أخطاء عروضية في قصائد عارية
إرتباكات الوزن وإخفاقات اللغة – نصوص – قيس مجيد علي
من الغريب حقّاَ أَن تثير المجموعة الشعرية ” قصائد عارية ” للشاعر حسين مردان هذهِ الضجة والاثارة والاهتمام وهي التي لا يقوى صاحبها على أَن يقدم فيها قصيدة ذات مستوى مقبول .. لما سنراه من اشياء فيها تؤكد هذا القول .. وقبل الدخول الى المجموعة أقول ربما كان لطبيعة العصر آنذاك ما يحتِّم على الشاعر أن يحتفظ لنفسهِ ما أراد قوله في المجموعة. فالتحفُّظ والالتزام الديني والتقاليد والاعراف الاجتماعية كانت تخشى لا بل كانت تأبى أن ينتشر مثل هذا الشعر بين أوساطها رغم وجود مثله أو الأكثر منه اباحيةً في شعرنا العربي القديم ابتداءً من أمرئ القيس ومروراً بالعصر الأموي والعباسي الى يومنا هذا متناثراً لا مجموعاً، وأقرب مثال على ذلك قصائد الجواهري في هذا الغرض كقصيدة (جربيني) وقصيدة (سلمى) وقصيدة
(ليلة معــــــــــها) وغيرها …. .
فالمجموعة بكل ما تحمله وابتداءاً من العنوان (قصائد عارية) ليست مؤهلة لان تكون بهذا المصاف أو المستوى الذي وجدناه عند اكثر الشعراء الذين خاضوا في هذا الغرض، فالعنوان (قصائد عارية) لا يدل على ما أراد الشاعر من معنى في قصائده .. فعارية صفة للقصائد ومعناها (خالعة) فهي صفة ليست للمعاني التي تحملها مضامين القصائد .. يقال … امرأة عارية .. أي .. خالعة لثوبها .. ويقال (نساءٌ عاريات) أي (خالعات لثيابهن). فما الذي خلعت قصائد الغلاف .. اذن كان حرياً بالشاعر ان يسمّي مجموعته هذهِ بـ (قصائد للتعرّي) أو (نساء الليل) أو (نساء الماخور) الذي يعشقهُ ويتلذذ فيه حتى يحقق ما يدور في ذهنهِ …
أمّا قصائد المجموعة فتعجُّ بارتباكات الوزن واخفاقات اللغة وجهل الكتابة ممّا يجعل القول إِنَّ الشاعر لم يمتلك الأداة الشعرية التي تمكنه من تقديم قصيدة متكاملة بكلِّ مقوماتها كما وجدناه عند الجواهري مثلاً. فالوصف والمعنى وحدهما لا يكفيان لأن يكونا سبباً في إنجاح القصيدة وإلا لكان النثر أولى بهما …
ناهيك عن السلوكية التي ابرزها الشاعر نفسه بوصفها بالقذارة والعجب بالبلاهة من القارئ … وما أظنُّ هذا إلا من باب: “خالف تُعرف”. براكين البحر
ارتباكات الوزن:- في القصيدة الأولى (براكين) وهي من البحر الخفيف نجد الشاعر يخرج من هذا البحر الى البحر المديد في اربعة مواضع هي:-
(1) يقول .. يا ليالي/ لم اعد/ اتشهّى
فاعلاتن/ فاعلن/ فاعلاتن
وكذلك يا ليالي/ لم أكن/ غير خطٍّ
فاعلاتن/ فاعلن/ فاعلاتن
وكذلك يا ليالي/ باطلٌ/ كلُّ شيءٍ
فاعلاتن/ فاعلن/ فاعلاتن
وكذلك يا ليالي/ باطلٌ/ كلُّ شيءٍ
فاعلاتن/ فاعلن/ فاعلاتن
وهو شطر مكررّ في البيت الأخير …
في القصيدة نفسها يقول:-
وأغرقي الكونَ باللهيب وغنيّ فوق اشلائهِ نشيد السعيرِ
ففيه انكسارٌ ايضاً، إذ أَنَّ الواو زائدة لأنَّ همزة (أَغرقي) هي همزة قطع وليست همزة وصل لأنها من الفعل (أَغرق) والدليل أخذه للمفعول به (الكون).
اذن الصحيح أن يقول:-
أَغرقي الكو/ن باللهيـ/ب وغنّي
فاعلاتن /متفعلن / فاعلاتن
في قصيدة (ثدي أمي) وهي من البحر الخفيف أيضاً نجد انكساراً في الوزن… يقول:
وشربتْ عمري الليالي ونامت بين جنبي ثورةُ المعمودِ
والحقُّ أَنَّ هذهِ الواو زائدة في الوزن فلو حذفت لاستقام الوزن.
شربت عمـ/ري الليا /لي ونامت
فاعلاتن / متفعلن / فاعلاتن
وفي الشطر الثاني يجب ان تكون الياء في جنبي (مشدّدة) حتى يستقيم الوزن ايضاً
* * *
في قصيدة (ميلاد شيطان) وهي من البحر البسيط … يقول:-
فهل اتيت الى الدنيا لأملأها
خزياً وعاراً وأحزاناً وكفرا
نلاحظ ان الشطر الثاني قد نقصت تفعيلة (الضرب) احرفاً.
والصحيح أَن يكون كالآتي:-
خزياً وعا / راً وأحـ / زاناً وكفـ / رانا
مستفعلن / فاعلن / مسفعلن / فعلن
* * *
في قصيدة (نهاية قبلة) وهي من البحر السريع يقول :
يا قبلةً لمَّا تزل نارها تموج أغواري الثائرة
نلاحظ ايضاً أَنَّ في الشطر الثاني انكساراً في الوزن وحتى يكون صحيحاً يجب أن يكون كالآتي:-
تموجُ في/ أغواريثـ / ثائره
مستفعلن / مستفعلن/ فاعلن أو مفعلا
* * *
في قصيدة (راقصة) وهي من البحر الخفيف يقول :
كلَّما حرّكت فخذها الشهي تمشي في عروق الرجالِ نارٌ وحجرُ
ففي الشطر الأول انكسارٌ كبير لا يداوى إلا بتبديل الشطر كلّه .. وكذلك يقول:
تتغنين فوق جثة الطهر سكرى بنشيد الخنا ولحن الغناء
لا يستقيم الوزن إلا بحذف كلمة (فوق) فيكون كالآتي:-
تتغننيـ / ن جثة ط / طهر سكرى
فعلاتن / متفعلن / فاعلاتن
وكذلك يقول:-
كنتُ قبل الغرام قلباً خليّاً
… ميّت الوحيِّ يستّدر الرثاء
فجرت فيه اصبح الخلد عيناً
…فمضى يملأ السماء غناء
والصحيح أن تكون القافيتان (الرثاء – غناء) الرثاءا وغناءا ليستقيم الوزن.
* * *
في قصيدة (العروق الزرق) وهي من البحر الكامل. يقول:-
أَهوى بجبهتيكِ السنا ويروق لي منكِ اصطخابِ النارِ في عينيكِ
والصحيح ان تكون الجبهة بالمفرد وليس بالمثنى ليستقيم الوزن
أهوى بجبـ /هتكِ السنا /ويروق لي
متفاعلن /متفاعلن / متفاعلن
في قصيدة (الضمة القاسّية) وهي من البحر السريع، يقول:-
خدعتُ بالأرض زماناً فهل تراني يوماً بالسماءٍ أُخدعُ
والصحيح ان تكون (السما) بدلاً من السماءٍ الممدودة ليستقيم الوزن.
تراني يو /ماً بالسما /أُخدعُ
مستفعلن / مستفعلن /فاعلن أو مفعلا
ويقول:- وددتُ لو استطيعُ في لحظةٍ تحطيم هذا العالم الفاني
والصحيح أن يقول:-
وددت لو /اسطيع في/لحظةٍ
مستفعلن / مستفعلن /فاعلنُ أو مفعلا
اخفاقات اللغة:-
في قصيدة (ثدي امي) يقول:
فدعيني أعيشُ وحدي غريباً
بينَ احلام قلبي المستحيلة
فقد ورد الفعل (أعيشُ) مرفوعاً وحقُّه الجزم لأنّه جواب الطلب المقدر بالشرط، ومثلــــــه ما ورد في قصيدة (عبد) يقول:
ودعي شياطين الرذيلة حولنا
تعوي بأغنية المحبِّ الداعرِ
فقد ورد الفعل (تعوي) مرفوعاً وحقَّهُ الجزم لأنه جواب الطلب المقّدر بالشرط.
* * *
العروق الزرق
في قصيدة (العروق الزرق) يقول:
وأودُّ لو إِني أجبن ولن أرى تلك العروق الزرق في ساقيك
وردت همزة (إِنيّ) مكسورة والصحيح ان تكون مفتوحة لأنها مصدرية تشكل هي واسمها وخبرها مصدراً مؤولاً يعرب فاعلاً لفعل الشرط المحذوف الذي يقدر بـ (ثبت).
* * *
في قصيدة (قسم) يقول:
إِني عهدتكِ بالوصال كريمةً
فهبي جمالك ساعةً لصديقي
فكمة (لصديقي) تعني صديق الشاعر بينما الصحيح ان تكون (لصديقِ) بالكسر ليكون المقصود الشاعر نفسه بينما بـ(الياء) يفسر البيت بمعنى آخر أتجافى عن ذكره. * * *
في قصيدة (راقصة) يقول:
أيُّ روحٍ بالأمسِ كنت جميل
شوّهت افقه يد الايام
فقد وردت كلمة (جميل) غير محركة وكان حقها النصب بتنوين الفتح لأنها خبر للفعل الناقص (كنت).
* * *
في قصيدة (الضمة القاسية) يقول:
لو كنتُ في قلب الذي يدَّعي
بأنه مبدعُ انساني ..
والصحيح ان يقول بأنه مبدعُ انسانِ … بدون الياء فالمدُّ يكون لفظياً لا مرئياً حتى لا تختلط الكلمة (بياء المتكلم).
* * *
ويقول:-أتيتُ لا أهلا ألم يكفي ما
فعلت بالأمسِ بأعصابه
فقد ورد الفعل (يكفي) مرفوعاً وحقَّه الجزم بحذف حرف العلّة (الياء) لأنهُ مسبوق بالأداة لم … ومثله ما ورد في قصيدة عواء، إذ يقول:
لم يبقى من عمري سوى
نغم يردّده الشقاءُ
فقد ورد الفعل (يبقى) مرفوعاً وحقَّه الجزم بحذف حرف العلة الألف لأنه مسبوق بأداة الجزم (لم).
ومثله ايضاً ما ورد في قصيدة (عبادة القبح) يقول:
هم أصلُ بلوتنا واصل شقاؤنا
لولاهم لم نأتي أيَّ محرّم
فقد ورد الفعل (نأتي) مرفوعاً وحقّه الجزم مثل سابقية.
ألم يكن ما تقَّدم من اشياء سبباً مقنعاً للاستغراب من هذهِ الضجة والهلوسة التي اثيرت حول مجموعة الشاعر (قصائد عارية) ذات الصفحات الثماني والأربعين والتي تحتوي على عشرين قصيدة بعضها لا يتجاوز خمسة الأبيات.
ملاحظة (1): نلاحظ في البيت كتابة الهمزة في (شقاؤنا) فقد كتبت على الواو وحقها ان تكتب على الكرسي لأنها في موضع الجر لأن (شقائنا) مضافٌ اليه.
ملاحظة (2): في قصيدة (نهاية قبلة) لا يفرق الشاعر فيها بين (الهاء) والتاء المربوطة إذ ورت فيها كثيراً.
المصدر :-حسين مردان، الاعمال الشعرية د. عادل كتاب نصيف العزاوي، سلسلة وفاء – الجزء الأول، دار الشؤون الثقافية العامة.
الشاعرة والأديبة ميادة العاني :























