إطلالة من النافذة – نصوص – مؤيد الصالحي
لم يتوقف هطول المطر منذ الصباح الباكر ، كان يروق له إطلاق العنان لبصره ، حيث يمضي به إلى الجهة المقابلة للبناية الشـاهقة التي يسكنها ، مرتديا الملابس السـود التي اعتادها للدلالة على الحزن ، يثني ركبتيه ويضمهما إلى صدره بكـلتا يديه ، ويطيل التحديق في تفاصيل المدينة ، فهـي وسيلته الوحيدة للخروج من الصمت المريب ، بدت له واجهات عشرات المحال التجارية الأنيقة شـديدة اللمعان بفعل انعكاس الأضواء الساطعة عليها ، يبقى مشدودا للخارج حتى ساعة متأخرة من الليل ، يستل أحلامه يدفعها باتجاه غـيمة ناصعة البياض تمر من أمامه يلوح لها بكفه ، يتذكر كيف كان يسامر القمر والنجوم في مدينته الجنوبية البائسة والغافية على ضفاف النهر ، حيث ينقطع التيار الكهربائي حال سقوط المطر ، كان يألف الجلوس لساعات طويلة هناك أمام النهر على دكة صخرية ، يرى صورته معكوسة على صفحة الماء ، ورأى ذات مرة جنية بملامح غريبة تخرج من بين القصب والبردي دون أدنى ضجيج ، أغمض عينيه لحظات وفتحها فـوجد الجنية تعود من حيث أتت بسرعة خاطفة ، اخذ يبحث عنها دون جدوى ، حينما كان يمارس هواية صيد السمك ، يجمعه في سلة مصنوعة من خوص النخيل ، يحمله معه إلى البيت ويوزعه بالتساوي على الجيران الذين يسكنون قريبا منه لا يستثني منهم احدا ، حتى ظنه البعض بأنه ينتمي إلى طائفة ( الصابئة ) ، حيث يفضلون تناول الأسماك وطيور الماء على بقية الأطعمة ، كتقليد تراثي أوفرض ديني ، وراح يستعيد ذكرى وفاة أبيه الذي عانى سكرات الموت وحيدا ممددا على سرير المرض ، مغشيا عليه في غرفة متواضعة بين جدران كالحة ، حتى حضرته المنية ، حينها تأمل وجهه في المرآة المكسورة المعلقة على الحائط ، لم يجرؤ على طرد نظرات الآخرين المصوبة نحوه وفيها شيء من اللوم والعتب ، سمع احدهم يتمتم مع نفسه قائلا : اسلم نفسه للغربة والضياع ، لكن الأمر ليس بيده ، وانه فعل كل ما بوسعه للحضور في الوقت المناسب ، إلا إن إجراءات السفر حالت دون المشاركة في مراسيم دفن الجنازة ، فـقـد اكتفى بتلقي التعازي من الأهل والأصدقاء ، فاتجه لشانه ينقل طرفه هنا وهناك ، يبحث عن شيء ما يصلح للذكرى ، فلم يعثر إلا على ذلك الحذاء القديم المركون بإهمال في الزاوية البعيدة ، تسللت إلى جسده النحيف حزمة من الدفء وهـويهرع إليه أزاح عنه التراب والغبار وحمله إلى سوق المدينة لرتقه وإصلاحه وإعادة طلائه ، فأصبح في حال أفضل رغم إن الاسكافي نصحه برميه في القمامة ، بعد ذلك دخل المقهى المجاور ، وألقى التحية على الجالسين ثم جلس وحيدا ، وطلب فنجان قهوة مرة ، أجابه النادل معتذرا بقوله : – لا نقدم القهوة هنا . . لدينا شاي فـقـط ، نهض على عجل تاركا مكانه دون أن ينظر خلفه ، من يومها قرر أن يدفع نصف دخله الشهري لطالب حاجة أومتسول على شكل صدقة على روح أبيه ، واستمر ما يقرب السنة على هـذا المنوال ، وان أول شيء فعله عند عودته إلى بلاد الغربة ، البدء بإقامة الصلاة التي وجـد فيها راحة نفسية وطمأنينة وقرب من الخالق ، كما هوشان الكثيرين ممن يفارق ذويهم الحياة ، فيشرع احدهم في المواظبة على الصلاة ، معتقدا بـدنـواجله ، فان الميت الذي لم يصل في الحياة الدنيا ، سوف يحاسب على ذلك ، ويخرج من رحمه ربه ومغفرته يوم الحساب ، لذلك شاع القول عـند الناس : ( جاءك الموت يا تارك الصلاة ) .
أرسلت السلطات الحكومية في طلبه وحثـته مرة أخرى على مواصلة بذل الجهود الرامية إلى الاندماج بالمجتمع والتعايش السلمي وأن يتكيف مع الوضع الجديد ويخضع لنظام البلد ، بعد أن حصل على هـوية الإقامة الدائمة ، كما قـدم عشرات الطلبات فلم يحصل على موافقة السلطات بضم أبيه إليه وحصوله على الإقامة، ولاسيما بعد أن تدهورت حالته الصحية وتردت أوضاعه المادية ، لكن دون جدوى ، وبقيت المسافة بين الحلم والحلم على حالها ، أشبه بكابوس مخيف يأتيه يوميا في الهزيع الأخير من الليل يقلق مضجعه ، مثل حرب كونية طاحنة يكتوي بنيرانها الجميع ، تراكم جثث القتلى من الجنود فوق بعضها البعض ، وتنتشر المآتم في البيوت والأزقة ، ويزداد الفقر والقحط وتيبس أثداء الأمهات من قطرات الحليب ، والأرض تشكو انقطاع قطر السماء ، تخرج الأفاعي من جحورها ، تحول هذيانه إلى حشرجات متقطعة ، يروي تفاصيل مثوله أمام آمر الوحدة كيف كان يقتاده نائب الضابط قسرا لأتفه الأسباب لمعاقبته ، بعد أن يخلع غطاء الرأس والنطاق ، بانتظار صدور الحكم القاضي بزجه في سجن المعسكر المظلم الذي لا يصلح حتى لإيواء الحيوانات ، يبقى فيه أسبوعا بأكمله ، لا يرى فيه ضوء النهار ، كما لم يغب عن باله يوم توفي احد أقربائه من المساكين ، فأطلق ساقيه للريح وشمر عن ساعديه ، واخذ يتنقل بين أفراد عشيرته ومعارفه واحدا اثر واحد ، من اجل أن يجمع بعض المال الـذي يسد به رمق الأسرة المفجوعة بوفاة معيلها الوحيد ، فجأة توقف المطر ومعه عقارب الساعة ، استأذن النافذة وتوجه إلى سريره .
























