جلست في موضع أراها جيداً وكنت اتأمل وجهها وأخفض نظري كلما شعرت أنّها تكشف تلصصي على تقاطيع وجهها , لم تعلم أنّي أتوه في حدائق رمشها وغابات شعرها وسواقي عينيها وأذوب في ساحات خدها ,أخفيت وجهي بيدي مراراً بسبب الخجل , أشعر ان اسمها نقش في ذاكرتي , وشعوري المتفجر بها هو انفعالً بجمالها الأخاذ وحركاتها وسكنّاتها المثيرة … لقد خاطبت أعماقي وزرعت صورتها تحت أحداقي , حين أقف قربها حتّى عندما أكون صامتاً أراقبها أشعر معها بسحر الاكتشاف والجاذبية .ظلت هذه الحالة على مدى ثلاثة شهور وأنا كل يوم أذهب مسرعاً وأملي ان أراها واتطلّع في وجهها وكانت عندما لا تحضر إلى الدوام أترك الدوام وأتجول في مروج الجامعة وطرقاتها وأرقب حركات العاشقين خلف المكتبة المركزية وقرب أقسام الري والجيولوجي . كنت كلما عدت إلى قريتي يجتمع حولي زملاء وأصدقاء الطفولة لكي أتحدث لهم عن الجامعة وكيف هي الدراسة فيها وكيف هو المجتمع , كنت أشعر بزهو وهم يجلسون مستمعين حتّى إذا قاطعني أحد أعاقبهم بأن أتوقف عن الحديث لتنهال على الذي قاطعني الشتائم وليطلبوا مني بتوسل أن أسترسل وأنّهم لن يعيدوها.
لم يظهر منها أي اهتمام غير عاديّ طوال الأيّام الماضية كانت تعاملني مثل بقية الطلبة معاملة حسنة طيبة لكني كنت أحترق من الداخل وأريد الاقتراب منها أكثر مهما كان الثمن لكني كنت أخاف من الثمن وأخشى خسارتها إلى الأبد أو أن أسمع منها كلمة قد تكون مؤذية .
حلت امتحانات منتصف العام وأصبحت رؤيتي لها قليلة , وأنتهت الامتحانات وسافر الجميع إلى أهله وكنت واحداً من الذين تركوا مدينة الموصل متوجهاً إلى كركوك .
كان تركي لها قسرياً فلم يبق أحد معي في البيت, كانت مدة الأسبوعين التي قضيتها في العطلة الربيعية هي أثقل ما شهدت في حياتي. عدت بعد انقضاء هذا الوقت الثقيل وأنا أرجو ان أكحّل عيني بها وتمنيت أن تكون هي أول من أقابل فقد شغلت تفكيري طوال الطريق في الباص الذي استغرق ساعتين ونصفاً وأنا أضع رأسي قرب النافذة وانظر إلى المروج والعشب الأخضر الذي بدأ يظهر لتوّه، كان كل تفكيري كيف ألقاها؟ .
دخلت في اليوم الثاني إلى قاعة الدرس وكنت قابلتها في المدخل فبادرتني بالتحية قائلة:
- صباح الخير يا سعيد .. عطلة سعيدة.
أجبت:
- صباح النور أشكرك لكني لم أكن مرتاحاً في هذه العطلة .
قاطعتني:
لماذا ؟
قلت:
- بدون سبب محدّد ربما هو الضجر أو الترقب أو الإنتظار.
ردت علي :
- ابتسم دائماً للحياة ولا تحزن على ما فات واجعل نظرك دائماً إلى الأمام لا تفكّر في اللحظة التي مرّت أو اللحظة التي ستمر فبالأمس لم يكن الأوان قد حان , أعلم أن كلّ شيء مرَ بما هو مرُ لا تنظر للحياة من بابها الخلفي بل تطلع من شرفتها إلى السماء .
قاطعتها:
- هذه فلسفة تنمّ عن دراية وعمق .
ابتسمت بزهو ونظرت نظرة فيها زهو الأنثى ورفعت أحد حاجبيها وأمالت رأسها قليلاً مع ابتسامة مريبة أول مرّة أعهدها فيها وانصرفت بعدها .. لكني سررت جداً بهذا الحوار الذي قد يقودنا إلى حوارات أخرى ويجب أن استعد لمجاراتها. يجب أن اقرأ جيداً للدخول في مناقشتها لأنّها بدت لي مثقفة مطلعة وتقرأ عكس ماكنت أتصوّر أنّها فتاة منشغلة بتسريحات الشعر والملابس والمكياج وغيرها .
هذه الفتاة شغلت تفكيري ولم أكن أمتلك الجرأة لكي أبوح لها عمّا يجول في خاطري ليس لأنّي ضعيف ولكن خشيتي أن أخسرها وأعود مخذولاً منعاني من ذلك , استمر روتين الدراسة طوال النصف الثاني من العام الدراسي وفي كل يوم أعود فيه إلى البيت أشحن روحي وأقول:
- غداً أحسم الموضوع, وفي اليوم التالي تتبدد شجاعتي وأعود طوال الطريق إلى البيت ألوم نفسي وأحدثها في بعض الأحيان بصوت مسموع ولا أنتبه لمرور الآخرين بقربي حتّى أسمع صوت أقدامهم كانوا يتصورون أنّي أتحدث معهم وكنت اتركهم متجاهلاً وقفتهم المتسائلة من هذا الذي يتحدث مع نفسه؟.
4
في بداية شهر آيار جئت إلى الكلية لأنهي الموضوع وأتكلم معها بصراحة بحثت عنها فوجدتها واقفة مع مجموعة من زميلاتها وتتكلم مع إحداهن التي كانت لا تفارقها أبداً .. اقتربت منهن ,ألقيت التحية وقلت:
- آسف لمقاطعتي لحديثكن ولكن لدي موضوع أريد أن أتحدث به مع سماح إسمحي لي يا تغريد بذلك.
قالت:
- تفضل
ووجهت حديثها نحو سماح ، أراك لاحقاً .
تدخلت وقلت لسماح:
- لا ليس الآن وإنّما بعد أن تنهي حديثكِ مع تغريد سوف نلتقي في الممر الجانبي بعد حوالي عشر دقائق ، مرّت الدقائق العشر كأنّها أزل وأنا اترقب حضورها وماهي إلاّ لحظات وأنا أقطع الممر ذهاباً واياباً حتّى حضرت.
قالت :
- ها تكلم ما هو الموضوع الخطير الذي جعلك تتكلم هذه المرّة؟ ورمقتني بنظرة تشبه نظرتها الصفراء كأنّها كانت تعلم أنّي أحترق شوقاً وأرقبها واتأملها فهي مثل أمل الفلاح بالسنابل واخبرتني أنّها تفاجأت عندما رأتني أتقدم باتجاه مجموعة الفتيات .
وقالت:
- أنت الذي لا تتكلم إلاّ قليلاً وكلامك محدود جداً مع الفتيات , وحتّى نحن بيننا كمجموعة نطلق عليك اسم إله الصمت وأتمنى أن لا تنزعج وإذا ازعجك الموضوع فأعتبر أنّها مزحة عابرة وخلاص .
أجبتها:
- نعم أنا أعرف أنّي لا أتحدث إلاّ قليلاً وحديثي يكون وفق ما يمليه علي احتياجي للكلام وليس مجرد ثرثرة فلكثرة الكلام مسأوئ كثيرة وأنا من مجتمع يرفض كثرة الكلام ويحب الشخص صاحب السلوك المتزن والهادئ .
ردّت علي:
- على أية حال ما هو الموضوع ؟
احمّر وجهي وارتبكت كثيراً وتلعثمت في الكلام فقالت:
- ماذا بك وكأنك تريد أن تبوح بشيء خطير؟ …
لحظتها ارتدت شجاعتي وخأنتني قواي وشعرت أن لساني قد ربطته صخرة لا تتزحزح , وارغمت على تغيير الموضوع لكي أحافظ على اتزاني وأوقف تسارع نبضات قلبي وشعرت بصوت خفي يقول لي:
- إذا تحدثت معها الآن فأن النجاح الذي سوف تحققه هو الفشل وسوف تخسرها إلى الأبد.
أجبتها:
- لا… لا وأنا أتلعثم لا خطير ولاشي , لاحظت أن البحث الذي اخترتِهِ أنت قريب من عنوان بحثي فأرجو أن يساعد كلّ منّا الآخر في الكتب والمصادر ..
أجابتني:
- أشكرك جداً لكن الموضوع لا يستحق منك أن تطلب رؤيتي على انفراد وترتبك في بداية كلامك تصورّت أن الموضوع أهم من ذلك ، على كل حال أكرر شكري لك هل من شيء آخر؟ ..
قلت:
- لا هذا كل الموضوع .
أجابت:
- أسمح لي.
قلت:
- تفضلي وانصرفت ..
شعرت للحظة بهزيمة مرّة منكرة فقد خأنتني جرأتي وكبلت لساني وبقيت ألوم نفسي ماذا دهاني لماذا غيرت الموضوع ومن أين اتيت بموضوع البحث في تلك اللحظة؟ لمت نفسي وضاق صدري وحملت كتبي وأوراقي وغادرت الكلية متوجهاً إلى البيت دون ان أكمل الدروس .وأحسست بينابيع حزن تتدفق في عروقي وبكآبة ثقيلة تهبط على قلبي
رجعت بائساً ولدي إحساس عميق بأنّها أحست بالموضوع جيداً وعرفت ماكنت أنوي التحدث به وزاد تأكيدها عند احمرار وجهي وارتباكي في الكلام وقد فوجئت بموضوع البحث الذي تفاجأت به أنا أيضاً ، هكذا خيل لي .
مرت أيّام عدّة على هذه الحادثة وأنا أحاول أن أجمع شتات قوّتي التي انهارت في أول لقاء منفرد لي معها وقرّرت أن أقول لها ما اردت قوله في نفسي في آخر يوم من الامتحانات واخترت هذا اليوم لأنّها إذا رفضتني سوف أعود إلى مدينتي وبيئتي الأولى لأنّي سأكون في شدة كبيرة وأسى وحزن وخذلان وفي الشدائد والمآسي لن تجمعك إلاّ بيئتك الأولى, وستحن إلى أيّام صباك وتختار العزلة والوحدة . إذا كلمتها الآن وقبل بدء الامتحانات ربما يؤثّر الموقف مهما كان على وضعنا في الامتحانات فكان الخيار هو آخر يوم من الامتحانات ,وفكرت:
- قد لا يأتي اليوم الأخير من شدة ولهي وشوقي ! وطردت كلّ هذه الأفكار, وقلت:
- نعم اليوم الأخير هو الأفضل .
بدأت الامتحانات وفي الليلة التي سبقت الامتحان الأخير لم أنم الليل اطلاقاً بل كنت مثل طفل ينتظر بزوغ فجر العيد لكي يرتدي ملابسه الجديدة ويخرج مسرعاً مباهياً بها الأطفال , وما أن أشرق الصباح حتّى تهيأت للذهاب ووضعت رأسي على الوسادة واستلقيت على الأريكة كنت متعباً لأنّي لم أنم اطلاقاً ويبدو أنّ النعاس غلبني ولم استيقظ إلاّ وقد تبقى نصف ساعة على موعد الامتحان, غادرت مسرعاً ماشياً أحياناً, وأخرى راكضاً, ووصلت قاعة الامتحان متعباً قبل الموعد بخمس دقائق ووجدت المسؤول عن الامتحان قد دخل القاعة وينتظر أن يحين الموعد لتسليم أوراق الامتحان .
بدأ الامتحان وتمنيت أن تكون الأسئلة قصيرة لكي أخرج بسرعة وألقاها ولكن ولسوء الحظ كانت الأسئلة طويلة ومعقدة وكانت سماح تجري الامتحان في قاعة أخرى وليس في قاعتي كتبت ما أعرفه من أجابة وانا أحاول أن اختصر في إجابتي كل ما كان ذلك ممكنّا نظرت إلى ساعتي لم أكن أشعر بالوقت .
قلت:
- لقد أخذت من الوقت الكثير هل من المعقول أنّي قضيت ساعتين ونصف في هذا الامتحان اللعين؟ طويت ورقة الامتحان وسلمتها إلى المشرف على القاعة من دون أن أراجع ما كتبت فيها , مررت مسرعاً من أمام القاعة التي تمتحن فيها سماح كان الباب مغلقاً رجعت مرة ثانية في الممر وقابلت أحد الزملاء الذي كان يمتحن معها بنفس القاعة , وددت أن أساله عنها لكني ترددت خوفاً من أن يفسّر سؤالي عنها بشيء آخر , لم يكن أمامي خيار إلاّ أن اسأله بطريقة أخرى فقلت له:
- كيف أجبت؟
قال:
- كانت أسئلة صعبة ولست متأكداً من أجابتي.
فسألته:
- من بقي داخل قاعتك؟
- قال لم يبق أحد سوى بشار وأسماء وفاطمة وعلي وأنا خرجت لتوّي.
فقلت:
- هل أنت متأكد من أن الذي بقي داخل القاعة فقط هؤلاء؟
قال :
- نعم فنحن في آخر عشرين دقيقة من وقت الامتحان .
عندها ودعته ، وانصرفت أبحث عنها في الممرات المزدحمة بالطلبة المتجمهرين للوداع, شققت طريقي بصعوبة بحثت عنها وكأنّي طفل يبحث عن أمه الضائعة، ولم أجدها شعرت بجبال من الهم تجثم على صدري وتحرك دوران من العبث والفوضى في وسط فلتان الروح وضياع الفكر والمعنى , وكأنّها أشعرتني بأنني السبب في هذا الرحيل ولا داعي لتبريرات غير مقنعة ! .
عشت على وهم يتنافر ويتجاذب كأي خرافة تستمر بتناقل الناس والمسفسطين تسأوي معنى الحياة بالموت والحاضر بالمستقبل ,وأصبحت رحلة الأمل كسيحة أمام براق التشاؤم, أصفرت الدينا في عيني وتبدّدت فرحتي, ضاع أملي بالحديث معها وشعرت بذبول أزهار عمري, تبخّر الحلم نحو المنتهى.
سرت محني الرأس, أجرّ خيبتي قبل خطواتي, كم كنت أشعر بالسعادة على الرغم من صغرها وكم كانت تصغر كلما كانت في متناول يدي لكنها عندما تسربت من يدي أدركت كم كانت كبيرة.
عدت إلى المنزل بتثاقل محاولاً جمع أغراضي وأدفع نفسي لإكمال حقيبتي وجمع ملابسي لمغادرة المدينة لوقت ليس قصيراً, وإنّما أربعة أشهر, وكل ما فكرت في طول الوقت شعرت بمرارة, فكيف لي أن أصبر حتّى شهر أكتوبر المقبل؟ الوقت طويل وأسوأ ما سوف أكون عليه ان أترك قلبي هنا وآخذ بدني إلى مكان آخر, عندها ستكون روحي تعأنّي وحدة لا تطاق .
عدت إلى قريتي انشغلت بممارسة أعمال يومية في الحقل دون تردّد .. كانت لا تغادر تفكيري ,الاشواق تغمرني وأطلال الكلمات تناجي إحساسي وتروي تفاصيل لهفتي لتكسب الكون معناه عندما تهز في قلبي أو تار الحنين لسمفونية اللقاء .
عدت بعد اسبوع إلى مدينة الموصل وسلكت طريقي الذي عهدته جيداً إلى الجامعة لكي اتسلّم نتيجة زرع عام كامل, كنتُ أخشى من امتحان اليوم الأخير الذي أربك كل شيء لدي, أخذت نتيجتي وكنت ناجحاً, حاولت أن أرى نتائج باقي زملائي فطلبت من دكتور نزار أن يعطيني نتائج زملائي وقد رد علي:
- وماذا تريد منها؟
فقلت:
- أنا من مدينة أخرى ولن أستطيع أن أرى أصدقائي إلاّ بعد أشهر فقط أردت أن اطمئن عليهم .
كنت أبحث عن نتيجتها تمنيت أن تكون ناجحة أو حتّى أن تكون مكملة لكي أعود والتقيها في موعد امتحان الدور الثاني ، لم أكن أعرف ما أتمنى لها بالضبط لكن الذي تمنيته هو ان التقي بها مجدّداً . رفض دكتور نزار طلبي وقال:
- أتركهم لا شأن لك بهم وخرجت معتذراً وأنا أحاول تفادي دمعتين أفلتتا من عيني ارتعدت نياط قلبي خوفاً من شبح البعد الذي أخاف أن يفترس روحي .. لكني عبثاً أحاول إبعاد هذه الأفكار. في طريقي نازلاً من المدرجات التي ألفتها وكانت شاهداً علي مسيرتي اليومية ولو نطق رخامها لقال:
- لقد وطأت قدماك كل قطعة هنا فأنت لم تستثن واحدة إلاّ وكان لها نصيب من الشهادة على شغفك.
التقيت تغريد وبادرتها التحية وسألتني:
- ماذا أتى بك في أول يوم لإعلان النتائج؟
أجبت:
أتيت لآخذ النتيجة.
ردت بابتسامة خفيفة وهزت رأسها قائلة:
النتيجة أم شيء اخر؟
قلت لها:
النتيجة فقط ولا شيء آخر, فأكملت:
- ما أتى بي أتى بك الآن احمر وجهها خجلاً .
وقالت:
- لا, لا اتيت فقط للنتيجة .
اكتشفت عندها أن تغريد تعيش قصة حب فقد تركت بشاراً ينتظر على الرغم من أنه أخذ نتيجته فقد سمعت الكثير عن أن هناك علاقة بينهما, لا أعلم فأنا محتار بهمي .
سالتها:
- أين سماح؟
ضحكت هذه المرّة وقالت:
- أتيت تتسلّم النتيجة فقط اليس كذلك؟
قلت:
- نعم.
قالت:
- جيد سماح سافرت إلى الحبانية مع عائلتها لكي تقضي إجازة الصيف هناك وطلبت مني أن أخذ نتيجتها وأخبرها تلفونياً .
صعقني جوابها, كنت أنتظر أن تقول لي ستأتي بعدي أو ربما غداً لكي تتسلم النتيجة , أملت برأسي وقلت لتغريد: عندما تتصل بك بلغيها تحياتي وقولي لها إنّي بحثت عنها آخر يوم لكي أودعها ولم أجدها ، قالت حسناً سوف أبلغها بذلك وانصرفت .
أحياناً تفقد الأبجدية تناغمها عندما نشكلها بكلمات نابعة من قلوبنا تطرق أسماع من نحب حد العبادة لأننا نكون أعباء ثقيلة على تلك الأسماع فيا ليت أبجديتي طرقت قلبك .. أيعقل أنّها لم تلامس شغاف قلبك!…سماح … أعيدي لي بقايا جنوني .. الفرح والعذاب ممزوج بلوحك الذي صورك وكتب هناءك وشقاءك .
رجعت إلى مدينتي وأنا أتمنى أن ينتهي الصيف سريعاً، لم يعد كالصيف الذي كنت أنتظره قبل سنة لا أكثر, لكي أقضي منتصف نهاره على النهر مع أصدقائي, لم يعد فيه شيء يغويني فقد شغلت بما هو أهم منه ، بدأت أحسب الأيّام وها أنا ذا اقترب من استئناف الدوام فما علي إلاّ أن اذهب وأرتب لنفسي مكاناً جديداً أو أن أجدّد إيجار مسكني فعماد الذي تكفّل بكل شيء العام الماضي تخرج الآن .. كنت وضعت عهداً على نفسي بأنّي سوف أصارحها بما أنا فيه عند أول لقاء بها, لم أعد احتمل ما أنا فيه فهي قد حلّت في كل الأشياء من حولي في زقزقة العصافير وصفير الريح وفي أجنحة الفراشات وفي هدير الماء لكنني أذوب حنيناً إليها , وأحسها حاضرة وهي غائبة !
عدت إلى الموصل قبل بدء الدوام الفعلي بأسبوع وأستأجرت شقة في حي الثقافة في الجهة الغربية للجامعة هذه المرة وقبالة أبوابها الرئيسية الثلاثة ..دفعت الإيجار وتبضعت بعض الحاجيات ورجعت إلى أهلي , لكن علي أن أعود بعد خمسة أيّام لأن الدوام سوف يبدأ وأنا الآن في المرحلة الثانية .
5
رجعت إلى مدينة الموصل , وسكنت الشقة التي استأجرتها قبل أيّام , وفي اليوم الثاني استيقظت في الصباح بنشاط وحيوية كبيرتين , وأسرعت إلى الكلية وكلي أمل أن أراها , بقيت انتظر وعيناي ترقبان الشرفات والأبواب شاحبة كأنّها عيون المصروع أو الصياد الذي ينتظر طريدته ويراقبها لكي ينقض عليها , أما أنا فأنتظر من تطاردني في صحوتي وحلمي وأحن إليها وهي ترحل بين الاضلع والقلب , وكأنّي أشعر بخبب الأرجل , وأسمعه طوال الفترة الماضية .. لم تأت وطال انتظاري ومر اليوم الثاني وأنا متلهف انتظر , حتّى تغريد صاحبة الابتسامة السمجة , ثقيلة المزاج لم أرها كنت أتحمل ما يبدر منها لأنّي استجير بها على الرغم من أشواكها ,وكنت أتصوّر ظلها كأنه ظل شجرة عوسج لكن كنت اتحمل نغزتها السامة , لأنّ ما بي من وجع روحي أشد إيلاماً من وخزات تغريد ونظراتها المكروهة .. حتّى تغريد لم تحضر في ذلك اليوم وفي اليوم الثالث كانت اساريري مستبشرة فرحة , نبض قلبي يزداد, كان صديقي علي يرافقني , تعرفت عليه عن طريق جلال وأصبح من أصدقائي المقربين كان في المرحلة الثالثة .
قلت:
- يا علي أشعر أنّها سوف تأتي .
فقال:
- صار لك يومين تنتظر ولم تحضر, لن تحضر حتّى الأسبوع القادم .
قلت :
- لا .. سوف تأتي, إحساسي يقول ذلك سوف أنتظرها هنا .
فقال:
- يا أخي لقد عانيت كثيراً وأعرف كم اكتويت بنار الشوق طوال الأشهر الماضية لماذا لا تترك طيفها وتعيش يومك وتصادق الكثير من الفتيات كل ما غابت واحدة انشغلت بأخرى عش حياتك في الجامعة مثل ما أنا أعيش كل شهرين أجد واحدة أقضي معها وقتاً جميلاً ثم أرحل باحثاً عن ثانية ..
قلت له :
- بل سحر العشق يكمن في واحدة تختزل لك كل النساء.
فقال :
- أسمع عليك استغلال سنوات الجامعة فأنّها حلم لا يتكرر عليك أن تكون شديد الاستحواذ والتملك .. لا تتعمق بالتفكير فالتفكير العميق يفسد اللذات .. تصرف بما تمليه عليك كل لحظة اترك الماضي .. ولا تفكر بالمستقبل فصدقني كل شيء مرسوم وفق دائرة لها بداية ونهاية … الإحساس بالفشل نحن الذي نخلقه … مجرد أن تبدأ دوماً من نقطة جديدة هو نجاح .. التوقف التام هو الفشل … الإنسان بطبيعته يجب أن لا يتوقف إلاّ عند لحظة الموت , وهذه اللحظة الختامية لا أحد يعرف متى تأتي … ولكي تنتصر على هذه اللحظة عليك إلاّ تفكر بها أبداً من حيث الإحساس وليس من حيث التأمل , فكر الا تدخل إلى الجامعة وأنت فلاح قادم من قرية نائية على نهر الزاب الصغير ولا تخرج من الجامعة وأنت فلاح فبقدر ما تكون الجامعة حلماً في النساء والمغامرات وفي تحصيل العلم فهي محطة للانطلاق إلى عالم جديد لا يشبه ما قبله اما عالم النساء فالجامعة مكان يتيح لك الاقتراب منهن واقامة العلاقات التي ربما تستمر لما بعد الجامعة … وقد تكون شريكة عمرك إحدى الطالبات كما تخطط أنت الآن … الجامعة مساحة تختلط فيها المغامرّة والعلم والحلم والنساء والحظ والمستقبل وما عليك إلاّ أن تحسن كيفية الدخول إلى هذا العالم وتتقن كيفية التعامل معه .
لم يكمل علي حديثه حتّى مرت وقد لمحتها من بعيد
قلت ملهوفاً :
- علي ..علي انظر من هناك تحت تلك الشجرة تسير باتجاه مدخل الكلية .
فرد علي :
- الأن أيقنت أن الحب العذري لم ينقرض ولم يندثر ولم يكن حديث القصص والمورث, ها أنا ذا أمسك تلابيبه بيدي , الآن صدقت أنه موجود وكيف شعرت بها وكيف كنت تصر مثل إصرار الأطفال على انتظارها . لكن أسمع الحب لعبة خطرة يجب أن تكون فيها أنت المسيطر .. وحين تفقد السيطرة فأنك ستكون الضحية .. وتكون بالتالي الطرف الأضعف الذي يتلقى الضربات.
لم أنتبه لما يقول علي عيناي رافقتاها كما يرافق الطير صغيره وهو يعلمه الطيران كانت خطواتها تقودها صوبي.
قلت له :
- علي عليك أن تذهب من هنا فأنّي أريد أن أقابلها منفرداً وأتكلم معها
سألني:
- اتطردني وأنا ضيفك اليوم ؟.. لم أجبه وأكمل حديثه … تقدّم باتجاهها بهدوء واجعلها تقرأ الشوق في عينيك ثم انسحب بهدوء فالمرأة لا تحب الرجل الدبق وتكره من يطاردها دوماً .. إنّها تحب الاهتمام والافصاح عن المشاعر ولكن ليس بإلحاح يحرمها الإحساس بالشوق
فقلت :
- اذهب نتكلم لاحقاً ..كان يمازحني .. اذهب لا وقت لدي للمزاح .
ذهب علي مسرعاً واقتربت مني فبادرتها التحية
قالت :
- شكراً لسؤالك عني فقد أوصلت لي تغريد التحية كيف قضيت عطلتك ؟
أجبت :
- أنا لم اقض عطلتي في مدينة سياحية ولم أخرج من بيتي, لقد قضيتها اصارع زمني في الحقل أخرج صباحاً وأعود في المساء ..
ابتسمت وقالت بعذوبة:
- واضح فقد أخذت الشمس من وجنتك الشيء الكثير لكن المهم أن تكون نفسيتك مرتاحة, لا يهم تعب الجسد إذا كانت النفس مرتاحة ..
قلت بيقين :
- نعم هذا صحيح لكن من أين تأتي الراحة النفسية وتفكيري مشغول ولا أستطيع السيطرة على إحساسي .
سألت:
- وماهي المشكلة ؟
قلت مباشرة :
- باختصار وبدون لف ودوران المشكلة أنتِ …
سألت مندهشة :
- أنا ؟؟
فأجبت:
- نعم ..
سألت :
- وكيف أكون مشكلتك وأنا بعيدة عنك ؟
قلت :
- نعم ربما جوهر المشكلة بعدك عني .. أمستعدة لسماع كل شيء الآن ؟
قالت :
- نعم وبحماس شديد.
قلت لها:
- عليك أن تضعي في حساباتك أن الموضوع الذي أريد التحدث فيه لا أريد أن يعرفه أحد وأن تعلمي أيضاً أن ما اطرحه عليك ليس من باب اللهو أو اشغال الوقت .. انا جاد فيما أقول كل الجد ..
قاطعتني قائلة:
- قل ما تريد أن تقول واعتبر أن كلامي هذا وعد ولن أبوح لأحد شيء منه .. والآن شوقتني فقل ما هو الموضوع, تكلم قبل أن يتجمع الطلاب ونكون محل انتباههم ..
قلت :
- يا سماح, تمتمت بالكلام وعادت إلي الحالة الأولى وأنا أتحدث عن البحث ولكن لا بحث لكي أتحدث عنه أو ليكون قارب نجاة أهرب فيه إلى خيبتي , أحمّر وجهي وداهمتني بالسؤال :
- ما بك يا سعيد ؟
فقلت :
- لا شيء أنا عندما قبلت في الجامعة وأتيت للدراسة من مجتمع قروي له تقاليده وعاداته التي نعتز بها والمرأة لدينا محطاً للاحترام والتقدير وفي مجتمعي ربما لا أستطيع ان اقف مع فتاة وأتحدث , لكن أنا الآن في الجامعة وسعيد بوجودي فيها .. صدقيني لم أجرب الحب في حياتي وكنت اعتقد بأنّي لازلت صغيراً على ذلك لكنه طرق قلبي ودخل من دون استئذان وانساب مثل انسياب الماء تحت القش والأدهى من ذلك أنّي أنوء بحمله منفرداً وبدأ يتعبني وشغل تفكيري وأوجع قلبي, عندما شاهدتُك في العام الماضي في الاستقبال رأودني إحساس غريب شعرت بشيء يشدني اليك وتمنيت أن تكوني معي ولحسن حظي تحققت أمنيتي .. وحاولت طوال العام الماضي أن أقول لك أنّي أحبك بثقة مطلقة لكن الخجل والخوف من ضياعك كانا يكبلاني وأنا واثق أن ما شعرت به طوال عام كامل لم يكن نزوة عابرة, والآن بعد مرور عام كامل وأنا أخفيه أحسست بأنّي يجب أن أرحم نفسي وأزيح عنها الهم , يجب أن تعرفي شغفي بك طوال أشهر البعد في هذا الصيف القائظ لم تفارقيني لحظة وقرّرت أن أخبرك في أول لقاء ولتسقط حجارة السماء , قبل أشهر عندما تكلمت معك عن حاجتي لمصادر البحث لم اكن اقصد البحث أو مصادره ولا أعلم من أين اتتني قصة البحث في تلك اللحظة , كنت اقصدك أنت , كان هدفي أن أصارحك و..
قاطعتني قائلة:
للرواية بقية…























