
علي السوداني
لا دولة كبرى ولا دولة صغرى . لا أغنياء ولا فقراء ، بل الكائنات كلها سواسية بمواجهة هذا العدو القاتل المرواغ المباغت .
العالم يعيد اكتشاف نفسه كما لو أن الحياة قد عادت الى لحظات صيرورتها وكينونتها الأولى .
فجأة وجد الناس أنفسهم حبيسي بيوتهم ، وصفارات الإنذار تموسق رنتها المعتقة ، ليس بأمر من (باتريوت) أو صائد الشبح ، بل خوفا ورعباً من السيد كورونا الذي قد يكون مزروعاً على باب دارك بمكرٍ مبين ، ناطراً غفلةً أو ثقباً في جدارٍ ما عاد يشتغل بوظيفة حائط وقاية وستر مبين !!
سيعود الإنسان الى سيرته الخلقية الأولى ، زاهداً بها وضارباً ملذاتها ومسراتها بكفِّ الحقيقة ، في عملية تطهير وتعفير عقليّ جمعيٍّ لم يشهده الكون منذ اقتراف أول حماقة .
خلال نحو نصف قرن بادَ ومضى ، أنتجت السينما العالمية عدداً ضخماً من أفلام الرعب والإثارة التي تتحدث عن عدو خفي لا طاقة للناس على مقاتلته ، وكنا نرى المشهد من باب الخيال العلمي أو الروائي أو الافتراضي ، حتى حلَّ علينا السيد القاسي كورونا ، ولسان حاله يريد أن يخبرنا بزهو منتصر ، أنه هو الذي كنا نشاهده على الشاشة البيضاء والسوداء والملونة غير مصدقين ولا مكترثين بتحولاته العجيبة ، فمرة يظهر لنا مثل خفاش ليل قاصف خدّاع ، ومرة كما دودة قاتلة ، وثالثة أفعى تتلوى وتفتح فمها فتبتلع نصف مدينة ، وكائنات الله في خوف وذهول وموت مؤجل قليلاً ، لا يخلّصها منه سوى بطل الفلم الذي سيطعن في النهاية ظهر الوحش المستسلم لقدره ، وهو ينظر بيأس الى منبت سهم توم كروز وابتسامة النصر والرضا التي تصنعها انجلينا جولي ، على مبعدة شهقة حياة جديدة يقنصها زوم الكاميرا بأمر من المخرج العظيم !!
ستتحول ميزانيات وموازنات الحروب وتصنيع الصواريخ والقنابل الذرية وأدوات الشر كلها ، إلى دولارات ضخمة لبناء المشافي والمختبرات ودور العلم والأدب والفن والزرع والصنع ، تحسباً وتدبراً من بقايا خبث وخبائث كورونا ، الذي قد يطور نفسه ويتناسل لاحقاً ، وينتج لورثته القساة ، صنفاً لعيناً آخر لن يكون بمقدور أهل الأرض الضعفاء قتله أو تجنبه ، إلا باستعمال المضادات الخلاقة الآمنة التي سينتجها حتماً العقل البشري العبقري المتزن البديع .
أمّا الحب الذي اخترعه غابرييل غارسيا ماركيز في روايته المشهورة التي لم ترق لي كثيراً ، فسوف يلد مخيالاً عجيباً وواقعية مسحورة من نوع آخر ، سيحتاج القارىء أو المشاهد في حال تصييرها شريطاً سينمائياً ، إلى كدٍّ فكريٍّ عظيم من أجل فك طلاسمها وأحجياتها وإعادتها الى عواملها الأولية ، مثل معادلة حسابية ذابت وصارت صفراً على الشمال !!
من نافذة عالية تطل على الزقاق ، اختفى المشاة وأجّلَ الأطفال كركراتهم وكراتهم ، لكن ثمة ما يصنع الأمل والطمأنينة والسلام ، وذلك ما تقوم به الآن فراشات الورد المتفتح على شباك آذار ، وسرب الطيور والعصافير التي تضحك على الإنسان الخائب الذي فشل هذه المرة في قنصها وحبسها بقفص لم يعد بحاجة الى مزلاج أمان !!


















