
ليس مشكلة أن اتحمل حر الشقة بكهرباء منقطعة ، المهم أن أحاول الوصول إليها، لم أكن أعلم بالضبط ماذا أريد, حتّى لو عرفت موقع بيتها ,هل أملك من الجرأة أن أطرق الباب وأسأل عنها ونحن في الموصل هذا المجتمع المحافظ ؟ كانت فكرة مجنونة حقا, ذهبت وبقيت أدور هناك ليوم كامل أقطع الأزقة ذهاباً واياباً من دون جدوى وعدت عصر ذلك اليوم متعباً لكن لم أقطع الأمل وقرّرت أن أذهب في اليوم الثاني أيضاً وأدور في الأزقة ، وذهبت وبعد حوالي ساعتين من دوراني توقفت بقربي سيارة شرطة وسألوني:
- ماذا تفعل هنا؟
أجبت:
- هل قمت بشيء غلط؟
ردّ علي الشرطي:
- لا تجادل هل تسكن هنا؟
شاهدت الشرّ يتطاير من عيون المجموعة التي كانت معه من الشرطة وكانوا أربعة قلت:
- لا, لا أسكن هنا وأنا طالب في الجامعة من مدينة كركوك ..
قالوا:
- ماذا تفعل هنا؟
قلت:
- لا شيء.
قالوا:
- تفضل معنا.
ووضعوني في السيارة وأخذوني إلى مركز الشرطة وأنزلوني بقلة احترام وقد اقتادوني إلى ضابط برتبة نقيب وبقيت واقفاً وقال:
- إجلس ، منذ يومين وأنت تدور في هذا الحي ماذا تعمل هنا؟
قلت:
- لا شيء.
قال:
- اعترف أحسن لك فنحن نتابعك واذا تعاونت معنا وقلت لنا من كان معكم سوف نساعدك.
قلت له:
- عن أيّ شيء تتحدث؟
.. ردّ علي متهكماً:
- لا((تغشم)) نفسك صديقك في السجن هنا إعترف عليكم وسوف نلقي القبض عليكم واحداً واحداً… قلت له:
- عن ماذا تتحدث؟ أنا لا أعلم شيئاً عن الذي تقول؟
قال:
- سنرى
وإذا بأثنين من أفراد الشرطة يحضرون شخصاً من السجن وسألوه :
- هل كان معك هذا ؟
نظر وقال:
- لا أعرفه.
وأنا صامت لا أعرف ماذا أقول ويبدو أنّي في ورطة كبيرة .
ردّ علي النقيب قائلاً:
- لن نستطيع أن ندعك تذهب سوف نرسل على صاحب الدار يوم غد ونسأله إن كان شاهدك أم لا. وأنا اسأل ولا أحد يجيبني: ما هو الموضوع؟ وبدون سابق إنذار رجع أفراد الشرطة الذين أعادوا الشخص إلى السجن وقال لهم:
- خذوه حتّى صباح الغد وأرسلوا إلى صاحب الدار صباحاً لكي نسأله حول هذا الشخص .
اردت الكلام ولم يسمح لي ولم يسمع مني وقد جرني أفراد الشرطة جراً ووضعوني في السجن ، لم أنم تلك الليلة أبداً وكانت شقتي قياساً لهذا المكان جنة ، كان أغلب وقتي وقوفاً بسبب زحام السجن, ثم في اليوم الثاني وفي الساعة العاشرة صباحاً نادى علي الشرطي :
- أين سعيد؟
قلت:
- نعم …
قال:
- تعال, وقد أدخلني إلى النقيب وكان هناك شخص جالس, وقور وله لحية خفيفة بيضاء قال له: اتعرف هذا ؟
قال:
- لا ..
سأله النقيب:
- هل كان مع العصابة التي سرقت بيتك . حينذاك عرفت أن الموضوع يتعلق بسرقة منزل, يا الله ما هذه المصيبة, تفحصني الرجل جيداً وقال على الرغم من أن الليل كان يخيم على المكان والكهرباء مقطوعة إلاّ أنّي أعتقد أنّه ليس معهم فقد كانوا طوال القامة جميعهم وهذا متوسط القامة ليس منهم أبداً .
التفت إليّ النقيب وقال لي:
- هل تقول لنا ماهي قصتك هنا في هذا الحي؟ وماذا كنت تعمل؟
في تلك اللحظة خطرت في بالي فكرة ربما هبطت من السماء …. قلت له:
- والله لا شيء أنا طالب في الجامعة وعمي أصيب بجلطة دماغية قبل أيّام وقد قرّرت أن أقول لصديقه المضمّد الذي كان يعمل في قريتنا أنّه مريض ويريد رؤيتك وكنت أبحث عن منزله هنا , وأنا لا أعرف أين المنزل بالضبط سوى أنّي أعرف أنه في حي الإصلاح الزراعي ..
قال: – حي الإصلاح الزراعي ليس هنا وإنما في الشارع المقابل لهذا الحي مع ذلك ما هو اسمه ؟
قلت: – اسمه ذنون يونس عبدالله.
كنت أعرف اسمه جيداً فقد كنت في صغري أذهب راكضاً لكي أوصل له الخبز واللبن صباح كل يوم إذ كان صديق عمي في قريتنا.
اتصل النقيب بمختار الحي وسأله:
هل هناك شخص عندكم بهذا الأسم؟
أجاب:
- نعم ..
كنت أسمع صوته عبر سماعة الهاتف وهو يؤكّد له بوجود هكذا شخص ,وأنّه يعرفه جيدا وأنّه إنسان محترم
قال له:
- نريد منه أن يراجعنا الآن …
حضر ذنون مذعوراً حيث أن الإستدعاء لمركز الشرطة يعني أن هناك مصيبة وقد دخل علينا وقال له النقيب:
- هل تعرف هذا الشخص؟
التفت إليّ , وهو مرعوب وقلت له:
- يا عمي أنا سعيد ابن أخ ابو حارث من كركوك أنا الذي كنت أجلب لك الخبز واللبن صباح كل يوم قبل أكثر من عشر سنوات ….. قال:
- اهلاً يا بني كيف حالك وكيف حال عمك ماذا أتى بك إلى هنا ؟
قلت له : عمي مريض جداً وقد تركته في المستشفى ووضعه صعب وقد طلب مني أن أصل إليك فهو يريد أن يراك وجئت أبحث عنك وقد أخذتني الشرطة من الشارع ولا أعلم لماذا.
قال: – حسناً والتفت إلى النقيب وقال له:
- هذا من عائلة محترمة وطيبة …ما هو الموضوع؟ .
رد عليه النقيب:
- لا, لا شيء إنّه مجرد اشتباه حصلت سرقة في أحد البيوت وكنّا نقوم بالتحقيق ,وقد أخبرنا الأهالي أن شخصاً غريباً يدور في الحي منذ يومين واتينا به إلى هنا للتحقيق، مع ذلك ما دمت تعرفه وصاحب الدار قال أنّه ليس هو خذه معك .
خرجت مع العم ذنون إلى بيته وقدم لي الغداء وسألني عن أحوال القرية وعوائلها وقال سوف أذهب معك إلى كركوك وأرى عمك مادام مريضاً وقال يجب أن تنام عندي اليوم واعتذرت وقلت له نلتقي صباحاً ونذهب.
عدت إلى الشقة مهموماً وتملكتني نوبة بكاء حادة فقد نمت يوماً في السجن من دون ذنب، ذنبي أنّي كنت أبحث عن حبي .في الصباح غادرنا أنا والعم ذنون متوجهين إلى مدينتي ومن ثم أنتقلنا إلى القرية وكان يحدثني عندما بدأنا ندخل إلى المنطقة ونمر بالقرى وقال لي:
- كم تغيرت الآن وأصبحت البيوت مختلفة أتمنى أن يكون التغيّر في البنيان لا في النفوس فقد كان أهل هذه المنطقة من اطيب الناس الذين عاشرتهم في حياتي .
وصلنا وتوجه معي مباشرة إلى المستشفى وسلم على عمي وفرح به كثيراً… وأبلغنا الطبيب أنّ بإمكاننا مغادرة المستشفى , غادرنا ووصلنا البيت عصر ذلك اليوم , وقد تجمع الأهالي والجيران للسلام على عمي وكانت مناسبة أن العمّ ذنون التقى بأغلب من تركهم قبل سنوات طويلة وبدأ يسأل الجميع عن أحوال عوائلهم فهو يعرفهم عائلة عائلة وفرداً فرداً .. كيف لا وهو المضمد الصحي الوحيد في المركز الصحي وكان يقوم بكلّ شيء , التداوي والتشخيص والعلاج ولم يكن له دوام محدّد وإنما كان يعيش في المركز الصحّي الذي هو عبارة عن بيت من الطين من ثلاث غرف واحدة له يسكن فيها وواحدة صيدلية والثالثة للفحص , وكان في خارج المنزل حمام ومطبخ أيضاً , حاله حال جميع بيوت القرى في ذلك الزمن .. كان لا يكل ولا يمل , يراجعه الناس في كل وقت عند الحاجة لمراجعة طبيب, في الصباح والمساء والفجر وفي أي وقت حتّى أصبح واحداً من القرية في حينها .
أنتهت أشهر الصيف وأنا أحسب الأيّام يوماً بعد يوم وأريد لها أن تنقضي لأعلم ماحل بحبي.
غادرت قريتي متوجهاً إلى الموصل لكي أرتب أمور سكني وبعض المستلزمات الأخرى. وصلت إلى الشقة وكانت مدة عقد الإيجار لم تنته بعد, دخلت وإذا بي أجد علياً صديقي, كان قد سبقني وقلت له:
- ماذا تعمل هنا وماذا أتى بك؟
قال لي ضاحكاً بعد أن أخذني بالأحضان:
- لن اغادر وسوف اقعد هنا على قلبك …
قلت:
- لماذا ؟
قال: – قرّرت أن أعيد السنة ولن اتخرج لأنّي إذا تخرجت سوف أذهب لتأدية الخدمة العسكرية في هذا الظرف الصعب وأنا يا صديقي مو مال عسكرية الآن خاصّة وأن جيل الفتيات في الجامعة كل سنة يأتي أحلى من الذي سبقه وكما تعلم أنا اختصاصي فتيات المرحلة الأولى وقد قلت في قرارة نفسي يجب أن لا أدعهن يذهبن مني هذا العام …
كان ضاحكاً مبتسماً يملأ الجو ضحكاً ثم التفت إليّ وقال:
– دقيقة دقيقة لا تأخذني بالأسئلة … أنت كيف هي أخبارك وأخبار سموحتك؟ سكتُ للحظات. أكمل علي قائلاً:
- يا ساتر ماذا حصل؟
شرحت له القصة ..فقال:
- لا تقلق القضية وما فيها دلع بنات ربما تكون زعلانة أقسم لك أنّها سوف ترضى بأول لقاء وأنا كفيل بأن أعطيك الوصفة لذلك , أسمعها كلاماً طيباً وغزلاً وحباً وقل لها كل يوم تصيرين أجمل حتّى وان كانت تعاتب وهي زعلانة بادرها بالقول:
- يا الله ما أجملك حتّى وأنت زعلانة , وأضف للكلام … بالمناسبة صايرة رشيقة حتّى لو كنت تكذب فهذا أحد مزاغل الهروب وأشهرها .
قلت: – دعنا نكمل إجراءات إيجار مسكن لنا ونكمل تجهيزاتنا وأمورنا .
قال لي:
- وهو كذلك .
7
عدنا بعد عشرة أيّام لاستئناف الدراسة وكلّي شوق للقياها وكان علي يدربني قبل يوم ماذا أقول لها إذا كانت زعلانة من باب التهكم وإشاعة الفوضى كما هي عادته ..
غادرت صباح اليوم المحدّد للدوام مستعجلاً ولبست ملابسي الجديدة ووضعت أطيب عطر عندي وهو العطر الذي كانت تحبه كثيراً وأخذت لها هدية قبل يوم من شارع نينوى في (السرجخانة ) وكنت اتحرق للقاء . وصلت الكلية ولم أجدها قلت:
- ربما أتيت باكراً وسوف تأتي بعد ساعة أو أقل, مرت الساعة ولم تأت وكان الوقت يذوب أمامي وتقاسيم وجهي تكفهر سأماً لم تأت ذلك اليوم وعدت خائباً مهموماً التقيت علي وسألني:
- ماذا حصل؟
قلت :
- لم تأت
قال:
- مو مشكلة تأتي غداً وإذا لم تأت سوف تأتي بعد غد لا تهتم انظر للدنيا من الأعلى لا تبقَ تتعامل بشكل جدي هكذا مع كل موقف .
كأنّي لم أسمع ما قال كان بالي سارحاً فيها أتساءل بقلق ما الذي جعلها لا تأتي ؟
أشرقت الشمس وانبثق صباح جديد وكانت أجواء النهار أهدأ إلى نفسي من أجواء الليل فغالباً ما يكون الليل ضيفاً ثقيلاً في ظرف مثل ظرفي, بدأ الليل يؤرقني يا إلهي كم هو مزعج فقرار الحرب يتخذ في الليل وقرار الحب في الليل والسلم في الليل والزواج في الليل والطلاق في الليل أمّا النهار فهو زمان التنفيذ ..
ذهبت ماشياً إلى القسم, وصلت إلى الباب وأنتظرت وبقيت لساعات حتّى أنّي لم أحضر أيّاً من المحاضرات، التف حولي زملائي في المرحلة وطلبوا مني الدخول يجب أن تدخل…
أجبت: – لا …لازلنا في بداية الدوام نحتاج وقتاً لكي ينتظم الدوام .
وردوا عليٍّ:
ولكن نحن في المرحلة الأخيرة وهي مهمة وعلاماتها هي من تحدّد الأوائل على القسم والكلية.
لم أعر لكلامهم أهمية . تركتهم وانطلقت أبحث عن تغريد لأطمئن, كان قلبي يخفق غير مطمئن بحثت عنها ولم أجدها ، وعدت إلى بشار زميلها وسألته:
- أين تغريد؟
قال:
- ماذا تريد؟
قلت له:
- أريد أن اسأل عن سماح .
ففي المرحلة الرابعة لم يعد من شيء محرج ولم يكن هناك شيء لم ينكشف فالكل يعرف منَ يصاحب منَ ,
قال :
- لم تأت اليوم وأمس لكن اعتقد أنّها سوف تأتي يوم غد حسب ما أخبرتني .
رجعت خائباً لليوم الثاني وأنا أحمل الهدية بيدي، كنت متعباً بسبب انتظاري على الباب مثل تمثال وضع في مكان مزعج لا يليق به ولا يتلاءم مع مكانته واحترامه بين زملائه . وكأن الزمن أمامي يمرّ متثاقلاً وتقاسيم وجهي تكفهر سأماً فقد أذابني الانتظار المر واللا مجدي
فكرت:
- ماذا فعلت بي سماح لماذا تتركني هكذا؟
رجعت أقول لنفسي:
- لننتظر.
عدت إلى مسكني وأنا أنتظر أن يحين الغد عسى أن تأتي ويأتي النهار بما هو جديد, الليل يرهقني, يزعجني, أشعر فيه بضيق شديد ، أشرقت الشمس وبدأ الإحباط يأخذ مني مأخذاً أكبر فلم أعد أضع العطر الذي تحبه ولم أرتد ملابسي الجديدة التي تمنيت أن تراني فيها قبل أيّ شخص، كنت ألبس لها واتعطر لها واشتاق لها أيضاً .. وصلت القسم انتظرت ولم تأت انطلقت أبحث عن تغريد وبعد حوالي ساعتين وجدتها لأنّها كانت منشغلة في الساعة الأولى مع بشار , والساعة الثانية لم أستطع أن التقي بها كونها دخلت المحاضرة وبقيت انتظر مقابل قاعتها الدراسية .. أنتهت المحاضرة وخرج الطلاب وما هي إلاّ لحظات وخرجت تغريد, القت علي التحية ثم قالت:
- ها ماذا تنتظر هنا؟ ..
قلت :
- انتظرك لكي أسأل عن سماح
قالت مستنكرة :
- يا أخي ماذا تريد من سماح بعد كل الذي قمت به ؟
تحدثت معي بطريقة جافة لم أعهدها فيها،
سألت :
- وماذا قمت وما الذي حصل؟
علقت :
- يعني ما تعرف أليس كذلك ؟ . كانت متهكمة أكثر مما هي تستفهم ..
قلت :
- أقسم بالله لا أعرف
قالت :
- التقيت بها في هذه العطلة مرتين وكنت أنت محور الحديث, لقد أتت في اليوم المحدّد الذي اتفقتم عليه يوم استلام النتائج وكنتم قد اتفقتم على ان تحددوا موعداً للخطوبة وأموراً أخرى لا أعرفها وأنت لم تأت ولم ترسل لها خبراً أبداً وقد جاءت وأخذت نتيجتها وكانت قد أكملت بثلاثة دروس مما زاد إحباطها وانفعالها بشكل كبير, عادت إلى البيت مكسورة تشعر بأنك تخليت عنها وتركتها وأنك لم تكن صادقاً معها, وبصراحة أنا اتفق معها أغلبكم غير صادقين في مشاعركم خاصّة في مرحلة الجامعة .
بدأت تهاجمني هجوماً عنيفاً قاطعتها قائلاً:
- لم أكذب طوال معرفتي بها لماذا لم تجد لي عذراً ؟ تأخرت عن موعد واحد لسبب قاهر منعني من الحضور وأتيت أبحث عنها من دون جدوى, على أيّة حال سوف أشرح لها الموضوع وتتفهم،…. أين هي الان؟
ردّت بنفس لهجة الغضب:
- هذا إذا رأيتها مرّة ثانية..
سألتها: ماذا ؟
قالت: – نعم لن تراها فقد تركت الكلية في الصيف بتأثير من والدها وقال لها: لماذا تنتظرين سنتين وكانت نتيجتك مكملة سوف استخدم علاقاتي في وزارة التربية لتدخلي دورة سريعة لمدة ثلاثة أشهر وتصبحين معلمة مدرسة ابتدائية . سماح انخرطت الصيف الماضي في دورة إعداد المعلمات وتخرجت, وهي الآن معلمة , ولن تأتي إلى هنا وقد قالت لي ذلك يوم أمس مساءً أنّها استلمت أمر الوظيفة وسوف تلتحق بمدرسة ابتدائية في إحدى قرى نينوى البعيدة .
كانت تغريد تسترسل في الكلام وأنا مصدوم غير مصدق ما حصل وأشعر أن الأمل يضيع وأنّي كنت في محاولة بائسة لإمساك الماء ولا شيء غيره. أهكذا تحسم النهايات؟ أم القدر من يحسمها عنا؟ لماذا لم تأت وتقابلني وتسمع مني ؟
قاطعت تغريد قائلاً:
- على مهلك لماذا تخاطبيني بهذه الطريقة؟ أريد مساعدتك بإيصال رسالة لها .
قالت:
- لا أوصل رسالة ولن التقي بها فقد غادرت صباح اليوم متوجهة إلى مدرسة على حدود سوريا مع العراق وعلى الأرجح لن تعود قبل شهر ودعني أزيدك من الشعر بيتاً حتّى لا تراجعني وتطلب مني أشياء أخرى, سماح خطبها شخص ووافقت وهي الآن مخطوبة فأنصحك أن تترك الموضوع ولا تلح بالأمر ..
شعرت بدوار, اضطررت بسببه إلى الجلوس على أحدى درجات السلالم قرب القاعة, شعرت أنّي بائس صريع لا أفهم ماذا يجري في هذا العالم المجنون الذي تتحكم به أقدار لا تبصر, وبات صعباً عليّ أن أصدق أن العاشقين لهم رأي في قرار هذا العالم .
غادرت تغريد ببرود قاتل وشعرت أنّها فرحة. ..سحبت نفسي مستنداً على سياج السلالم وقد قابلت بشاراً في الطابق الأرضي وقال لي:
- ماذا بك؟
قلت:
- لا شيء
قال:
- هل قابلت تغريد ؟
قلت:
- نعم .
قال:
- وكيف وجدتها ؟
قلت :
- كعادتها واليوم تتكلم بطريقة عدوانية متشفية …
بادرني بضحكة قال:
- نعم من حقها كما تعلم نحن في المرحلة الرابعة واليوم صباحاً أنهيت علاقتي بها وتحررت منها ومن ثرثرتها.
عندها فهمت بعضاً من سلوكها اليوم والذي لم أكن مقتنعاً به منذ أن عرفتها أول مرّة .
عدت محبطاً, لم أذق الطعام طوال اليوم, أجرّ خيبتي خلفي وتكاد رجلاي تخطان الأرض كلما مشيت كنت لا أقوى حتّى على المشي ودخلت إلى الشقة وأنسل جسدي مباشرة إلى الفراش وشعرت بالحمى وأن جسمي بدأ يبرد وأحسست كأنّي أريد أن اتقيأ على الرغم من أن معدتي فارغة .. لم يكن علي قد حضر.. بعد لحظات عصيبة كنت أمر بها جال في خاطري بأن في النهاية تختفي الأشياء وتتبخر أو تتسامى ويسحق كل شيء في رحى الزمن الذي لن يبقي شيئاً, في النهاية تموت جذوة الشهوات ولا يبقى من قهقهات الضحك إلاّ الصدى الصامت البعيد كأنه غواش في صورة لم تكن تدل على شيء سوى المجهول . يذهب الجميع كأن شيئاً لم يكن أو كأنهم لم يكونوا موجودين أصلاً ,كأن تلك المشاعر لم تكن حقيقة ولم تحتمل إصرار الكذب على إزاحتها كل المواثيق بالمقاومة وكلام (لن أتخلى عنك ) ترك طعماً مراً في الفم .
في نهايات المدى كان صوت الصدى عالياً مدوياً, يأتي من المجهول في وديان الزمن المتعرجة لتردد لا شيء يدوم هنا. كل شيء هنا كان من المحطات التي مرت علينا أو أنّ كل من أنتمى إلينا سيذهب مثل ربيع الزهور يختفي في أول صيحة قوية من شمس أيار, سيأتي اليوم الذي نغادر فيه ذكريات الألم هذه ويتغيّر كل شيء لا شيء يبقى على حاله إلاّ الشروق والغروب وعندما تتغيّر محدّدات الزمان هذه ,عندها نكون قد هوينا في العدم .
عاد علي ووجدني في الفراش وبدأ يمازحني، ولما لم أتفاعل معه غير طريقته وبدأ يواسيني ويصبرني ويقول:
- لا تهتم سنجد حلاً مؤكداً أرجوك انهض دعنا نذهب في جولة للمشي.
فرفضت … ثم قال: – قبل قليل وأنا قرب محل الخضار مررت من أمام مطعمك المفضل كانت رائحة الأكل تخطف الأنفس دعنا نذهب لنأكل فأنا ادعوك اليوم على الغداء … فقلت له: – إذهب أنت لا أستطيع.
فشلت كل محاولاته معي في إخراجي من الفراش وقبلها في إخراجي من العزلة النفسية وكأنّي كنت في قطرة ندى ترفض أن تتفتت إذ ضربت حولي طوقاً عجزت كل محاولات علي في كسره . مرت الأيّام وبدأت حالتي تسوء يمرّ الليل ضيفاً ثقيلاً علي حتّى أنّي على الرغم من برودة أجواء الشتاء في ليل الموصل كنت أقف ساعات طويلة تمتد حتّى بعد منتصف الليل ماشياً ذهاباً وإياباً في شارع المجموعة الثقافية الذي يتحول بعد الساعة العاشرة مساء إلى شارع يكاد يخلو من المارة عدا الكلاب والقطط السائبة التي تبحث عن بقايا فتات الطعام بالقرب من مخلفات المطاعم … كنت أسير وانا أحمل خيبتي وأحزاني التي لا أستطيع البوح بها لأحد .. سأكون وحيداً مع نفسي ومع أحزاني والناس حولي تهالكوا للحصول على حاجاتهم … فلم يعد واقع الحصار والضنك والفقر المستشري يمنح الإنسان مساحة من التفكير بعواطفه .. إنّه زمن اللهاث والاستهلاك .. لكني اعاند القدر وأفكر بان غذاء الروح وترنيمة العشق بعد فصول الحرمان هي من تتمثّل أمامي ولا يعنيني شيءٌ آخر غيرها .. ولكن علي أن احتمل حصاراً نفسياً وفصلاً مؤذياً من غيابها المرّ وما أصعب الانتظار لروحي التي انهكها الظمأ.
لم يكن يؤنسني في ذلك الشارع المقفر ليلاً إلاّ ثلاثة أو أربعة محلات واحد لبيع الألبان واثنان لبيع المشروبات الكحولية ومطعم الجندول الذي لا يغلق ابوابه! وكنت كل ما أشعر بالبرد أدخل إلى المطعم وأطلب بعض الأكل , كان من يعمل في المطعم يستغرب لأنّي في بعض الأحيان أدخل إلى هذا المطعم مرتين .























