الآلية التعبيرية للأمكنة في قراءة صورة الحرب – اضواء – ايمان عبد الحسين

قصة الشاهد الوحيد للقاصة كليزار أنور

الآلية التعبيرية للأمكنة في قراءة صورة الحرب – اضواء – ايمان عبد الحسين

ان ما يحتويه النص من توصيف لعلامات الدمار والموت والقتل والتشظي، هو بالتاكيد احد اهم الحتميات التي تفتح فضاء النص على الحرب، التي تمثل هذه العلامات احد ابرز سماتها، اذ ان لها  في ذهن المتلقي لا سيما المتلقي العراقي كثافة حضورية فهو من عايش وكابد وجودها على مدار سنوات، وانعكست حتما على قيمه وافكارة ورؤياه ، وهي مثلما تحدث تحولاً وشرخا عميقاً في بنية نفسيته فهي تحدث شرخا في أمكنته، وما لا يخفى على قارىء قصة (الشاهد الوحيد) من مجموعة (قاتلة على الهواء) الصادرة بالقطع المتوسط عن دار الشؤون الثقافية العامة للقاصة (كليزار انور) ان الحرب في هذه القصة حاضرة بكثافة في عدد من العلامات والرموز تمثل جميعها صورة اليمة لواقع مفروض في وجود الحرب والارهاب، واننا نستند في قراءتنا هذه على رمز وعنصر اساسي من العناصر يتمثل بالمكان لنجلي صورة الحرب من خلاله.  لا بد ان نشير اولا الى ان قصة(الشاهد الوحيد) ترتبط مع العنوان الذي هو جزء أساسي وحيوي أشد الارتباط، بمدى ما يقدمه من تأثير كونه يحدد من خلاله للقارىء خاتمة القصة، فاذا كانت قيمة الافتتاحيّة تتحدد باعتبارها وحدة وظيفيّة مهمة من وحدات القصة تهيأ المتلقي لاستقبال لما سيأتي بعدها وتجعل القاريء متسلحا برؤية مسبقة، اي بمثابة نافذة يطل من خلالها، على شفيرات القصة كما في مبتدا القصة المتظمن هنا مجموعة من المفردات التي تبرز الحرب من خلالها (باقدامي احرقت المسافات الطويلة ، ووصلت تقترب الصورة لتوضح معالمها اكثر فتندفع اقدامي في جري سريع تبدو مدينتي امامي كقلعة منخورة بالقنابل) فان للنهاية وحدة وظيفية مهمة ايضا بوصفها بؤرة الجذب والثقل الدلالي، التي تشي باكتمال الموضوع فيها، وهذا في اعتقادي هدف القاصة التي تحاول إلقاء الضوء على ما تريد توصيله في تكريس لصورة الحرب وتثبيت حضور ما يحدث بسببها من دمار وتشظي من خلال الشاهد الوحيد، ذلك من اجل الاستحواذ على اهتمام المتلقي، والمساهمة في تثبيت المعاني وتوصيلها اليه مسبقا.

  من هنا فان القاصة التي تقود مسارت القصة إلى الخاتمة التي تعبر عن مغزى معيَّن منذ البدء، تجعل من الصعوبة عزل العنوان عن البنية الكلية للقصة التي تنتهي بالعبارة التالية (لو علم دافنشي بانك ستشهدين هذا كله لما رسمك أي غموض يفسر ابتسامتك واي لغز يحويها؟؟ ربما كانت ابتسامة سخرية مسحت عنها الغبار وثبتها في مكانها لتبقى الشاهد الوحيد) وعلى هذا الأساس تصبح العلاقة ما بين العنوان ونص القصة علاقة ترابطية و تكاملية فهو حسب الناقد د. جميل حمداوي (مظهر من مظاهر الإسناد والوصل والربط المنطقي).

ان من يطالع قصة (الشاهد الوحيد) سوف يتلمس حتما إن الامكنة هي أحد اهم الآليات التعبيرية التي نستطيع كشف واستجلاء رؤى القصة من خلالها، وان بثها بهذه الكثافة في القصة يشي بالقصد والهدف الاساسي للقاصة، الذي تشكّل منها حاملاً أساسياً للكشف عن حضور الحرب حضوراً واضحاً،وتمظهرها في بنية القصة على هذا النحو من الواضح يعبر على عن مدى ألم القاصة على ما يحدث في الوطن من دمار.

وان ما للمكانة التي تحوزها الامكنة في فعاليات القصة وبوصفها مكوّنة وحدة أساسية من مكوناتها ، وجزء لا ينفصل عن عالمها الفني ، فان أي قاريء للقصة لا يمكنه ان يتجاهل تلك العلاقة التي تصل الامكنة بالحرب ، وعلى هذا الأساس تستمد قراءتنا التي نحاول فيها إبراز وتسليط الضوء على الشواهد التي تدين الحرب من خلال الامكنة بوصفها عنصرًا بنيويًا فاعلا ًله حضوره وأبعاده على مساحة قصة (الشاهد الوحيد) متجاوزا وظيفته الأساسية المتمثلة باعتبارها إطاراً فقط بل انه إطارا أساسيا محتويا ًومتفاعلا يكمن فيها واقع الحرب وله أثره البالغ على مسار القصة ، كما تمثل عنصرا هاماً أبرز ما يميزه كما قلنا سابقا كونها أداة للتعيير عن موقف القاصة التي ترمي من خلاله بث المصداقية فيما تريد توصيله ، وتجعل إدراك الحرب بواسطة وصف ما حل بالامكنة من دمار ممكنا، فاهمية المكان في هذه القصة في اعتقادي تابع من مرجعيته الواقعية، فالقاصة ترسم من خلاله صورة بصرية جاعلة من تقنية الوصف أداة لتصوير المكان وبيان جزئياته وأبعاده، لأن الوصف هو الذي يدخلنا إلى تفاصيل المكان ، الذي يمثل اداة من ابرزسماتها ما تؤديه من وظيفة موضوعية للتشخيص وما تمثله من وظيفة تفسيرية للقارىء، فالوصف هنا عنصرًا أساسيًا يضيء ويكشف جوانب تتولى مهمة التقارب الذهني والتصوري للمتلقي مع احداث القصة بغية اقناعه وتوسيع رؤيته للواقع الذي تريد القاصة توصيله (الرصاص الفارغ يمليء المكان-الحديقة جافة وقد تشققت ارضيتها والاشجار على وشك الموت-الرصاص قد نخر الجدران بمختلف القذائف- ).

 وان الأمكنة التي تبدو هنا علامة دالة بسياقاتها لتلخيص احداث مرت على هذا البلد بشكل مباشر وصريح وبصيغ متنوعة وان تنوعها هذا الذي يعد رافد يدعم ويثري حقل العلامات الدالة على الحرب وأبرزها يمكن إيجازها بالأوصاف المشحونة بالدلالات والمعاني.( الموت الساكن قد غطى المدينة-تبدو مدينة هامدة حزينة مغزولة بالحريق والدمار ).

وتتحدد فاعلية الامكنة هنا ايضا من خلال رصد علاقتها بالشخصيات فالامكنة والشخصية شيئان يكملان بعضهما البعض فالمكان بوصفه حسب (جاستون باشلار) تجربة تحمل معاناة الشخصيات وأفكارها ورؤيتها للمكان وتثير خيال المتلقى تستحضره القاصة هنا بوصفه مكاناً متميزاً- وطئت باب منزلي داهمني فيض من الالم والحسرة- اخذت عيناي تتفحصان جدران بيتي ملاني حزن موجع- وحده الصراخ يتفجر في ارجاء المكان)

  وان القاريء المتمعن يرى ان القصة رغم قلة صفحاتها تتخذ الاماكن فيها أنماطاً متنوعة يمكن تحديدها فيما يلي:

أماكن تشكل فضاءات مغلقة وتتمثل في : ـ المدينة ـ المنازل- الجدران- – الغرف- المكتبة – بيوت العناكب- الصالة وكلها اماكن ترتبط بأوصاف عدّة تجسد سخط القاصة وتبرّمها على الحرب، والتي بوضوح مقاصدها، وتكثيف دلالاتها ما هو الا من اجل التأكيد وجعل القاريء يتعايش مع النص .

أماكن محدّدة تشكل فضاءات مفتوحة وتتمثل في : ـ الشوارع ـ الحديقة ـ الارض

واخيرا ما هو واضح ان القارىء المتمعن لهذه القصة لا بد ان يلاحظ ايضا انه برغم هيمنة اليأس برؤية ما تسببه الحرب من دمار فان هنالك بصيص من الامل، يبرز بعد انتهائها (اقف امام النافذة .. اتطلع نحو الحديقة ذوائب الاشجار تتحرك واسال هل سنقذها الماء؟لا يهم وان ماتت سازرع غيرها من جديد ) (توقفت الحرب وحطت اوزارها فالحرب مهما طالت لا بد ان تنتهي في يوم ما واول ما افكرت فيه بعدها بيتي نعم بيتي ،تتلاشى الصور كومضة ضوء مازالت العصافير تمرح على اسلاك الكهرباء).

تلخيصا ما سبق  نرى ان المكان يشكًل في القصة محوراً حيوياً لأسباب عدة منها:

– يتجاوز كونه مجرد خلفية انما هو عنصر اساسي تضيء القاصة من خلاله تصوير الأبعادَ الاجتماعية والسياسية.

 – يحظى باهتمام القاصة ويشكل محوراً أساسياً من المحاور التي تقوم عليها القصة بوصفه المُعَبِّر عن الوطن الذي يتغلغل في وجدانها ككل وان استثمار القاصة للامكنة ما هو الا ترسيخ معاني الألم والتشظي.

– جاءت القصة, استجابة لواقع مرير مرت به القاصة حتما, وتحقيقاً لرغبتها في اخراج ما بي داخلها من مكبوت ما نرى ان الامكنة تتلون بنفسية ألذات القاصة التي تسعى الى اضفاء مشاعرها على المكان ولكن على الرغم من انه في بعض المواقع تبرز الجوانب الايجابية للمكان بعد زوال الحرب الا ان المفردات السلبية في وصف المكان تعد أكثر مفردات المكان حضوراً في القصة فهي تشغل حيزمائز على امتداد القصة و الكاتبة توظفه كرمز لتشخيص الأحداث والمواقف التعبير عما يجول في الذهن عن ارتسامات الامكنة.