إستراتيجية الجراح لإنقاذ دجلة في واسط – راجي علي العوادي

إستراتيجية الجراح لإنقاذ دجلة في واسط – راجي علي العوادي

بعد أن كشفنا في المقال السابق عن أرقام الأحمال الملوثة التي يلقيها عملاق بغداد في جسد دجلة ضمن منطقة واسط ، نضع اليوم أيدينا على الجانب الأكثر خطورة في دراساتنا لعام 2026أين تذهب هذه السموم؟ والجواب باقتضاب إنها لا تمر مرور الكرام ، بل تستوطن في تعرجات نهر دجلة الممتدة باتجاه محافظة واسط.

أن هذه التعرجات او الانحناءات , لم تعد مجرد ملامح طبوغرافية ، بل تحولت إلى  مفاعلات ترسيب عند انخفاض التصريف إلى 200 م³/ثا، تتباطأ سرعة الجريان في الزوايا الداخلية لهذه التعرجات،

فالرصاص والنيكل والكروم (التي سجلت فروقاً معنوية حادة في اختباراتنا الإحصائية) لا تطفو، بل ترتبط بالدقائق الطينية وتترسب في القاع بفعل انخفاض الطاقة الهيدروليكية, والفسفور العالي القادم من بغداد يعمل كـ  مخثر  يسحب المعادن الثقيلة إلى الأسفل ، مما يجعل قاع النهر مخزناً لسموم عام 2025 وما قبله، وصولاً إلى ذروة التلوث في 2026, بل تحول قاع النهر إلى  مقابر كيميائية احتجزت في طميها أطنان المعادن الثقيلة التي تراكمت عاماً بعد عام  لذا، فإن ترك النهر دون تطهير قاعه يعني بقاء  المصدر الكامن  للتلوث نشطاً، حيث تستمر تلك الرواسب في نفث سمومها إلى المياه الصافية.

قد يرى المواطن أو المسؤول مياهاً صافية في بعض الأحيان ، لكن الحقيقة العلمية تؤكد أنها ملوثة بالسموم  نتيجة الرسوبيات القاعية, وهذه السموم  , قد تنتقل عبر جذور النباتات إلى المحاصيل، ومنها إلى السلسلة الغذائية، مما يعني أننا بصدد كارثة  تراكم حيوي  صامتة لا تظهر أعراضها إلا في سجلات المستشفيات لاحقاً.

إن البيانات التي وثقناها في المقال السابق ، تؤكد أن النهر فقد قدرته الطبيعية على التطهير, والحل لم يعد يكمن في  زيادة الإطلاقات المائية  فقط ، بل في الجراحة الهيدروليكية, كخيار استراتيجي وحيد , إن هذا المصطلح الذي صغناه لا يعني مجرد إضافة مياه جديدة ، بل التدخل الجريء في بنيوية النظام المائي ذاته ، كما يتدخل الجراح لإنقاذ جسد عليل , تبدأ هذه الجراحة بـ  بتر المصدر ، عبر عزل الممرات التي تحمل سموم الصرف الصحي والصناعي وقناة ديالى وفصلها نهائياً عن وريد دجلة الرئيسي، ثم ننتقل إلى إعادة التوجيه عبر استخدام القنوات الموازية كقناة النهروان , أو المصب العام لتحويل مسار تلك المياه الملوثة بعيداً عن أراضي واسط، في محاكاة دقيقة لعملية تحويل مسار الشريان المسدود لتأمين تدفق الحياة, ولا تكتمل هذه الجراحة دون  التطهير الهيكلي الذي يستهدف تنظيف بؤر الترسيب الراكدة في انحناءات النهر التي تحولت لمخازن دائمة للسموم ، وهو إجراء هندسي يتجاوز منطق  دفع الماء  التقليدي , إننا بهذا التحول ننتقل من خانة الاستسلام لـ هيدرولوجيا الكم  المعتمدة على إطلاقات دول الجوار، إلى رحاب  هيدرولوجيا النوع  التي نمتلك زمامها داخلياً ؛ فبدلاً من انتظار معجزة سماوية ترفع التصريف لغسل النهر، نقوم بـ  هندسة المسارات  بذكاء لضمان أن المائتي متر مكعب المتاحة تصل إلى واسط وهي نقية كيميائياً، لنصون بذلك كرامة التربة وحياة الإنسان بأدوات العلم وقرار الجراح.

دكتوراه ادارة التربة والمياه